سلامة كيلة : الاقتصاد السياسي للثورة السورية

ندوة اجريت بتاريخ 3 شباط 2013

عادة ما يتجه النظر إلى السياسي في تناول الثورة السورية، فيجري التأكيد على رفض الاستبداد والمطالبة بالحرية والكرامة. ولهذا تعممت بديهية أن الثورة هي ثورة حرية “وبس”. وكانت هذه خلاصة “ثقافة” المعارضة لثلاثين سنة خلت، التي محورت صراعها ضد السلطة حول مصطلحي الاستبداد والديمقراطية، واعتبرت أن الولوج إلى الديمقراطية كفيل بحل كل مشكلات المجتمع. ولهذا بات هذا المستوى هو الحيّز الذي تنشط فيه، وتكرر “الكلام” حوله.لا شك في أن السلطة استبدادية، وشمولية، هيمنت على مؤسسات المجتمع المدني، وعلى مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية، وسيطرت على الثقافة والتعليم والحياة المدنية، ولقد كانت عبئاً على النخب والأحزاب، وقامعاً لكل الميول التحررية التي نتجت عن التطور المجتمعي. ولقد دمرت كل الأحزاب المعارضة خلال عقد الثمانينات، وقطعت كل إمكانية لنشوء الوعي السياسي. لكن سوف نلحظ بأن العقد الأول من القرن الواحد والعشرين قد شهد قدراً من “التراخي” في كل ذلك، وتراجع الاستبدادية جزئياً، مع السماح لنشاط سياسي معارض، واصبح الاعتقال “مقنناً” (وليس مقونناً). لهذا يُطرح السؤال حول السبب الذي فرض نشوء الثورة بعد هذا التحوّل وليس في المرحلة التي كان الاستبداد شاملاً؟ما يلاحظ هنا هو أنه في الوقت الذي كان الاستبداد يتراخى كان الوضع المعيشي لقطاعات مجتمعية واسعة في انهيار، إلى حد الانخفاض ما دون “خط الفقر” بدرجات. هذا هو وضع سورية في “العقد الأخير”، وهو الوضع الذي تفجرت الثورة انطلاقاً منه.بدأت السلطة في الميل لإتباع المسار الاقتصادي الذي سارت فيه مصر والعديد من البلدان العربية، منذ انهاية ثمانينات القرن العشرين (بتعيين محمد العمادي وزيراً للاقتصاد في وزارة محمود الزعبي). وكان هذا المسار هو “الانقلاب” على المسار الاقتصادي الذي أتت به “نظم التحرر” وأدى إلى تحقيق تطور معقول في الإنتاج والبنية الاقتصادية، وخدم قطاع كبير من الشعب، من خلال قوانين الإصلاح الزراعي، والتأميم وبناء الصناعة، والتوظيف والحقوق التي حصل عليها العمال، والتعليم المجاني. وانطلق هذا “الانقلاب” من تخلي الدولة عن الدور الذي لعبته في المرحلة السابقة وكان في أساس النهوض الاقتصادي، بتعميم سياسة التحرير الاقتصادي، والاعتماد على الاستيراد وفتح السوق للرأسمال الأجنبي لكي يوظّف دون قيود أو ضرائب.سنة 1991 صدر القانون رقم 10 الذي فتح الطريق للمسار الجديد، وإن كان تعثّر نتيجة عدم استكماله بعد عجز حافظ الأسد عن ممارسة سلطاته على ضوء تفاقم مرضه سنة 1996. لكن هذا العقد شهد تفاقماً في النهب من قبل فئات في السلطة، وتحقق تراكم هائل لدى “نخبة” ضيقة ملتفة حول السلطة (من الضباط والوزراء والمدراءن والأقارب- آل الأسد وآل مخلوف وآل شاليش). مع تراجع في الإنتاج لمصلحة الاستيراد، وتفاقم مشكلات “القطاع العام”، والصناعي خصوصاً، وتأثر الوضع المعيشي وتراجع فرص العمل، وانحدار التعليم. وبالتالي فرض كل ذلك شلل مؤسسات الدولة ونشوء حالة ركود اقتصادي صعبة.مع موت حافظ الأسد سنة 2000 كان الاقتصاد السوري “في الانعاش”، والفساد قد استشرى، والنهب قد عم البلد، وتشكلت فئات تريد قضم كل شيء. وكان واضحاً أنه يجب نهب ما تبقى من “القطاع العام”، والتحكم في الاقتصاد. هذا الأمر تحقق بعد استلام بشار الأسد السلطة. فالاقتصاد كان بحاجة إلى حلول، والضواري كانت تنتظر اللحظة التي تسمح لها السيطرة على الاقتصاد.في زمن حافظ الأسد كان آل الأسد هم الذين ينشطون في مجالات الاقتصاد، لكن “الاقتصاد الأسود” من خلال العلاقة مع المافيات الدولية، لكن كان مجيء بشار الأسد إلى السلطة هو الذي أبرز آل مخلوف كقوة اقتصادية مسيطرة. لقد نشط محمد مخلوف في نهب شركة التبغ (الريجي) ثم المصرف العقاري، وراكم الثروة خلال فترة الأسد الأب، لكن هذه الثروة باتت هي المدخل لدور اقتصادي “مختلف”، حيث جرى التحوّل إلى النشاط الاقتصادي “القانوني”، وبدأت عملية السيطرة على الاقتصاد بدءاً بالمشاريع الاقتصادية الجديدة، والتي تدرّ ربحاً كبيراً (شركات الخليوي)، او السيطرة على الأسواق الحرة والبدء بمشاريع خدمية وسياحية، ومحاولة السيطرة على وكالات شركات السيارات ووكالات الشركات النفطية الأميركية وغيرها، إلى النشاط العقاري.هذه العملية ارتبطت بفرض سياسة اقتصادية جديدة تقوم على تحرير الأسواق وتصفية “القطاع العام”، وإنهاء دعم الدولة للسلع والخدمات والتعليم. وهي العملية التي أدت إلى انتصار اللبرلة سنة 2007 بتحرير أسعار السلع والخدمات وتقرير حرية التجارة، و”تمويت” الصناعة التابعة للقطاع العام بعد بيع الرابح منها (بعد تخسيره شكلاً). لقد تسارعت اللبرلة مع مجيء بشار الأسد، وأصبحت هي السياسة المعتمدة، والمدعومة من قبل آل مخلوف الذين أصبحوا هم المقررين لكل السياسة الاقتصادية عبر “الفريق الاقتصادي” الذي تولى مهمة تنفيذ هذه السياسة.بالتالي كانت هناك سياسة ليبرالية تفرض لكنها محتكرة لفئة ضئيلة هي المتحكمة بالقرار السياسي. ولقد أدت إلى تشوّه كبير في التكوين الاقتصادي تمثّل في تمركز النشاط الاقتصادي في القطاع الريعي المحدَّد في الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد والتجارة الداخلية والبنوك (التي كانت قد بدأت في التغلغل في السوق السورية). وهو قطاع كان يشمل ما يقارب نسبة 20% من المجتمع، وهي النسبة التي استفادت من هذا التحوّل الاقتصادي، وظلت تعيش في بحبوحة. بينما أدى إهمال “القطاع العام الصناعي” وتحرير التجارة إلى دمار طال القطاع الصناعي الذي كان ينتج الكثير من السلع المحلية بدل استيرادها، ويوظف الكثير من العمالة، وينتج فائضاً اقتصادياً. خصوصاً مع ارتفاع أسعار المواد الأولية والمشتقات النفطية، الأمر الذي كان يزيد الكلفة ويجعل المستورد أرخص في الكثير من المواد بما في ذلك الملابس التي كانت من “تراث” سورية. وهذا الأمر انعكس أيضاً على الزراعة، حيث زادت أسعار البذور والسماد والمازوط مما رفع من كلفة الإنتاج الزراعي، وأدى إلى أزمة جعلت الزراعات المتوسطة والصغيرة تنهار ويتحوّل المزارعين إلى عمال زراعيين أو يهربون إلى المدن للبحث عن عمل. كما أسهمت مواسم جفاف (2008 و2009) إلى رحيل الفلاحين من قرى بأكملها في الجزيرة السورية التي كانت تعتبر من أغنى المناطق، والمنتج لمحاصيل مهمة مثل القمح والأرز والقطن.