الثورة السورية تتخبط

نقترب من الذكرى الثانية للثورة، بعد انتصار الثورة التونسية ونهوض الثورة المصرية وانتصارها، لنسأل عن السبب الذي جعلها تأخذ كل هذا الزمن خلافاً لثورات تونس ومصر وحتى ليبيا واليمن. وهو الأمر الذي شكّل إرباكاً ما، وزرع بعض التشكك في إمكانية انتصار الثورة، أو حتى فتح على اليأس أحياناً. في تونس قاربت الثورة شهراً، وفي مصر استمرت ثمانية عشر يوماً، ولقد مرّ عامان على انتصارها، وها أن الثورة السورية لم تنتصر بعد.

وبغض النظر عن معنى الانتصار هنا، حيث أن الصراع لازال قائماً، في شكل جديد، وبعد “تحوّل ديمقراطي” فتح الأفق على صراع سياسي، وتخصيب في الوعي والفهم والرؤية لدى قطاع كبير من الشباب، لكن سقط الرئيس، وتضعضعت السلطة. وبالتالي فإن الصراع مستمر إلى أن يفرض الشعب “منطقه” وسياساته ومطالبه، وأساساً سلطته.

لماذا طال امد الصراع قبل سقوط السلطة ورحيل المافيا الحاكمة؟ وبالتالي كيف يمكن أن تسقط؟

هذا قبل أن نبحث في كيف نصل إلى تحقيق التغيير الجذري في بنية الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والوضّع الإستراتيجي. لماذا طال أمد الصراع؟

ربما نحتاج إلى بحث شمولي لكي نصل إلى إجابة توضّح الظروف التي فرضت هذا الصراع الطويل. لكن كان، ولازال، صراعاً معقداً شهد ويشهد عنفاً إجرامياً من سلطة ظهرت كسلطة عصابة مافيا تعتبر أن سورية ملك شخصي لها. ولا شك في أن تأخر اللبرلة التي أسست لاحتقان اجتماعي كبير لم يصل إلى حدّ كسر حاجز الخوف من السلطة لكي ينفجر “ذاتياً”، كما حصل في تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا. في الوقت الذي كانت السلطة تتشكل فيه في صيغة يهيمن فيه الأمن على الجيش والمجتمع، ويتشعب بما لا يسمح بتشكيل مؤسسات منتظمة، الأمر الذي جعل تحرّك جهاز بشكل منفصل عن سيطرة السلطة ليس ممكناً، مما منع إمكانية انشقاق كبير ينهي المافيا المسيطرة. لهذا لم تهزّ الثورة بنية السلطة إلا بعد أشهر من الصراع، وظلت السلطة قادرة على مسك عناصر الصراع، والحفاظ على تماسكها أشهراً طويلة.

في كل الأحوال ليس من شك في أن السلطة باتت ضعيفة ومضعضعة، وتعتمد على قطاعات محدَّدة من الجيش والأمن دون باقي الجيش الذي أصبح معزولاً في معسكراته، وبالشك في كل أجهزة الدولة التي ظهر تململها من الحرب التي تخوضها المافيا الحاكمة، أو أنها حسمت موقفها مع الشعب وتنتظر اللحظة التي تسمح لها بالانشقاق أو التأثير. لهذا، ونتيجة تقلّص قدرات السلطة العسكرية والأمنية، باتت عاجزة عن السيطرة على مناطق كثيرة، وباتت تعتمد على الطيران والقصف البعيد والصواريخ في حربها ضد الشعب، وتتعرّض لخسائر كبيرة تتقلص إمكانية تعويضها. كما ظهرت تشققات في بنيتها نتيجة الاختلاف في الاستمرار في طريق العنف ذاته أو البحث عن مخرج ينهي الدم ويفتح على مرحلة انتقالية. وهذا الأمر هو الذي دفع “حلفاءها” إلى إظهار تدخلهم بشكل مباشر، وتأكيدهم الدفاع عن حليفها إلى النهاية (كما تفعل إيران) أو البحث عن حلول تبقيه (كما تفعل روسيا).

السلطة تتهاوى، لكن يمكن القول أن الثورة تغرق في الفوضى. هذا هو الأمر الذي بات يطيل الصراع، ويزيد الدم والتدمير، ويعزز الاحتقانات. لقد كانت الثورة عفوية، وتطورت وهي عفوية. وانحكمت تظاهراتها لتنظيم موضعي من التنسيقيات التي طمحت في البداية إلى أن تصبح هي قيادة الثورة، لكن عنف السلطة طالها بوحشية لأنها لا تريد تنظيماً أو خبرة أو وعياً ينفذ إلى شباب يتمرد ويحتاج إلى وعي وخبرة وتنظيم. لكن الانتقال إلى العمل المسلح قد فتح على فوضى أعلى، ومشكلات أعقد، أثرت على مجمل النشاط الثوري. فالعمل العسكري يحتاج إلى تنظيم حقيقي، ولا يمكنه أن يظل عفوياً، فذلك يعني هزيمته.

