يسار – أهداف الثورة

الشعار الأول الذي رُفع في المظاهرة الأولى في الجامع الأموي هو: “الله، سورية، حرية وبس”، وهو رد على شعار السلطة: “الله، سورية، بشار وبس”. ولقد طرح من قبل شباب “مدني” (يساري وليبرالي)، وليس من قبل قوى إسلامية. لكن الجوهري فيه هو هدف الحرية، والباقي هو تكرار للشعار الذي طرحته السلطة، وكانت هذه نقطة ضعفه كونه عبّر عن رد فعل ولم يتأسس على تحديد لمطلب يشكّل بديلاً. فالحرية تعبير مجرّد هو رد فعل على الاستبداد الطويل، حيث أنه لا يشير إلى شكل السلطة البديلة.

وإذا كان الشعار الذي تعمم فيما بعد هو: الشعب يريد إسقاط النظام، والذي ظهر كبديل حقيقي، فقد ظل بلا تحديد، لأنه لم يشر إلى النظام البديل، بل ظل يؤشر إلى “السلب”، إلى الإسقاط دون تحديد للبديل. لهذا ظلت أهداف الثورة مبهمة، ولا تحوي سوى إسقاط السلطة، وحرية مجردة. وكل ذلك كان يربك، لأنه لا يبدو أنه يلامس مشكلات قطاعات مجتمعية، ولا يحفّز على الانخراط السريع في الثورة.

مطالب أهل درعا في البداية كانت تتعلق بدرعا، الأرض والأمن والفساد، والأطفال. وطرحت درعا شعار إسقاط النظام بعد الدم الذي أريق نتيجة المواجهة العنيفة للسلطة لاعتصام كان يطرح هذه المطالب. وإذا كانت النخب الشبابية قد بدأت بشعار الحرية، فسرعان ما انتقلت إلى طرح شعار إسقاط النظام. غير ذلك لم يُشر إلى مطالب مهمة، وكان في ذلك إشكالية كبيرة، حرمت فهم طبيعة الثورة. حيث فتحت على إمكانية كبيرة لتشويهها من خلال محورة الصراع حول السلطة، وبالتالي لإظهار أن هناك فئات تريد تغيير السلطة فقط. وكان يدسّ عبر هذه الفكرة تصورات تتعلق بما يوحي بأن الصراع “طائفي” (إخوان يريدون الوصول إلى السلطة من أجل الانتقام من أحداث سنة 1980/1982). وأيضاً تخويفاً لقطاعات مجتمعية لم تكن قد تحررت من خوفها لتطرح مطلبها “البسيط” (العمل أو الأجر أو التعليم والصحة، أو حتى الدولة المدنية). وهو الأمر الذي كان يسمح بنجاح خطاب السلطة الذي هدف إلى تخويف هؤلاء من الثورة.

هناك من كان يصرّ على محورة الأهداف في الحرية وإسقاط السلطة لأنه لا يريد تغيير إلا أشخاص السلطة دون تغيير بنية الدولة والاقتصاد. ولقد ظل يصارع لكي لا يطرح أبعد من عموميات باتت مربكة بعد أشهر من الثورة. فقد انتظر قطاع كبير من الشعب الذي لم يكن قد شارك بعد، أن تتحدد المطالب التي نسعى لإسقاط النظام من أجلها. وإذا لم يرفع الشباب الذي تحرّك في البدء سوى شعاراً واحداً هو شعار الحرية لأنه يطمح إليها، فقد كانت قطاعات واسعة منه تعاني من مشكلات هائلة تريد لها حلاً. والتي نتجت عن النمط الاقتصادي الذي فرضته المافيا العائلية الحاكمة، حيث فرضت اقتصاداً ليبرالياً محتكراً من قبلها، أفقر الطبقات الشعبية ورمى كتل هائلة من الشباب إلى البطالة، ودمر التعليم والصحة.

الشعب يريد حلاً لكل ذلك، وإذا كان يريد إسقاط النظام فمن أجل حل كل هذه المشكلات التي يعيشها وتهدد وجوده اصلاً. لهذا فإن إسقاط النظام يهدف بالضرورة إلى تغيير النمط الاقتصادي عبر تجاوز اللبرلة التي فرضت لمصلحة اقتصاد مستقل، ومنتج، بعد أن جرى تدمير الإنتاج الزراعي والصناعي، الأمر الذي أوجد مشكلات البطالة والأجر المتدني، وفرض انهيار التعليم والصحة.

الدولة العلمانية الديمقراطية، التي هي ضرورة، يفترض نجاحها تغيير النمط الاقتصادي لمصلحة نمط منتج يحل مشكلات مجتمعية، ويؤسس لاستقرار يسمح بإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والدمقرطة. الشعب الذي ثار، والذي لم يثر، يحتاج إلى حل لمشكلاته، وهو ناقم على السلطة نتيجتها.

إذن الثورة التي تريد إسقاط النظام تريد إسقاطه بالضبط من أجل حل مشكلات الشعب، وتأسيس دولة ديمقراطية تسمح بالصراع السياسي، والدفاع السلمي عن المصالح.

المصدر: شام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s