بمعنى أن اقتصاداً ريعياً يشمل جزءاً من المجتمع بات هو القائم، يقوم على جزء من المجتمع ويهمّش الأغلبية فيه. في موازاة ذلك تشكّل وضع طبقي يتسم بتحكم أقلية ضئيلة بالثروة وامتلاكها المليارات، وهي أقلية عائلية كما أشرنا مع مستفيدين وملحقين. حيث أن هذه الأقلية العائلية باتت تتحكم بـ 30% من الاقتصاد السوري (حسب اقتصاديين مقربين من السلطة)، تشابكت مع التجار والصناعيين (خصوصاً من دمشق وحلب) في شركة الشام القابضة التي باتت تسيطر على 60% من الاقتصاد السوري (حسب محمد جمال باروت في كتاب “العقد الأخير في سورية” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات). في وضع اصبح القطاع الخاص يسيطر على 70% من الاقتصاد (حسب وزير المالية الأسبق).في المقابل، أدى التكوين الاقتصادي المستجد إلى رفع نسبة البطالة إلى أرقام كبيرة، حيث باتت تمثل بين 30 و33% من القوى العاملة، وخصوصاً بين الشباب (الدراسات تشير إلى أنها بلغت 30%). ولا شك في أن انهيار الصناعة والزراعة كان يلقي بالعمال والفلاحين في خانة البطالة. كما أن تراجع دور الدولة الاقتصادي كان يقلص من نسبة التوظيف فيها. وأيضاً كان تركيز الاقتصاد في القطاع الريعي لا يسمح سوى لبعض الكفاءات في التوظيف (التقنيات الحديثة والنشاط البنكي والسياحي والخدمي). بالتالي كان جزءاً كبيراً ممن يدخلون سوق العمل يتحوّلون إلى عاطلين، حتى من حملة الشهادات.أيضاً ظلت الأجور منخفضة، سواء في وظائف الدولة (التي جرى تقليص ميزانيتها) ومؤسسات القطاع العام التي باتت غير منتجة في الغالب، أو في القطاع الخاص الذي كانت الأجور فيه (خارج القطاع الريعي) أكثر انخفاضاً منها في القطاع العام ومؤسسات الدولة. فحسب دراسة أعدتها الدولة سنة 2010 كان الحد الأدنى الضروري للفرد (على ضوء احتياجاته الأساسية من السلع والخدمات) هو 31 ألف ليرة سورية (كانت تساوي 620 دولار تقريباً)، بينما كان الحد الأدنى حينها هو 6 آلاف ليرة سورية (أي 130 دولار تقريباً)، ومتوسط الدخل هو 11 ألف ليرة سورية (أي 220 دولار تقريباً). أي أن الحد الأدنى كان يجب أن يتضاعف 5 مرات. في هذا الوضع كانت نسبة عالية من السوريين هي “تحت خط الفقر” الحقيقي (وليس ذلك المحدّد بدولار أو دولارين). فهذا الفارق بين الحد الأدنى القائم والحد الأدنى الضروري هو نتاج انتقال الأسعار من السعر المحلي (أي الذي يتناسب مع الأجور، والذي كانت تحدده الدولة) إلى السعر العالمي بعد عملية التحرير الاقتصادي التي اكتملت كما أشرنا سنة 2007. وكانت اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا (الاسكوا) قد اعتبرت بأن سورية هي البلد الأكثر غلاءً على المستوى العربي. هذه الوضعية جعلت العمال، والفلاحين المتوسطين والفقراء، والفئة المتوسطة والدنيا من ما يسمى الفئات الوسطى تعيش حالة فقر، مضاف إليهم نسبة بطالة عالية (وهم عمال أو مهنيون يبحثون عن عمل). وهي نسبة ربما تقارب الـ 80% من المجتمع (طبعاً بسويات مختلفة). وإذا كان عقد التسعينات والنصف الأول من العقد الجديد قد شهدت تراجع القدرة الشرائية ونفاذ مدخرات الكثير من العائلات، فقد أدى اكتمال اللبرلة إلى بدء الاحساس بالانحدار وانتشار الفقر. نجد مثلاً أن قرى بأكملها قد هجرت بعد انهيار الزراعة في الجزيرة السورية، وبات هناك أكثر من مليون فلاحين يعيشون في محيط دمشق وفي مناطق درعا (حسب احصاءات سنة 2010). وفي درعا نجد أن الكثير من الفلاحين الذين يملكون أقل من 50 دونماً هجروا الزراعة. وسنلحظ ذلك في العديد من المناطق الريفية.بينما كان هناك من يعيش في بحبوحة (وأكثر)، سواء تعلق الأمر بـ “رجال الأعمال الجدد” أو البرجوازية التقليدية، أو الشريحة العليا من المهنيين (الأطباء والمهندسين والمحامين والصيادلة والتقنيين)، وجزء قليل من العمالة في القطاع الريعي، وأيضاً كبار المدراء والضباط ومسئولي الدولة الذين مارسوا عملية النهب.من ثم نجد هنا تفارقاً هائلاً بين وضع أقلية تعيش في مستوى مرتفع، وجزء منها راكم المليارات من الدولارات، وبين أغلبية مجتمعية لا تكاد تستطيع العيش. وكانت الأقلية تمتلك السلطة التي تفرض الاستبداد، فتمنع كل محاولات الاحتجاج. لكن سنلمس تحوّلاً مهماً قد تحقق في العقد الأخير، تمثل في أن “عصر حافظ الأسد” شهد سيطرة الدولة على الاقتصاد والمجتمع، وبالتالي كان كبار المسئولين يقومون بعملية نهب لـ “القطاع العام” (وهو ما كان يؤدي إلى ضعفه وإفلاسه، خصوصاً وأن المدراء فيه هم في الغالب أتباع ليسوا ذوي كفاءة)، ويصدرون أموالهم إلى الخارج. لهذا ظلوا أفراداً مستفيدين من ولائهم للرئيس في ظل سلطة شمولية. بينما جرى تغيير الوضع بعد استلام بشار الأسد السلطة وفرض سياسة اللبرلة، حيث بات “رجال الأعمال الجدد” بزعامة رامي مخلوف هم من يمتلك القرار. لقد تشكل تكتلاً مالياً أمنياً/ عسكرياً بات هو المسيطر على السلطة وليس الرئيس كما كان الوضع قبلاً. وأصبحت الرئاسة ومؤسسات الدولة هي الواجهة التي تغطي على هذه السيطرة، والتي تشكّل خلفها أسوأ بنية مافياوية (وراثة مافيات جميل الأسد وتطويرها بشكل مؤسسي كامل دون أن تكون رسمية).إذن، لقد أفقرت كتلة مجتمعية كبيرة، التي باتت نعاني من البطالة أو ضعف الأجور أو العجز عن توفير المسكن أو التعليم أو الطبابة. وتهمشت فئات نتيجة انهيار الصناعة والزراعة، وزادت الأمية وترك الدراسة، وانتشر العجز عن العلاج. وهذا ما كان يؤسس لاحتقان كان يلمس من خلال أشكال من الاحتجاج “بسيطة” لكنها معبّرة تحدث هنا أو هناك، أو من خلال “تنفيس” الناس ببعض الكلام، هذه الظاهرة التي كانت تلاحظ في كل مناطق سورية. وهي الحالة التي فرضت على السلطة ألا ترفع سعر المازوط سنة 2008 خشية “انفجار اجتماعي”، وقامت بعملية ملتوية لتمرير ذلك سنة 2009.بالتالي فإن المجتمع السوري كان يعيش سنة 2011 حالة احتقان متصاعد، بعد أن ظلت الأجور كما هي، وزاد عدد العاطلين عن العمل، وأصبحت أسعار السلع والخدمات عالمية. لكن كان “الخوف” من السلطة هو المسيطر نتيجة إرث من الاستبداد طويل وعنيف. وهي الحالة التي تواجهها كل الشعوب في ظل نظم استبدادية، والتي كان يكسر حاجز الخوف فيها بشكل نتدرج خلال سنوات (كما حدث في مصر مثلاً)، والتي كانت تؤدي إلى تحقيق انفراج سياسي ما يسمح بأشكال مختلفة من الاحتجاج، تسمح بالتدرج في كسر حاجز الخوف والتمرّد الثوري. أو يكون الاحتقان قد أوصل الشعب إلى حالة من الانهيار السريع تدفعه للتمرّد الثوري (تونس وليبيا مثلاً)، فينفجر كشعب بعد حدث ما يعبّر عن عمق الوضع الذي يعيشه (حرق البوعزيزي مثلاً). سورية لم تكن هذه ولا تلك، رغم أن العقد الجديد شهد “ربيع دمشق” الذي لم يستمر طويلاً وأُنهي. ورغم الاحتقان الذي كان يبدو أنه لم يوصل إلى كسر حاجز الخوف من السلطة، ربما نتيجة إرثها الأسوأ.هذا الأمر يوضح سبب التطور البطيء للثورة والإرباكات التي عاشتها ، لكنه يشير إلى وجود حالة الاحتقان التي فرضت، وإنْ ببطء، توسع الثورة وشمولها كل سورية بعد عام من بدئها، بعد أن فرض تأثير الثورات في تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا بدء الحراك وتفجّر الثورة.

