نحن في عالم جديد يتشكل

كأننا ما زلنا نعيش الحرب الباردة، حيث لم يظهر أن لانفجار الأزمة المالية عام 2008 أي أثر على تحليل الوضع الدولي، وتلمّس المتغيرات التي تحصل فيه. ولهذا ما زلنا نعيش الحرب الباردة، حيث ينقسم العالم إلى منظومة إمبريالية على رأسها أميركا، ومنظومة اشتراكية على رأسها الاتحاد السوفياتي، الأمر الذي يظهر واضحاً في كل ما يصدر من تحليلات ورؤى ومواقف.

انهيار الاتحاد السوفياتي أنهى الحرب الباردة، وجعل روسيا الاتحادية جزءاً من المنظومة الإمبريالية، حاولت أميركا أن تجعلها ملحقاً لكن الأمر تجاوز ذلك. وبالتالي فإن كل التحليلات والمواقف التي انبنت عليها خلال الحرب الباردة باتت من الماضي.

لقد بات العالم رأسمالياً “صرفاً”، ولم يعد “الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية” هو الذي يحكمه، ومن ثم بات كل صراع هو بين رأسماليات. روسيا التي باتت رأسمالية مع سيطرة يلتسين وتفكيك الاتحاد السوفياتي، والصين باتت رأسمالية بعدما اندمجت في الاقتصاد الرأسمالي، وأميركا وأوروبا واليابان هي البلدان الرأسمالية التي شكلت الثالوث كما يقول سمير أمين.

أميركا عملت جاهدة لأن تسيطر على العالم بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، وحاولت تأسيس عالم أحادي القطب، مستغلة الفراغ التي نشأ عن غياب القوة العظمى الأخرى، أي الاتحاد السوفياتي، وبفعل ضعف الرأسماليات الأخرى.

العولمة هي شكل فرض السيطرة الأميركية، والشكل الاقتصادي الذي يحقق مصالح الشركات الاحتكارية الأميركية، وأصلاً الطغم المالية الأميركية. وكانت السيطرة تنطلق من التدخل العسكري والاحتلال، ونشر القواعد العسكرية، أي عسكرة العالم.

وإذا كانت أميركا عبر كل ذلك تريد تجاوز أزمتها “المالية” التي بدأت مع بداية سبعينيات القرن العشرين، وتفجرت بأشكال مختلفة منذئذ، فقد أوضحت الأزمة المالية التي تفجرت عام 2008 أن المسألة أعقد من أن تحل، حتى عبر السيطرة على العالم، هذه السيطرة التي ظهر لأول مرة أنها تزيد الأزمة ولا تقود إلى حلها كما كان الأمر في الأزمات السابقة.

حاول أوباما في فترته الأولى تجاوز الأزمة عبر الاستمرار في سياسة بوش الابن على أمل أن يجري تجاوزها، لكن ربما كانت سنة 2010 سنة فاصلة في التاريخ العالمي، حيث ظهر أن الأزمة لم تحل، وأن حلها يستلزم سياسة أخرى مختلفة جذرياً. هذا ما أسّس لوضع عالمي جديد. نحن بالتالي في وضع عالمي جديد، ليس من المفيد فيه تكرار كل التصورات السابقة، أو الاعتماد على أفكار تبلورت خلال الحرب الباردة، وحتى خلال السيطرة الأحادية القطب. نحن في عالم جديد يتشكل، ربما لم يتبلور بعد، وليس واضحاً كذلك، لكنه يتشكل.

أميركا لم تعد أميركا التي نعرفها وأسسنا كل تصوراتنا السابقة انطلاقاً من هذه المعرفة. وروسيا لم تعد روسيا التي انهارت وباتت ملحقاً بأميركا، وأوروبا لم تعد جزءاً من الثالوث، كذلك اليابان التي تتهمّش، والصين تفرض إيقاعاً جديداً جعل الإمبريالية الأميركية تعتبرها الخطر الأول عليها.

باختصار يشهد العالم مخاضاً من أجل تشكّل جديد لم يتبلور بعد، وهو يعاني من أزمة تخترقه، لكنه بالتأكيد لم يعد العالم القديم. ليس عالم الحرب الباردة ولا عالم الأحادية القطبية، وربما لا يكون عالم الرأسمالية ذاتها.

أميركا تراجعت عن سياستها الأحادية القطبية بعدما ظنت أن العالم بات ملكا لها. تواضعت وباتت تتكيف مع وضعها الجديد، فلم تعد ترى أنها قادرة على أن تكون “زعيم العالم”، والمسيطر بقوته العسكرية، لأن هذه السيطرة لم تقُد إلى تجاوز الأزمة العميقة التي تعيشها، والتي ما زالت تتهددها.

وبالتالي يبدو أنها اقتنعت بأن تكون قوة “عظمى” بين قوى متعددة، وأن تهتم بحماية وضعها الداخلي وحل أزمتها “المالية” بدل الاندفاع للسيطرة. لقد انكفأت، وباتت تخشى تنافسا يطيح بها، وتخشى “قوة الصين” التي باتت شاغلها الأول. هذا هو مضمون إستراتيجيتها الجديدة التي أقرت بداية سنة 2012، والتي أسست كل سياستها العسكرية على أساسها، وجعلها تنظر من منظور “الحماية من الصين”.

وروسيا تقدمت، باتت تتصرّف كقوة إمبريالية تريد حصتها في التقاسم العالمي الجديد، وهي تعرف أزمة أميركا ومشكلاتها، لهذا تقدمت لفرض إيقاع جديد، ربما يذكّر “بالحرب الباردة”، لكنه هذه المرة يعبّر عن تنافس إمبريالي. روسيا تريد السيطرة والاستحواذ على الأسواق وتحقيق مصالح طغمها المالية.

