السلطة للشعب طبعاً

بدأت الثورة عفوية نتيجة احساس شديد بالفقر والاضطهاد والقمع، وكان الشباب هو محركها دون أحزاب أو رؤى لآليات تطورها، أو لكيفية إسقاط النظام. والشعب الذي منعه الاستبداد من النشاط السياسي حرمه كذلك من الثقافة السياسية وحتى من كل ثقافة. لهذا كانت المسألة تتعلق بالتظاهر من أجل إسقاط السلطة، وربما ظنّ البعض أن المسألة ستكون سريعة، وإنْ تأخرت أكثر مما حدث في تونس ومصر.

لكن الثورة طالت، وتوسع عنف السلطة التي باشرت منذ البدء باستخدام الرصاص وإدخال بعض قطاعات الجيش في الصراع ضد الشعب، الأمر الذي فرض اللجوء إلى استخدام السلاح كمواجهة كل الوحشية التي مارستها السلطة. لكن هنا ظلت العفوية مسيطرة، حيث بات العمل المسلح هو ردة فعل على ممارسات السلطة دون إستراتيجية واضحة. وظلت، ومازالت، المجموعات المسلحة مشتتة، وفي أحيان كثيرة تتخذ طابعاً مناطقياً، دون تعاون بينها في كثير من الأحيان. وهو الأمر، مع قلة السلاح والذخيرة، الذي جعل فاعليتها ليس كما يجب، وأبقى أمر المباغتة بيد السلطة بدل أن يكون بيد هؤلاء.

ولقد حاول البعض إتباع ما جرى في ليبيا فأطلق “سياسة التحرير”، وجرى الحديث عن الزحف من الشمال إلى الجنوب، وأن حلب هي بنغازي سورية، وما إلى ذلك من تصورات. أفضت إلى أن يؤدي توقف “الزحف” جنوباً إلى حالة انتكاس لدى قطاعات من المسلحين ومن الشعب. ومن ثم تحوّل الشمال إلى منطقة “محررة” بات كل طرف شكّل كتائبه يعمل على فرض سلطته في هذه المنطقة أو تلك منها. وحتى بدل أن ينتظم وضعها دبّت الفوضى فيها، وانتشرت مجموعات النهب والخطف. وعملت قوى أصولية على فرض سلطة “دينية”، وفتحت السجون، وباتت تمارس الاعتقال والتعذيب، وتستعير الاتهام من السلطة ذاتها.

أولاً يجب أن يكون واضحاً أن الشعب هو الذي فرض على السلطة الرحيل عن هذه المناطق، وهو من يجب أن يؤسس السلطة البديلة لسلطة ثار ضدها. ولهذا يجب دعم كل الهيئات الشعبية، والعمل على تأسيس مثلها في كل المناطق التي اندحرت السلطة عنها.

وثانياً يجب أن تشكل هيئات قضائية مختصة لمتابعة كل الأمور القانونية، ولمحاسبة العصابات ودعم الأمن. فلم نخرج ضد الأحكام العرفية لكي يأتي من يفرضها من جديد.

وثالثاُ يجب أن يكون واضحاً أن التسلح أتى لمواجهة السلطة ولدحرها وليس من أجل فرض سلطة عسكرية قمعية. وبالتالي لا بد من تنظيم العمل المسلح لكي يستطيع هزيمة السلطة، والتركيز على ضرب مفاصل السلطة التي لازالت هي أداتها في التدمير والقتل، من أجل أن تنهار ويصبح ممكناً تحقيق الانتصار عليها.

ورابعاً “حرب التحرير” فاشلة، ولقد ساعدت على زيادة في التدمير والقتل، لأن ميزان القوى مختلّ لمصلحة السلطة، وخصوصاً بقوة النيران، التي تجعل التمترس في الأحياء معرّض لوابل من الصورايخ يدمّرها. ومن ثم يفرض على المسلحين تركها. بمعنى أن الاستقرار في مناطق معروفة يقود حتماً إلى تعرضها للنيران الكثيفة. المطلوب هو ضرب مفاصل السلطة وطرق امداد قواتها، وشل مطاراتها، لكي تنهار.

وخامسأً لا بد من رفض الأدلجة، وتقسيم المسلحين على اساس “عقائدي”، لقد رفضنا “الجيش العقائدي” ليس من أجل “مسلح عقائدي” بل من أجل شعب يقاتل السلطة لهزيمتها. ولا شك في أن كل ما جرى فرض وهن العمل العسكري، وبدأ يؤسس لتناحرات بين الكتائب.

لهذا لا بد من إعادة بناء الكتائب المسلحة على أساس شعبي، ووطني، وتنظيم عملها معاً. والعمل على إبعاد كل الذين يرتكبون فظائع أو يمارسون الفوضى. فالفوضى الحاصلة هي التي تؤخر انتصار الثورة لأنها تبقى النشاط مناطقياً دون إستراتيجية عامة لكل سورية، ودون رؤية لآلية إسقاط السلطة، وبهذا تعطي للسلطة المبادرة.

العمل المسلح يحتاج إلى تنظيم وإستراتيجية لكي يفرض الانتصار، وما دام بهذا التشتت، والميل للسيطرة، والتلهي بتحقيق سلطة هنا أو هناك، فإن الصراع سوف يطول، أو يبقى مرتبطاً بالحل “الدولي”.

المصدر: شام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s