Housam Akbik

أستاذ سلامه …برأيك ألا يندرج إحجام الدول العربيه والغربيه عن الإيفاء بالتزاماتها الماليه للائتلاف من أجل عمل حكومه بديله في الخارج ألا يندرج ضمن مساعي هذه الدول لإضعاف الدوله السوريه لتطويعها كل باتجاه أجندته السياسيه والاقتصاديه

سلامة كيلة ..

كل السياسة الغربية قامت منذ البدء على إضعاف سورية البلد والمجتمع، وكثير منها لم يكن معنياً بسقوط النظام. هذا نتيجة عناصر متعددة، منها ضعف أميركا وتراجعها العالمي وعجز أوروبا دون الدور الأميركي. ومنها الميل الشديد لافشال الثورة السورية لكي توقف توسع الثورات في البلدان العربية

نبيه ن

بدية أتوجه بالتحية للضيف.. المفكر والمناضل المنخرط مع الثورة التي بشر ودعا لها ، وسدد فاتورة عالية ثمناً لمواقفه .

لعل أهمية هذه الندوة في كونها تتعرض لجانب قل التعامل معه رغم كونه من الجوانب الأساس في فهم حركة المجتمع وتطوره .. ولعل غياب المعرفة بهذا الأمر ونقص البيانات الإحصائية تسهم بذلك ، ولكن لدي تصور بأن صعوبة تناول هذا الموضوع والحاجة للكفاءة المعرفية العالية دفعت بالكثيرين للذهاب إلى الجانب السياسي ، وقد أصاب بما كتب :

“. وكانت هذه خلاصة “ثقافة” المعارضة لثلاثين سنة خلت، التي محورت صراعها ضد السلطة حول مصطلحي الاستبداد والديمقراطية “

سؤالي : كيف تقيم دور ” الباحثين الاقتصاديين ” المنحازين للثورة السورية لجهة جهدهم المعرفي بالنشر اليوم .. ولجهة التمكن من إدارة الاقتصاد في المرحلة الانتقالية ، وبعد انتصار الثورة

سلامة كيلة .