الصراع هنا صراع بين رأسماليات، بين طغم مالية يريد كل منها أن يسيطر، ويستحوذ على الحصة الأكبر. روسيا هنا ليست الاتحاد السوفياتي الذي دعم “حركات التحرر” من أجل تقليص السوق الإمبريالي، وإضعاف البلدان الإمبريالية لكي “تنتصر الاشتراكية”، بل هو روسيا الإمبريالية التي تريد الأسواق، وهي تحاول تشكيل محور عالمي يعمل لأن يرث الثالوث الإمبريالي القديم (أميركا وأوروبا واليابان)، ويصبح هو الإمبريالية الجديدة.

الصين لا تطرح ذاتها قوة منافسة في المستوى السياسي، لكنها تنتصر في التنافس الاقتصادي، هي تستحوذ على كتلة نقدية هائلة من الدولار (ثلاثة تريليونات)، وتوظف في سندات الخزينة بمبلغ معتبر (1.5 تريليون دولار)، وسلعها تغزو كل العالم بما يجعلها “إمبريالية تجارية” من الدرجة الأولى. كما تتحوّل إلى قوة عسكرية هائلة. وفي كل ذلك يظهر خطرها على أميركا، خصوصاً أنها تتحالف مع روسيا (ومع البرازيل وجنوب أفريقيا، وحتى الهند العدو التاريخي).

اليابان يبدو أنها تغرق في أزماتها، فبعدما كان التوقع يشير إلى أنها سترث أميركا وتصبح القوة الأولى، باتت هامشاً لا يذكر تقريباً.. إنها غارقة في حل مشكلاتها، هذا باختصار هو وضعها.

أوروبا مهددة بأزمة مديونية ربما تدفعها إلى الانهيار، ورغم أن ألمانيا ما زالت “دون مشاكل”، وهي المستفيد من “الاتحاد الأوروبي”، فسيفضي انهيار بلدان مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا إلى انهيارها هي كذلك.

وهي ترتب وضعها بالتحالف مع روسيا، بينما تسعى فرنسا إلى أن تستعيد بعض مواقع نفوذها لكي تتجاوز الأزمة الممكنة التي لن تستطيع تجاوزها، لهذا تبدو في “تناقض” مع مطامح ألمانيا، و”تخلي” أميركا، وطموح روسيا. لقد اعتقدت أنها تستطيع أخيراً “وراثة” سوريا، لكنها اكتشفت أن أميركا قد باعتها لروسيا، فاندفعت لكي “تسرق” مالي، وربما تغرق فيها.

عالم مضطرب، ولم يتشكل بعد، لكن يجب أن يكون واضحاً أن أميركا لم تعد أميركا التي نعرفها، وهذا أمر مهم وأساسي، خصوصاً أن “الصورة النمطية” لها تتأسس على أنها طرف في الحرب الباردة وقائدة “المعسكر الرأسمالي”، وأنها الطرف الوحيد المسيطر بعيد انهيار المنظومة الاشتراكية، وأنها تحيك المؤامرات، وتتدخل في كل تفاصيل العالم.

لكن أزمة 2008 قلبت الوضع كله، وباتت أميركا في تراجع، وتعمل على إعادة ترتيب وضعها العالمي على ضوء أزمتها وقدراتها التي تراجعت، وهي تسعى لأن تبقى قوة من القوى العالمية.

ومن ثم فهي تعيد رسم تحالفاتها وتموضعها العالمي، ومركز اهتمامها هو منطقة الباسيفيك (آسيا والمحيط الهادي). ولهذا لا بد من رؤية سياساتها انطلاقاً من هذا الأساس، وليس من السياسة التي اتبعتها خلال الحرب الباردة، أو خلال مرحلة العولمة وسيطرة الأحادية القطبية. وأي كلام لا ينطلق من ذلك تكرارا لما كان، سيبدو سطحياً.

إن العالم الجديد لم يتشكل بعد، وإن كل الصراعات التي تجري في الخفاء، تنطلق من السعي للحفاظ على وضع القوى القائمة أو تدعيم وضع بعضها على حساب بعضها الآخر، وإن “تراجع” أميركا لا يعني انسحاباً شاملاً وسريعاً، بل يعني أن منطقة الباسيفيك باتت هي محدِّدة السياسات والأولويات، وأن “الشرق الأوسط” بات في الدرجة الثالثة أو الرابعة من الاهتمام الأميركي.

وهذا يفرض التفكير في “الدور الجديد” لأميركا في “الشرق الأوسط”، كما يفرض تلمس أدوار القوى الأخرى. ولهذا لن تفيد هنا كل “الذخيرة المعرفية” التي سادت منذ عقود، ويقتضي “التحليل الملموس للواقع الملموس”، وأنه كله يعاني من أزمة اقتصادية بنيوية لن تسمح بإعادة إنتاج السيطرة الإمبريالية مهما كانت القوة الأكبر فيها.

بالتالي لن نشهد وراثة إمبريالية أخرى بعدما ورثت أميركا بريطانيا عقب الحرب العالمية الثانية، بل سنشهد هزات وأزمات اقتصادية تطال كل الدول الإمبريالية، بما في ذلك روسيا والصين.

العالم إذن ينفتح على صراعات كبيرة، وعلى أزمة عميقة ستفرض تصاعد الصراع بين الشعب والطغم الإمبريالية، الأمر الذي سيجعل الثورات العربية هي المقدمة لثورات عالمية قد تفتح أفقاً لعالم جديد.

المصدر: الجزيرة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s