وضع الثورة المصرية وإستراتيجية العمال والفلاحين الفقراء

(هذا تصور كتب في شهر شباط/ فبراير سنة 2012، وربما تحتاج التورات إلى تعديلات في الصياغة لكنه يتضمن فهماً لواقع الثورة وما هو ضروري لتطورها وانتصارها)

يبدو الوضع في مصر وكأنه لم يهدأ، وأن الانتفاضة لازالت مستمرة رغم التقطعات التي حدثت نتيجة أوهام اعتبار بأن المجلس العسكري بات يحمل همّ تحقيق أهدافها. فحركات الاحتجاج في ميدان التحرير تعود بقوة، رغم إجراء الانتخابات، وفي التوازي معها. وهي تستمر حتى بعد الانتخابات التي أفضت إلى سيطرة إسلامية على مجلسي الشعب والشورى. وهي لن تهدأ لأسباب كثيرة.
هذا يعود إلى طبيعة الثورة ذاتها. وإذا كان جرى تقزيمها إلى انتخابات، وتغيير شخوص من يحكم، وشكل الحكم الذي بات يشاع بأنه ديمقراطي، فإن الثورة لم تقم من أجل كل ذلك، رغم أهمية الدمقرطة وضرورتها، وضرورة تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، بل لا بد من ملاحظة مجمل مطالب كل الطبقات الشعبية التي عبّرت عنها خلال السنوات الخمس (على الأقل) السابقة للثورة، وهي مطالب تتعلق بوضعها المعيشي بالأساس، والتي كانت في أساس انخراطها في الثورة ومطالبتها بإسقاط النظام.

وربما كان السياقان هذين هما اللذين يتواجدان اليوم في الشارع. أو اللذين قسما الشارع والأحزاب السياسية. حيث أن كل الأحزاب السياسية المعارضة اعتبرت بأن الثورة انتهت، وأن الانتخابات قد أفرزت القوى التي تمثل الشارع، وما هو مطلوب الآن هو السكينة من أجل أن تحقق هذه الأحزاب مطالب الشعب. وهذا ما يعبّر عن قسم مهم من الذين خاضوا الثورة، واندفعوا للمشاركة في الانتخابات، واختاروا الإخوان المسلمين بالأساس.
مطالب الشعب.

لكن، في كل الأحوال لا يجب أن ننسى أن إسقاط النظام كان هو الشعار الموحد لكل مطالب الطبقات الشعبية، التي قامت الثورة على أكتافها. وهي المطالب التي خاضت كل طبقة أو فئة نضالاً خلال السنوات السابقة من أجل تحقيقها. وتتعلق بالأجور، حيث خيض صراع من أجل تحديد الحد الأدنى، وتحدد بـ 1200 جنيه حسب حكم قضائي سابق للثورة. كما تتعلق بالبطالة وإيجاد فرص عمل، او تتعلق بالتعليم والصحة. أو حتى بمطالب تخص مناطق بعينها نتيجة مشكلات بيئية أو تتعلق بالبنية التحتية، أو بإعادة أرض الفلاحين للملاك القدامى وطرد الفلاحين من الأرض. وهذه كلها مطالب اقتصادية طال النضال من أجلها آلاف الإضرابات والتحركات سابقاً.

كما تتعلق المطالب بتغيير طبيعة الدولة، التي ورغم “الحريات” التي كانت متوفرة (الصحافة والأحزاب) لم تظهر كدولة ديمقراطية، بل ظلت سلطة فردية تُحكم من قبل “الحزب الواحد” الذي كان يفوز بالانتخابات عبر التزوير. وبهذا أصبح مطلب الدمقرطة وتأسيس الدولة المدنية التي تقر بحريات حقيقية، هو مطلب قطاع مهم من النخب التي “إكتملت فرديتها” ربما من خلال وسائل التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)، والنت عموماً، وأصبحت تعتقد بأن لها دور مجتمعي لا بد من أن تمارسه. وأن من حقها الاحتجاج والإضراب التظاهر من أجل مطالب محدَّدة.

إضافة إلى ذلك، كان يتوضح بأن مصر باتت ملحقة بالولايات المتحدة والدولة الصهيونية، وأن السلطة تخدم هذه وتلك أكثر مما تخدم مصر ذاتها.