شكراً لك أستاذ نبيه، مع الأسف أن سورية تعاني من نقص كبير في الباحثين الاقتصاديين، رغم أن هذا الفرع ربما كان أفضل من الفروع الأخرى (المجتمع والفلسفة والتاريخ والفكر). هناك اسماء قدمت مجهوداً مهماً، مثل د. عارف دليلة، ود.عصام الزعيم، ود. نبيل مرزوق، وآخرين. لكن ظل هذا المجهود قليلاً، ومهمشاً. هناك نقص بالتأكيد في هذا المجال، وكان البحث فيه لتوضيح الأسباب التي فجرت الثورة أقل من القليل، ولم تقدم دراسات مهمة في سياق فهم وضع الاقتصاد وتكوينه بعد سيطرة المافيا الحاكمة، ووضع الطبقات الشعبية. وكان يبدو أن أكثر من يتناول هذه المسائل هي صحف الأحزاب الشيوعية المشاركة في السلطة، والتي كانت تضع ملاحظاتها في سياق إصلاحي.

أما عن المرحلة الانتقالية فهناك ضعف سوف يظهر بعد بدئها. لأن من يمكن أن يستلم هذا الأمر هم ليبراليون ليس لديهم بديل عن الاقتصاد الحالي سوى في نقطة واحدة هي إزاحة احتكار آل مخلوف/ الأسد/ شاليش لمصلحة احتكار آخر.

كاظم الزهوري

يدور احيانا جدل و نقاش حول اوجه الشبه او الاختلاف بين الثورة السورية اليوم و بين الحراك الشعبي الذي شهدته سوريا في اواخر السبعينات و انتهى بمجازر حماة 1982

كيف يمكن برأيكم المقارنة من الناحية الاقتصادية بين الحراك الشعبي في تلك المرحلة و الثورة السورية اليوم ؟

سلامة كيلة

لا أظن بأن هناك تشابهاً على الاطلاق، ولم يكن سبب ما جرى في أواخر السبعينات نابع عن وضع اقتصادي كما هو الآن. النخب والأحزاب المعارضة تحركت حينها من أجل الديمقراطية، والإخوان المسلمين وتنظيم الطليعة المقاتلة تحركا من منظور أيديولوجي أصولي، وطائفي. وكان كل الوضع لا يسمح لهما بالانتصار، لأن معظم الشعب لم يكن مؤيداً. الآن الشعب هو الذي تحرك وليس لا النخب ولا الأحزاب المعارضة، وتحرك نتيجة الوضع الذي وصفته.

الوضع الاقتصادي نهاية السبعينات وبداية الثمانينات كان مستقراً، وكان الوضع المعيشي لمعظم الشعب مريحاً، ولهذا كان الفلاحون والعمال والفئات الوسطى في وضع “مريح”، ولم تكن تشعر بتناقضها مع السلطة. ومن كان يشعر بالتأزم هو فئات تجارية تقليدية في المدن كان التطور يسحقها، لهذا دعمت الإخوان. الآن الوضع مختلف جذرياً، والشعب لم يعد يستطيع العيش

كاظم الزهوري .

كيف تفسرون فشل المحاولات المتكررة لتنفيذ عصيان مدني طويل الامد ينهك النظام وينهيه اقتصاديا ؟

سلامة كيلة

يعني أولاً ما معنى العصيان المدني؟ هذه مسألة ظلت غامضة رغم الدعوات إلى العصيان المدني، وبالتالي لن ينجح ما هو غامض. ثانياً ليس بالضرورة أن يكون الحل هو في العصيان المدني، حيث أن الثورة اتخذت شكلاً مختلفاً منذ البدء، ولم يكن من الممكن تحويله إلى عصيان مدني. فالعصيان هو عكس ما كان يجري، أي أنه خلق حالة الشلل في المجتمع، والقعود في البيت، بينما ما حدث هو الحراك في الشارع، هو التظاهر. لهذا فإن شكل العصيان المدني ليس مناسباً أصلاً، وبالتالي فشل. ثم أن الدولة شلّت اقتصادياً، من حيث جمع الضرائب وفواتير الماء والكهرباء، وهذا ما يدفعها إلى الإفلاس

كاظم الزهوري

يبدو ان هناك نوع من تقسيم العمل في الثورة يتجه نحو مزيد من التخصص فهناك عاملين في الاغاثة { ناقل للمواد الغذائية مسعف طبيب ميداني } او في الاعلام { صحفي مصور سينمائي } او في العسكرة { تصنيع اسلحة مقاتل

هل يمكن برأيكم العثور على محددات اقتصادية طبقية لتوزع و تقسيم هذه المهن بين الشباب المشاركين في الحراك ؟

سلامة كيلة

لا أظن بأن هناك تقسيم أولاً، لأن موزع الإغاثة يشارك في التظاهر، وكذلك المصور. هناك من يعمل في هذه المجالات فقط، وبعض هؤلاء من “النخب” لأن العمل يحتاج إلى ذلك، لكن عمليات الإغاثة يقوم بها أفراد من طبقات مختلفة. وإذا كانت العسكرة تعتمد على الفئات الأكثر فقراً فقد شارك فيها فئات من الطبقة الوسطى

Omar Al Sh

1- ما هي أهم مميزات الاقتصاد السوري (في الفترة ما قبل قبل الثورة) والتي يمكن استغلالها وتوظيفها مستقبلا بعد زوال النظام؟

سلامة كيلة

المسألة ليست مسألة مميزات، فالاقتصاد مختل منذ زمن، حيث سيطرت الدولة على قطاع كبير من الاقتصاد، ونشطت كرب عملن حققت انجازات في هذا المجال، لكن سيطرة فئات وسطى “تعشق” الملكية الخاصة كانت محروهة منها فتح على تحسين الوضع الشخصي عبر “نهب” الثروة التي باتت في يد الدولة، وهذا ما دمر “القطاع العام” (إضافة إلى تعيين مدراء فاشلين يتسمون بالولاء). وهو الأمر الذي قاد إلى سيطرة الفئات التي نهبت على الاقتصاد مباشرة مع مجيء بشار الأسد.

ما هو مهم في التجربة الماضية هو أن التطور الصناعي تحقق في ظل دور الدولة الاقتصادي، وكذلك تحقق استقرار في الوضع المعيشي لقطاع كبير من الشعب. ولقد بدأ انهيار الوضع المعيشي بعد الميل لفرض اللبرلة

Omar Al Sh

ا هي أهم المشاكل التي يراها الاستاذ سلامة في الاقتصاد السوري (قبل الثورة) – بالاضافة الى اللبرلة الغير متوازنة التي تحدث عنها باستفاضة في مقالته؟

سلامة كيلة

كان هناك مشاكل أخرى بالتاكيد، منها سوء التخطيط، وهذا يدل على المستوى المعرفي المنخفض لدى الفئات التي حكمت. وسلطة الفرد التي كانت تقتضي الولاء، وبهذا أصبح يعين من هو موالي وليس من هو كفؤ. ولا شك كان الطابع الاستباددي يسمح بكل ذلك، الذي اصبح يسمى الفساد رغم أنه عملية نهب لمجهود الشعب

Omar Al Shami.