وبالتالي إذا كانت كل فاعليات الثورة بحاجة إلى تنظيم لتشكيل قيادة فعلية “على الأرض”، فإن العمل المسلح الآن بحاجة إلى قيادة فعلية و”إستراتيجية”، حيث لا يفيد استخدام السلاح دون معرفة كيف يمكن أن يستخدم؟ وإلى ماذا سوف يفضي؟ وكيف يمكن أن يفضي إلى الانتصار؟

فما أسمي “الجيش الحر” هو عبارة عن اسم فقط بينما نجد الواقع يمتلئ بمجموعات مسلحة لا تنسق فيما بينها، أو تنسق بشكل جزئي، ويعضها يتصرف وكأنه وحده الذي يخوض الصراع، فيقيم علاقة سيئة مع بعضها الآخر. وكل منها يعمل ضمن منطقته فقط دون تنسيق حتى مع مناطق قريبة، ويحاول أن يفرض سلطة على الشعب من المبكر أن تكون مفيدة أو حتى ضرورية.

والمناطق المعتبرة محررة تعيش الفوضى نتيجة التنافس وغياب الأمن، وألعاب السلطة فيها من خلال الشبيحة “السابقين” أو “المدسوسين”. ومرتكبي الجرائم يصبحون “الجيش الحر”. خصوصاً أن هذه المناطق متروكة دون سلطة شعبية تحفظ الأمن وتدبّر وضع الناس لكي يستطيعوا العيش بدل أن يتحوّلوا ضد الثورة.

كل ذلك يفرض تنظيم المجموعات المسلحة في سياق إستراتيجية واضحة، وقيادة تنسق نشاطها، وتتعلق بكل سورية بدل السيطرة المناطقية، وتجاهل أن الصراع ضد السلطة لم يحسم بعد. الخطأ الأساسي الذي ارتُكب هو في الإستراتيجية التي لا تراعي اختلال ميزان القوى وضعف تسلح الثوار وقلة الذخيرة. وإذا كانت هذه الإستراتيجية قد ألغت الحراك الشعبي وفرضت أن يكون العمل المسلح هو النشاط الوحيد في إسقاط السلطة، فإنه يجب في ظل تغييرها العمل في سياقين متوازيين:

الأول: التأكيد على ضرورة تركيز العمل العسكري ضد مفاصل السلطة، ومركز قوتها، وأدواتها في القتل والتدمير. أي ضرب بنيتها العسكرية والأمنية التي تستخدمها في الصراع بالتحديد، وليس أي بنية أخرى، خصوصاً بعد أن أصبح معظم القطاعات العسكرية “محيداً” نتيجة الاحتقان الذي يشهده الجيش ويدفع إلى الانشقاق حين تحين الظروف.

ولأن القدرة العسكرية محدودة، يجب التركيز على المفاصل الأساسية (أي الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، والأمن/ المخابرات الجوية خصوصاً، والمطارات الحربية التي تنطلق منها الطائرات التي تقوم بعملية التدمير، ومرابض الصواريخ التي يطلق منها ما يقتل ويدمر، والشبيحة). والهدف هو تكسير ما تبقى من قوة تستخدمها السلطة لتسريع انهيارها. يجب استهلاك البقية الباقية من قوة “صلبة” تستخدمها السلطة، هذا هو الهدف الأساس والضروري لتسرع الانتصار.

الثاني: إعادة تفعيل النشاط الشعبي، وتطويره بحيث يفرض سيطرة الشعب على الشوارع، ويربك ما تبقى من قواها. وفي هذا السياق يجب توضيح أهداف الثورة التي هي أوسع من الحرية والكرامة وأعمق، حيث يجب أن يكون واضحاً أننا نريد دولة علمانية ديمقراطية (دولة مدنية)، وبناء الاقتصاد على أساس توزيع الثروة بشكل عادل مما يسمح بحل مجمل مشكلات الطبقات الشعبية في المجال المعيشي، وإعادة بناء التعليم والبنية التحتية والصحة، وتعمير ما تهدم بمجهود شعبي و”محلي”، دون الخضوع لديون ونهب من شركات لن تأتي إلا لكي تسرق دون ان تبني.

يجب تجاوز الفوضى، ورفض محاولات بعض أطراف المعارضة لفرض “أجندتها” وتشويه الثورة، وتنظيم نشاط الثورة في الداخل بعيداً عن التبعية لهذا الطرف الدولي أو ذاك. الحل عملي، وعلى الأرض وليس في أي مكان آخر.

المصدر: شام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s