الثورة السورية في عام جديد

خاص كواكبي

العام الثاني ينتهي والثورة لازالت تتطور، لكنها لم تنتصر بعد. زمن جعل كثير من المتابعين والمشاركين يعتقدون أن الثورة تفشل، وأوحى بأنها عاجزة عن الانتصار، أو أن استعصاءً يقوم. ولا شك في أن الوضع صعب، وبالتأكيد أكثر من صعب. وأن القتل والتدمير مؤلمان، وقد أوحيا بأن ثمن الثورة كبير إلى حد مذهل. لهذا ندخل العام الثالث للثورة والأمور في غاية التعقيد، وليس من ملامح لنهاية. هذا ما يبدو للسوري “العادي”، ولكثير من المشاركين في الثورة. خصوصاً بعد أن توضّح أن كل الدول “الكبرى” في توافق على “الحل السياسي”، وبالتالي على دعم “الحل الروسي” الذي يريد حواراً مع السلطة التي باتت خارج المعقول، وبات من المستحيل قبولها.

ورغم أن العمل العسكري يُظهر تقدماً في العديد من المناطق، آخرها في الرقة، وفي محيط دمشق ودرعا، فإن هذه الصورة تسكن في مخيلة كثيرين. وهذا ما يجعل الوضع مرتبكاً ومبهماً، يميل البعض إلى التعلق بالحل الدولي الذي تسارع الحديث عنه في الفترة الأخيرة، وظهر كأننا على أبواب توافق روسي أميركي يوصل إلى حل، خصوصاً بعد مبادرة معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني التي لاقت رفضاً من معارضة الخارج ما لبثت أن تراجعت دون أن يجري التيقّن من أن شيئاً يمكن أن ينتج عنها.

لكن، لا بد أولاً من تقدير الجهد الكبير الذي بُذل، والبطولة التي ظهرت طيلة كل هذه الأشهر، خلال النضال الشعبي الذي كان يصرّ على السلمية، أو خلال الانتقال إلى العمل المسلح بخبرة بسيطة وسلاح قليل. ومن ثم، ثانياً، لا بد من ملاحظة أن الثورة باتت بحاجة إلى تطوير كبير في آلياتها والرؤية التي تقوم عليها، والأهداف التي تسعى لتحقيقها، ومن ثم الإستراتيجية الضرورية لتحقيق الانتصار. فقد اتسمت الثورة منذ البدء بالعفوية، وبنشاط شعبي من فئات لم تعرف السياسة قبلاً، وكان الاستبداد في أساس تهميش الشعب وإبعاده عن السياسة، وحتى الثقافة. والعفوية لا تقود إلى انتصار بالضبط لأنها لا تمتلك التنظيم والسياسات التي تحقق التراكم الذي يؤدي إلى إضعاف السلطة وفرض انهيارها. وهذا ما يظهر أحياناً أن الثورة باتت تدور في حلقة مفرغة، وأن القتل والتدمير والوضع المعيشي الصعب أكبر من أن يحتمل.

سنتان من الثورة أمر مهم وكبير، ويعبّر عن قوة الثورة خصوصاً وهي تواجه سلطة وحشية تستخدم كل أشكال العنف، ودون قوى سياسية تنظم الفعل وتبلور الخطاب المعبّر عن الثورة. وهذا الوضع هو الذي أسهم في إطالة الوقت، وفي الفوضى التي تنتشر، والاستعصاء الذي يبدو قائماً رغم الانتصارات على الأرض.

لهذا نحن بحاجة، والثورة تدخل عامها الثالث، إلى نقد الفوضى والانفلات، وميل البعض لفرض سلطته ومنطقه من الآن، وهو الأمر الذي يخلق تشوشاً وارباكاً ويزيد الفوضى التي تؤخّر من انتصار الثورة. ونحن بحاجة لأن يشكل الشعب المجالس التي تمثله، والتي تصبح هي السلطة التي تتابع كل ما يتعلق بالناس، وتضمن الأمنن لكي يتفرغ المسلحون للقتال. وكذلك بحاجة لأن نكسب كل الذين تخوفوا أو دفعتهم الأخطاء التي قامت بها بعض القوى، والخطاب السيئ الذي تكرر خلال الفترة الماضية من قبل هذه القوى، إلى التشبث بدعم السلطة أو الانغلاق وعدم المشاركة في الثورة. فالثورة هي ثورة كل الشعب، وليس ثورة طائفة أو فئة، وهي لكل الشعب وليس لطرف فقط.

على أمل أن نستعجل الانتصار.

المصدر: مجلة الكواكبي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s