هذه المسائل/ المطالب كانت في أساس كل حركات الاحتجاج التي حدثت بشكل متواتر منذ سنة 2000. لكنها كانت حركات كبيرة لا تحمل مبدأ التغيير(دعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ورفض الحرب على العراق)، أو محدَّدة في طبقة اجتماعية أو جزء منها (تحرك الفلاحين سنوات 2003 و2004، والتحركات العمالية منذ سنة 2007، ثم تحرك فئات اجتماعية متعددة بعدئذ)، أو من أجل رفض التمديد والتوريث (مع حركة كفاية التي تأسست نهاية سنة 2004).

لهذا حملت الثورة في 25 يناير سنة 2011 كل هذه المطالب، التي تلخصت في شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”. وإذا كان هناك من يعتقد بأن الدمقرطة وتأسيس الدولة المدنية هما أساس الثورة، فإن شعار إسقاط النظام يعني حتماً، على ضوء مطالب الطبقات الشعبية (التي هي في جوهرها مطالب اقتصادية)، إسقاط النمط الاقتصادي كما إسقاط السلطة السياسية وشكل الدولة الذي رسّخته. مع ملاحظة أنه حتى الدمقرطة ليست ممكنة إلا انطلاقاً من تغيير النمط الاقتصادي، لأن الاقتصاد الريعي يؤسس لـ “دمقرطة” في مستوى تلك التي حققها نظام حسني مبارك. وبالتالي ليس من الممكن تأسيس دولة مدنية ديمقراطية دون تغيير النمط الاقتصادي ذاته، في إتجاه حل مشكلات الطبقات الشعبية المفقرة. خصوصاً بعد أن انتفضت هذه الطبقات ولم يعد ممكناً لها أن تستكين قبل تحقيق مطالبها الجوهرية، تلك التي تتعلق بمعيشتها.

وسنلمس بأن كل مطالبها لا تتحقق إلا بتغيير كلية النمط الاقتصادي الذي صاغته الطبقة الرأسمالية المسيطرة بالتبعية للطغم الإمبريالية. وبالتالي بسيطرة طبقات أخرى تحمل هدف تغيير النمط الاقتصادي بما يسمح في حل مشكلاتها الطبقات الشعبية. هنا تنفرض مسألة السيطرة الطبقية على الدولة من قبل هذه الطبقات، وليس من الأحزاب التي تمثل الرأسمالية ذاتها.

وهذا لم يتحقق بعد، حيث جاءت الانتخابات بأحزاب لا تمتلك برنامجاً اقتصادياً يحمل حلاً لمشكلات هذه الطبقات، بل ينطلق من تكريس النمط الاقتصادي الذي تشكل في ظل نظام حسني مبارك. وإذا كانت المسألة تتعلق بتحقيق مطالب الشعب، الاقتصادية أولاً، فإن الأحزاب المنتصرة لا تملك التوجه لتأسيس اقتصاد يتضمن حلاً لهذه المطالب. فالإخوان المسلمين ليبراليين في الاقتصاد إلى حدّ القداسة. ولقد صرّح مسئولون منهم بأنهم لم يختلفوا مع السياسة الاقتصادية لنظام حسني مبارك. وسوف يكررون الخطاب ذاته، و”يحلون” مشكلات الشعب بالطريقة ذاتها. حيث الاعتماد على الرأسمال الخاص والاستثمار الأجنبي، والتوظيف في التجارة والخدمات والسياحة والعقار والاستيراد والبنوك. وأصلاً كل نشاط رأسمالييهم يقوم على ذلك. ولهذا سوف يكرسون النمط الريعي القائم، وتصبح المسألة هي مسألة تهميش فئات مافياوية لمصلحة أخرى.

“انتصار الثورة”، أو وهم انتصار الثورة

لحظة تنحية حسني مبارك أحس الشعب المنتفض بأنه انتصر وأسقط النظام. ولقد انبنت هذه اللحظة على مخزون من الإيجابية تجاه الجيش، ومن الدور الذي لعبه هذا الجيش منذ اليوم الثالث للثورة حين بدا أنه يحمي الشعب المنتفض. ورغم خطوات قليلة كان يبدو فيها أنه “يضيق” على الانتفاضة في ميدان التحرير وأماكن أخرى، فقد ظل يبدو “حامياً للثورة”، ومدافعاً عنها. وجاء دوره في “تنحي” أو تنحية حسني مبارك لكي يكمل هذه الصورة، ويكرّس بأنه حسم الأمر وسوف يحقق مطالب الشعب.