ما هي أهم العمليات الاقتصادية التي يمكن القيام بها بعد زوال النظام للحد من الاضرار التي اصابت سورية على المستوى الاقتصادي (تدمير البنية التحتية – البطالة المتزايدة .. الخ

سلامة كيلة

هذا يفرض إعادة بناء الاقتصاد ليس على أساس ليبرالي بل يجب أن تلعب الدولة دوراً أساسياً. بالتالي لا يجوز فتح الاقتصاد لنشاط الشركات الدولية والوسطاء المحليين لأن ذلك سيفتح على عملية نهب جديد دون تحقيق الإعمار ولا حل مشكلة البطالة والأجر المتدني ووووووو. المسألة تتعلق بالخيار الاقتصادي الذي يجب أن يسود، وكما اشرت يجب الاعتماد على المجهود الذاتي، ودور الدولة، لكن الآن الدولة الديمقراطية وليس دولة الاستبداد

Muna A

تحية للسيد سلامة كيله وللجميع. إن القاء الضوء على العامل الاقتصادي في انطلاق الثورة السورية هام جدا وبرأيي لم يأخذ الحيز الكافي من الدراسات بل والنشر للناس العاديين

في هذا السياق لدي بعض الملاحظات أو المشاهدات الشخصية اسمحو لي بايرادها:

1- بخصوص جملة “حيث أن هذه الأقلية العائلية باتت تتحكم بـ 30% من الاقتصاد السوري (حسب اقتصاديين مقربين من السلطة)، تشابكت مع التجار والصناعيين (خصوصاً من دمشق وحلب)،

شخصيا وبحسب مشاهداتي عندما كنت في وسط قطاع الأعمال بسورية يمكنني الجزم بأن نسبة تحكم هذه الأقلية العائلية بالاقتصاد السوري كانت أكبر بكثير من ال 30% في السنوات الأخيرة (وتحديدا بعد عام 2005) بل وصلت في بعض القطاعات لنسبة أكثر من 90%. لو اخذنا قطاع التأمين والمصارف الخاصة مثالا نرى بأن هذه النسبة قريبة الى حد ما لنسبة الملكية المباشرة لأل مخلوف والأسد وبأسمائهم الصريحة ولكن يبقى هناك الملكية غير المباشرة والسيطرة على القرار بغض النظر عن نسبة الملكية. فمثلاً نرى بأن أغلب شركات التأمين والمصارف هناك شخص في مجلس الادارة “إن لم يكن رئيس المجلس نفسه” يتحكم بالقرار بشكل شبه كامل. هذا الشخص على الأغلب ليس من البرجوازية الدمشقية أو الحلبية وانما واحد من هذه العائلة أو شخص سطع نجمه فجأة بالعشر سنوات الأخيرات وتابع أو حتى واجهة معروفة لهذه العائلة وطبعا لا يمكننا اغفال عامل مهادنة وخضوع بل ومشاركة البرجوازية التقليدية للمغانم غير المشروعة التي كانت تعطيها مثل هكذا هيمنة في ظل فساد وسرقات مباشرة وغير مباشرة.

2- بخصوص جملة “لقد تشكل تكتلاً مالياً أمنياً/ عسكرياً بات هو المسيطر على السلطة وليس الرئيس كما كان الوضع قبلاً”

أود التنويه أيضاً الى أن هذا التكتل توسع بالفترة الأخيرة ليكون تكتلاً مالياً قانونيا أمنياً. حيث أن فساد القانون في المحاكم المدنية والتجارية قد استشرى لدرجة كبير وبدأ يتشكل مافيات قانونية. فمثلا كان لكل رجل أعمال من الفئة التي ذكرتها في ملاحظتي الاولى عصابة من المحاميين والقضاة المسخرين بالكامل لاعطاء شكل بل وأحكام قانوني للتعديات التي كانت تمارس ضمن هذه الشركات سواء كانت هذه التعديات على المستثمر الأجنبي/العربي أو على المواطن أو على رأسمال الشركة نفسها بحيث توسعت شبكة الفساد القانوني بين بعض المواطنين والمحاميين الممثلين لهذه الفئة المتنفذه وبدأت حلقة التورط في الفساد والسرقة المباشر تطال قطاع أوسع من الشعب، هذا التوسع يفسر أيضا بقاء جزء من الشعب بصف النظام القديم لأنه لم يعد يتخيل امكانية العيش بدون هذه السرقات والقوة التي يمكن أن تعطيها أمثال هذه التحالفات اللا شرعية.

3- هناك عامل اضافي لم الحظ الاشارة له في هذا المقال الهام وهو عامل التعديات القانونية على الأملاك الخاصة الذي بدأ منذ زمن حافظ الأسد من خلال الاستملاكات لصالح الدولة والجيش واستشرى بزمن بشار الأسد ليقطع الأمل كليا على أصحاب الاملاك بالحصول على شبه تعويض عادل وخصوصا بأن أغلب هذه الاستملاكات استخدمت في ظل انفتاح الأقتصاد “الشكلي” لصالح هؤلاء المتنفذين وارتفعت الأسعار بشكل جنوني للمستملكات وصدرت احكام قانونية قطعية جائرة ضد أصحاب الأرض الأصليين، أي تم تجريدهم قانونيا من اي حق لهم بالأراضي التي يملكونها وورثوها من آبائهم وأجدادهم وتم استفذاذ مشاعرهم لأن هذه الأراضي أصبحت تشكل ثروات خيالية بينما بقيو هم في دوامة الفاقة الأقتصادية المتصاعدة. أعطي مثالا بينا على هذا الأمر أراضي المعضمية على طريق بيروت دمشق والتي تفسر الانطلاقة المبكرة في الثورة لأهالي المعضمية وقياداتها من قبل أغنى العائلات تاريخيا في هذه البلدة وايضا البطش الكبير الذي تعرضو له للمحافظة على مثل هكذا حقوق مسلوبة.

سلامة كيلة

شكراً لهذه المعلومات، ولا شك في أن قطاع التأمين والمصارف مثل الخليوي والأسواق الحرة باتت خاضعة لسيطرة آل مخلوف، لكن ما هو الرقم الحقيقي للسيطرة؟ أشرت إلى رقم قاله قدري جميل الذي هو الآن نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية كما هو معروف، وأكملت الرقم الذي يتحقق عبر الشراكة التي أقامها هؤلاء مع البرجوازية السورية في إطار شركة الشام القابضة، والتي يهيمن عليها آل مخلوف (عبر الآليات التي أشرت إليها)، والرقم هو 60% من الاقتصاد (والبعض يقول 80%).