ورغم عدم انفضاض الشعب، واستمرار فاعليته في الشارع، إلا أنه عمل انطلاقاً من مبدأ الضغط على المجلس العسكري الذي استلم السلطة من أجل تسريع التغيير، أو من أجل رفض بعض ممارساته، انطلاقاً من دور “تصحيحي” لهذه الممارسات. وهنا خصوصاً حول ما هو مطلوب، أو حول الأولويات، حيث ظل ميدان التحرير يشهد اعتصامات متكررة. وربما كانت بداية ابريل هي اللحظة التي بدأت تشعر بأن المجلس العسكري هو في وادٍ آخر، حيث عمد إلى استخدام العنف ضد المعتصمين. ورغم ذلك، لا يمكن القول بأن كل المحتجين قد توصلوا إلى نتيجة بأن هذا المجلس ينفذ أجندة أخرى. لقد اكتشف البعض ذلك حينها، لكن سياسات المجلس التالية كانت توصل قطاعات جديدة من المحتجين إلى النتيجة ذاتها: المجلس العسكري يمتلك أجندة أخرى. في يوليو توسع الشك فيهن وفي نوفمبر شمل الشك قطاعات أكبر. لكن ظل جزء مهم من الشعب يتمسك بالمسار الذي رسمه المجلس.

فقد انطلق المجلس من ضرورة “تسليم السلطة بأسرع وقت إلى سلطة مدنية منتخبة”، لهذا قرر تعديل الدستور بدل صياغة دستور جديد، ودفع إلى استفتاء على التعديل المقترح (الذي لم يكن أكثر مما طرحه حسني مبارك في خطابه الأول بعد الثورة)، قاد إلى تشنج مجتمعي نتيجة الوجهة التي دُفع إليها الصراع، حيث بدت و:انها معركة من أجل الدين. سرعان ما تجاهل نتائج الاستفتاء وأصدر إعلان بمبادئ دستورية تنظم العمل إلى حين الاستفتاء على دستور جديد. ثم اصدر قانوناً للأحزاب أسوأ مما كان في زمن حسني مبارك، وقانون يجرّم “الاحتجاجات الفئوية” لم يكن حسني مبارك قادراً على إصداره. ومن ثم أجرى الانتخابات لمجلسي الشعب والشوري.

كان واضحاً بأن هذا المسار سوف يعطي الأغلبية للإسلاميين في المجلسين. لقد طالب الإخوان المسلمين قبيل الثورة ببعض الإصلاحات التي لا تمسّ بنية السلطة، ولا تزيح حسني مبارك. ورغم مشاركة شباب منهم فقد رفضوا المشاركة في “إضراب 25 يناير”، وشاركوا فقط بعد 28 يناير حينما توضّحت وجهة الصراع. وسرعان ما قبلوا المساومة حين دعاهم “نائب الرئيس” عمر سليمان. لكنهم ظهروا كحلفاء للمجلس العسكري من اللحظة الأولى. وباتوا يتصرفون وكأنهم هم السلطة. أما السلفيين فقد كانوا ضد “التمرد على الحاكم”. وكان كل تكتيك المجلس العسكري يصبّ في مصلحة هؤلاء، حيث انعقد تحالف (برعاية أميركية). ولقد لعبت كل أجهزة السلطة (الإعلام والبيروقراطية والأجهزة الأمنية) وكل أساليبها (الضغط وربما التزوير) في مصلحة نجاح كبير لهما.

لكن ما جعل هذه النتيجة ممكنة هو ان قطاع كبير من الشعب، الذي لم يشارك جدياً في الثورة رغم موقفه المؤيد لها، أو الذي كان ليس مع الثورة، أو حتى قطاع ممن كان مشاركاً في الثورة، انطلق من المراهنة على أن وصول الإسلاميين إلى السلطة يمكن أن يحمل حلولاً للمشكلات التي يعيشونها، وبالتالي يمكن لنجاح هؤلاء أن يقود إلى تحقيق مطالبهم. وكان واضحاً بأن المراهنة تنصبّ على الإخوان المسلمين (الذين شكلوا حزب الحرية والعدالة) تحديداً، كونهم كانوا في المعارضة، ويرفضون الفساد، ويقدمون خدمات لقطاعات مجتمعية.