أوافق معك، بالتأكيد كان “رجال الأعمال الجدد” يفسدون ويستخدمون القضاء لتبرير استحواذهم على الاقتصاد وحماية الممارسات غير الشرعية والفساد. فهم يمارسون كفئة مسيطرة على الاقتصاد والدولة والأمن والجيش.

طبعاً كان ذلك ضمن ما اسميه عملية النهب التي كانت تمارس ضد الدولة والمجتمع، وطالت الساحل كما طالت مناطق كثيرة أخرى كان آخرها حسب علمي هي مناطق حوران المحاذية للجولان، التي كان يبدو أنها ترتب لما بعد “السلام” مع الدولة الصهيونية، حيث كان يحضّر لمشاريع سياحية ضخمة من قبل آل مخلوف وشركاهم

Muna A

موضوع أخير اريد الأشارة له وهو أن محاولات الاصلاح التي كان يتم التبجح بها من قبل النظام كانت محاولات شكلية بل وتؤدي في كثير من الأحيان الى نتائج عكسية ويمكنني اعطاء مثال الاصلاح الضريبي الذي كان قيد العمل عليه في النصف الثاني لعام 2009 وانشاء الهيئة العامة للضرائب التي كان من المزمع انطلاقها بقوانين متطورة وجميلة. فمثلا في نفس وقت صدور هذه القوانين كان هناك ممارسات معاكسة تماما على الشركات الخاصة مثل فرض خوات كبيرة تحت مسميات ضريبية مختلفة. فمثلاً في بداية عام 2010 قامت جهة ضريبية بزيارة شركات التأمين والمصارف الخاصة خلال اربعة أيام – زيارة لم تتجاوز الساعة الواحدة للشركة أو المصرف – وفرضت غرامات قطعيه على هذه الشركات تتراوح بين السبعة مليون ليرة سورية والمئة مليون ليرة سورية. إن مثل هذه الممارسات كانت قادرة على تهريب المستثمر العربي والذي للأسف كان أيضاً يخضع للابتزاز المباشر بعد أن تم توريطه بمبالغ كبيرة في الداخل السوري وربما لو تأخرت الثورة قليلا كانت ستكون عامل اضافي لفك ارتباط الفئات البورجوازية بالنطام الامني الداخلي.

Nidal Al Dibs

كيف نفهم التعبير الاقتصادي ( الطبقي ) لقوى المعارضة ؟؟ ماذا يمثل الإخوان ؟ ما البرنامج الاقتصادي لليبيراليين ؟؟ ومن هم المستقلون ؟؟ ومامدى تأثير ذلك على هدف توحيد المعارضة ؟

سلامة كيلة

قوى المعارضة هي في تصورها ليبرالية، رغم أن بعضها يعتبر ذاته اشتراكياً، والآخر ماركسياً. حيث أن برنامجها تمحور في السنوات الأخيرة حول مسألة واحدة هي الديمقراطية، وبغض النظر عم التبريرات التي تطرح للتأكيد أن هذه مدخل لطرح برامج اجتماعية إلا أن الطريقة التي تطرح فيها يجعلها ملحقة في القوى الليبرالية. ثم أنها كلها لا تطرح تغيير الرأسمالية كنمط اقتصادي، بل تريد شكل سياسي ديمقراطي للسلطة. وهذا يجعلها تتوافق مع القوى الليبرالية مادامت قررت الطابع الرأسمالي للاقتصاد والشكل الديمقراطي للسلطة.

الإخوان مثلوا في سورية القوى التجارية التقليدية بالأساس، وهم يعبرون عن برنامج هذه القوى الطبقية. ولهذا فهم ليبراليون كما نلاحظ ما فعل أشقاءهم في مصر. رغم أن التنظيم يمكن أن يضم فئات وسطى ونخب حديثة فإنه يبقى المعبر عن رأسمالية تقليدية باتت مافياوية أيضاً، وهو الأمر الذي يجعلها تكرس التبعية للنمط الرأسمالي.

أما حول البرنامج الليبرالي فهو يقوم على تحرير السوق وتخلي الدولة عن دورها، والسماح للرأسمال الإمبريالي بالسيطرة (وكذلك الرأسمال الخليجي كما فعل آل مخلوف). لكن الخلاف مع الرأسمالية المافياوية القائمة (آل مخلوف والأسد وشاليش) فحول السيطرة واحتكار الاقتصاد. لهذا هم يسعون لسيطرة بديلة وليس لتغيير الاقتصاد.

في هذا الوضع الخلاف في إطار المعارضة ليس على التكوين الاقتصادي لسورية البديلة بل على مسائل أخرى، باتت تتمثل في التبعية للإمبريالية “الغربية” أو للإمبريالية “الشرقية. ولكن نجد أيضاً صراعاً مسبقاً حول السيطرة على الثورة من أجل فرض السيطرة على الاقتصاد بين أطراف عديدة في المعارضة. لهذا نجد أن كل طرف يريد أن يكون المسيطر.

Amathel Yaghi

تحياتي للاستاذ سلامة كيلة.

الأمر الأكيد أن الجذر الاقتصادي كان يتغذى على مدى نصف قرن ليشكل عاملا مهما وحاسما من عوامل نشوء الثورة السورية، لكن العامل الاجتماعي وفقدان الكرامة كان أيضا أكثر حسما. حين انطلقت الثورة حاول النظام زيادة الرواتب، فصدحت المظاهرات ان الشعب السوري مو جوعان. سؤالي هو هل كانت سياسية تحرير الاقتصاد واللبرلة هي خيار لنظام بشار الأسد كما يحلو للبعض ان يصوره ام أنه كان أمرا مفروضا عليه، ولو أنه لم يخدم في النهاية سوى الشرائح الاكثر قربا من النظام

سلامة كيلة

رد أهل درعا أن الشعب السوري “مو جوعان” كان رداً على خطوة بدت سخيفة لهم، لكن هذا لا يعني أن الاقتصاد لم يكن في أساس حرك درعا أيضاً. فقد أدى الانفتاح الاقتصادي إلى انهيار الملكيات المتوسطة والصغيرة في حوران، وبالتالي فقدان آلاف الفلاحين مصدر رزقهم وترك الزراعة للعمل في المدن أو عند من كانوا يملكون ملكيات كبيرة (أكثر من 50 دونماً). وكانت مشكلة القانون المتعلق بالأرض الحدودية يؤسس لمشكلات كبيرة كذلك لأنه حكّم الأمن والمحافظ في نقل الملكية. وإذا درسنا الوضع الاجتماعي للشهداء في الشهر قبل تحول الصراع إلى حرب، سيجد أن معظمهم هم إما عاطلون عن العمل أو مفقرون. ولكن لا شك في أن كل ضغط السلطة وإهاناتها تصبح مطروحة في تعبير الشعب حين يتحرك، فهو يطرح كل مشكلاته طبعاً، لكن ما حرّكه هو الوضع الاقتصادي اساساص.

أما اللبرلة فقد بدأت زمن حافظ الأسد سنة 1991 لكنها كانت بطيئة وتأثرت بمرضه وعجزه حل متابعة الوضع. لكن مع مجيء بشار الأسد استفادت فئات نهبت الاقتصاد لكي تفرض “سياسة جديدة” تخدم سيطرتها على الاقتصاد، هي خصوصاً آل مخلوف الذين أصبحوا يتصدرون المشهد الاقتصادي. بالتالي فما حدث هو تعبير عن مصالح فئات أصبحت تمتلك ثروة حققتها من خلال النهب وباتت تحتاج إلى السيطرة المباشرة كما شهدنا منذئذ.

ابو علي صالح

مساء الخير لكما ونحية للضيف المبعد :نأمل أن نلتقي بسوريا قريبا

ماهو تصورك عن مستقبل سوريا الاقتصادي بعد الأزمة؟

سلامة كيلة

هذا يعتمد على طبيعة القوى التي ستصل الى السلطة، حيث ان الذي يحدد الخيارات الاقتصادية هو من سيتحكم في السلطة. ما يبدو في كل الاحتمالات أن من سيصل هي قوى تتبع السياسة الليبرالية في الاقتصاد، سواء أتت هذه من داخل السلطة او من معارضة الداخل او من معارضة الخارج. وكل تغيير لن يأتي بغير هؤلاء أو بعضهم نتيجة غياب قوى أخرى، ولن فاعلية الشباب الذي يخوض الصراع الحقيقي لم تصل الى أن تصبح قوة قادرة على السيطرة على السلطة لنها مجموعات شباب يتبلور الان. على صعيد آخر، هذا التكوين سوف يفتح على سياسة تكرس اللبرلة وتربط إعادة افعمار بشركات إمبريالية. وبالتالي لا حل اقتصادي في المرحلة القادمة. لهذا سوف يستمر الصراع كما نلحظ في مصر وتونس

كاظم الزهوري

هل برايكم سناريو تقسيم سوريا إلى فيدراليات {المثال العراقي} هو سناريو قابل للتطبيق اقتصاديا؟

سلامة كيلة

لا أظن ذلك، حتى في العراق السيناريو يفشل لأن الشعب يتحرك الان ضد السلطة. هناك كلام كثير عن التقسيم لكن أظن أن هناك مطامع للبض في الغرب لذلك، وهناك أخطاء في التحليل لدى البعض الاخر. لكن المسألة هي ليست مسألة تقسيم بل صراع من أجل تغيير النظام، واي شيء آخر سيفشل.

طوني س

الاقتصاد قاطره السياسه ، أم السياسه قاطره الاقتصاد ، جدل فكري ، تمخض وترتبت عليه مواقف سياسيه دوليه . حيث تبلور الموقف منها في مطلع ثمانينات القرن الفائت وذلك بتحرير الاقتصاد من هيمنه الدوله ( ليبراليه ) ، والتي أودت وكانت إحدى أسباب ألازمه الماليه العالميه . في سوريا يتداخل الاقتصاد بلسياسي وتبنى السياسات , فأدخلنا الكساد ألسياسي بكساد إقتصادي . متى يتم فصل السياسه عن الاقتصاد لبلوغ ليبراليه أقتصاديه ، وهل لهذا الفصل وجه حق ، يقودنا إلى تنميه إقتصاديه ، أ م إنا أقتصادنا محكوم بلتبعيه ألسياسيه وقاطرتها النيوليبراليه المافيوزيه .

Muna A

بالرغم من أني لست اقتصادية ولا املك تصور عن البديل ولكن سأحاول وضع تساؤلي للسيد سلامة لتوضيح جوابه للصديق عمر في معرض السؤال عن اهم العمليات الاقتصادية بعد زوال النظام للحد من الأضرار وايضا جوابه على سؤال السيد أبو علي صالح.

برأيك، هل المقصود في الجواب هو ضرورة تدخل الدولة بشكل دائم لتفادي صراعات اقتصادية كبيرة أم المقصود هو ضرورة تدخل الدولة في الفترة الأنتقالية لتفادي دخول الاستثمارات الخارجية المنفلت لتفادي امتصاص الطاقات المتبقية في البلد من قوى عاملة وثروات باطنية. إن تدخل الدولة في الفترة الانتقالية مفهوم وضروري جداً كما ذكرتم ولكن استمرار تدخلها في الشأن الأقتصادي بشكل كبير ينافي أولا رغبات القوى السياسية (أو بذورها ان وجدت) المتوقع استلامها للسلطة ومحاولتها التوسع والاستمرار المتوقعة بعد سقوط الاسد وايضا ينافي ما اثبته التاريخ من فشل اغلب الاقتصاديات الشيوعية والاشتراكية ونجاح الانظمة الليبرالية مع تدخل محدود للدولة في بعض القطاعات الخدمية مثل الشرطة والصحة وربما التعليم – كل نشاط له حاجة انسانيه لأهل البلد ومن الممكن أن لا يكون رابح كفاية لتغطية تكاليفه وجذب القطاع الخاص له. بحسب ما أرى بأميركا مثلا فإن حتى قطاع خدمات الطرق يسيطر عليها القطاع الخاص (والبلديات بمنطق القطاع الخاص) ومع ذلك تسير الأمور بشكل رائع وينال الجميع بشكل عادل حصته من هذه الخدمات.

سلامة كيلة

كل اقتصاد ليبرالي الآن، وفي الوضع العالمي للرأسمالية هو اقتصاد مافياوي، ويؤسس لبناء نظام بوليسي وعائلي كما شهدنا ليس في سورية فقط بل في مصر وتونس وليبيا واليمن والمغرب وكل الأطراف الراسمالية. بالتالي الاقتصاد الليبرالي لن يكون إلا كما شهدنا، فقط باختلاف الأشخاص وفئات المهيمنة. بالتالي لا بد من تجاوز الاقتصاد الذي يعتمد على حرية السوق لمصلحة اقتصاد تلعب الدولة دوراً محورياً فيه، دون تجاهل دور “القطاع الخاص”، وفي ظل دولة ديمقراطية لكي لا نقع في ما حدث سابقاً.

Muna A

تماما ومع ذلك اؤكد على أهمية وجود قانون نذيه وعادل قادر الى حد كبير على وقف الطرنبة على البلد والتجاوزات الكبيرة ويأتي دور الديمقراطية وحرية الرأي في تفعيل عملية المراقبة والمحاسبة لتسهيل عمل القضاء اللاحق

سلامة كيلة

الأستاذة منى، كل اقتصاد يقوم على الحرية الاقتصادية، اي على الليبرالية سوف يخضع لسيطرة الطغم المالية في المراكز لأنها قادرة على المنافسة والسيطرة، وبالتالي يعيد إنتاج الشكل القائم، ليس في سورية فقط بل في كل الأطراف الآن. المشكلة تتعلق بأن كل تطور يفرض وضح حدود لتأثير الراسمال الإمبريالي على الاقتصاد المحلي أولاً، وهذا ما يمكن أن تقوم به الدولة. ثم ثانياص لا يميل الرأسمال الخاص في الأطراف للتوظيف في القطاعات المنتجة، سواء الزراعة أو الصناعة، وينشط فقط في الاقتصاد الريعي (الخدمات والعقارات والسياحة والبنوك .ز) لهذا لا يحمل إمكانية تحقيق تطور داخلي، الأمر الذي يفرض أن تقوم الدولة بذلك، لأن تطور المجتمع يفترض بناء القوى المنتجة بالأساس. لهذا سيكون دور الدولة أساسي في كل الحالات، ولكن يجب أن نؤكد على الديمقراطية لكي تصبح دولة مراقبة من قبل الشعب وليست دولة استبدادية تغطي كل عمليات النهب.

Nidal Al Dibs

أستاذ سلامة ..هل تعتقد أنه ما زال ممكناً قراءة القادم السياسي في سوريا / الحوار مع النظام _ مثلاً / من منظور اقتصادي ؟؟ أي من مصالح اقتصادية لطرفين ؟

سلامة كيلة

الاستاذ نضال الصراع بين القوى الدولية هو من أجل مصالح اقتصادية، حيث يسعى كل طرف لكي يضمن عقوداً في الإعمار وفي العلاقة التجارية وفي النفط والغاز. روسيا تريد ذلك ولقد حصلت من السلطة عقوداً كبيرة وقعها “الرفيق” قدري أخيراص، وتركيا تريد الحفاظ على ما كانت حققته مع بشار السد في إطار الاتفاق الإستراتيجي الذي وقع بينهما. ومطلوب من القوى التي تقبل بحل يرعاه “المجتمع الدولي” أن توافق على مصالح هذا أو ذاك. والدفع يصب في اتجاه تنازل أميركي لروسيا.

Abed R

أستاذ سلامة يعني علينا أن نتصور دولة تتدخل في الاقـتصاد ومع ذلك تحافظ على المنجز الديمقراطي وتتجاوز التمزق الاجتماعي وتحمي نفسها من محاولة الاستتباع الاقتصادي …وترمم وتعيد الإعمار بحد أدنى من القروض الدولية (التي تستتبع بدورها شروط السداد)؟

هل من مثال تاريخي واضح عن ذلك أو ما يقارب ذلك؟

سلامة كيلة

الأستاذ عبد، هذا ما هو ضروري لكي لا نقع في التبعية والإلحاق وسيطرة الطغم المالية الإمبريالية. روسيا السوفيتية تطورت واصبحت دولة حديثة عبر ذلك، لكن في إطار اشتراكي. ويمكن أن نحققه في إطار أفضل لبلداننا. وكل تطور حقيق تحقق منذ بداية القرن العشرين اتبع طريقة تدخل الدولة بغض النظر عن النهاية، التي تركت دولاً حديثة وصناعية ومتطورة.

Muna A

اود أن أذكر مثال ولا أدري رأيكم بهكذا أمر علما بأنني اضطلع على بعض جوانب النظام الاقتصادي الاميركي منذ فترة قصيرة فقط وقد يفيدنا بعض اصدقاء التجمع بهذا الخصوص ولكن يبدو بأنهم وصلو الى طريقه لجعل البلديات الخاصة بكل بلدة أو مدينة صغيرة كانت ام كبيرة لها دور شبيه جدا بدور القطاع الخاص ولكن قادرة على تلبية حاجات الشعب بطريقة ديمقراطية لتفادي شطط القطاع الخاص في سعيه للربح فقط – مثال على هذا الكلام هو تسيير الكثير من الخدمات العامة مثل المياه او الكهرباء من قبل البلديه مع امكانية وجود منافس لها من القطاع الخاص وبالتالي عليها أن تنجح في تلبية حاجات الناس بثمن معقول وبنفس الوقت أن تنجح في زيادة نسبة تمويلها لذاتها (وتخفيض الضرائب المحلية عن الشعب) من خلال نجاحها الاداري والحصول على أرباح معقولة. مبدئيا أنا معجبة بهذا النموذج واراقب واحاول أن أفهم أكثر وخصوصا بأن مثل هكذا انظمة متطورة لم نعرفها بل وربما لا تعرفها، ربما، بهذا الشكل الدقيق بعض الدول المتحضرة اكثر والتي تتمتع بأنظمة اقتصادية أكثر استقرارا

سلامة كيلة

الأستاذة منى، ما أشرت إليه تحقق في بلد رأسمالي متطور، لكننا لم نصبح بلداناً راسمالية إلا من حيث الشكل، ولكي تصبح كذلك يجب بناء قوى منتجة، وهذا ما لا يستطيع بناءه الرأسمال الخاص كما اشرت.

Kazem Alzahouri

شكر من الصديقة فاديا لاذقاني

هل من الممكن، لمن لم يشارك في الندوة عبر توجيه الأسئلة، التقدم فقط بشكره الجزيل لسلامة على منحنا وقته، رغم كثرة مشاغله وتنقلاته؟ شكراً حارًا يا صديقنا العزيز سلامة.

بدوري اشكر الاستاذ سلامة كيله على هذا النقاش الغني

على امل العودة القريبة لإدارة نقاشات اقتصادية و سياسية في سوريا ديمقراطية علمانية

سلامة كيلة

شكرا فاديا، وشكرا لكم جميعاً

Randa B

آسفة لعدم تمكني من المشاركة البارحة. لاشك في أن الندوة غنية وقدمت إضاءة مهمة على العوامل التي أدت إلى اندلاع الثورة. وكما تذكر يا صديقي سلامة، لطالما كان غياب العامل الاقتصادي عن فكر المنادين بحقوق الإنسان عنصر خلافٍ مع من كانت رؤيتهم أوسع مدىً، إذ تتضمن تلك الحقوق في نظرهم حق الإنسان في حياةٍ لائقة والتعليم والاستطباب، إلخ، ولا تقتصر على الحق في التعبير.

المصدر: التجمع السوري من أجل الديموقراطية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s