وبالتالي أصبحت كتل مجتمعية ترى بأن تحقيق مطالبها سوف يتحقق من خلال حكم الإسلاميين. وهذا ما قسم “قوى الثورة” بين مراهنٍ على “المسار الديمقراطي”، وعلى الإسلاميين خصوصاً، وآخر يرى بأن الثورة تسرق، وأنه يجب الاستمرار بها. هنا أصبح يتشكل “تناقض” بين كتلتين مجتمعيتين، واحدة ترى بأنه يجب إعطاء فرصة للإسلاميين، وبالتالي لا بد من “قليل من الهدوء”. وأخرى تعتقد بأن الثورة قد سرقت ويجب استردادها من أجل تحقيق مطالب الشعب. وبالتالي لا بد من الاستمرار بالثورة. لقد أصبح، بالتالي، شعار: الثورة مستمرة، هو الشعار الذي يحكم هذه الكتل. وباتت في مواجهة مزدوجة، مع المجلس العسكري ومع الإسلاميين معاً. لكنها باتت في موقع انتقادي، وربما في مواجهة، مع كتل مجتمعية أخرى ترى بأنها تُفشل التغيير بتهورها.

وضع الثورة

لقد ترسخت هيئات “شرعية” عبر الانتخاب، على الأقل لدى هذه الكتل المجتمعية التي تدعم هذا المسار (وهي كتل كبيرة)، لكن شرعية الميدان لازالت قائمة. بالتالي نحن إزاء تنازع شرعيتين. لكننا أصلاً إزاء انقسام الطبقات الشعبية ذاتها بين داعم للمسار “الديمقراطي” كمدخل لتحقيق مطالبه، وبين الثوريين الذين لا يرون في هذا المسار طريقاً لتحقيق مطالب الشعب.

الثوريون أعادوا طرح تشكيل مجلس رئاسي مدني كبديل عن المجلس العسكري، لكن من الواضح بأن ما يتحكم بهم هو تصفية نظام حسني مبارك، دون أن يكون واضحاً الكيفية التي يمكن أن تتحقق مطالب الشعب عبرها. حيث يشدّ بعضهم الميل لتحقيق الدولة المدنية فقط، ويحلم بعضهم بـ “العدالة الاجتماعية”، ويرفض آخرون حكم الإسلاميين، أو حكم العسكر الذي يظنون أنهم باقون في السلطة، وهو الأمر الذي جعل شعارهم هو: يسقط حكم العسكر. أي لازالوا “عنصر سلب” ولم يتحوّلوا إلى عنصر تغيير عبر بلورة بديل يعبّر عن مطالب الشعب ويحققها.

وفي هذا السياق يندفعون في الصراع نحو الحسم، دون تلمس وضع الطبقات، وممكنات ثورة جديدة. إنهم يعتقدون بأن إرادتهم التي اسقطت حسني مبارك قادرة على إسقاط المجلس العسكري والإخوان والسلفيين، دون لحظ انقسام “الشارع”، وميل كتلة مجتمعية مهمة للمراهنة على نجاح الإسلاميين. لقد وقعوا في الإرادوية هنا. وظلوا يعملون في عفوية كاملة رغم كل الزمن الذي مرّ. لهذا لازالوا يطرحون ما هو “سلبي”، أي المطالبة بالسلب من خلال إسقاط الجديد. بمعنى أنهم لازالوا يفتقدون للبديل، سواء كبرنامج أو كبديل سياسي (حزب)، أو بديل طبقي (الدعوة لاستلام الطبقات الشعبية للسلطة).

بينما ينتظر الذين شاركوا في العملية الانتخابية الحلول من قبل الإسلاميين الذين باتوا يسيطرون على مجلسي الشعب والشورى. وهؤلاء يتوجسون من “ثورية” الذين لازالوا يقاتلون في الشوارع. وربما يجري الاعتقاد بأنهم يؤخرون الحلول.

في المستوى السياسي انتصرت الأحزاب الليبرالية (بشقيها الإسلامي والمدني)، وتشكلت سلطة ليست في وارد تغيير النمط الاقتصادي، على العكس باتت تتمسك به. لهذا سوف يحدث التفارق بينها (خصوصاً الإسلاميين) وبين الفئات التي انتخبتها، لأن هذه الفئات تريد حلاً، وسريعاً، لوضعها المعيشي خصوصاً. وستلمس المماطلة والتأخير والتجاهل من قبل حزب الحرية والعدالة الذي راهنت عليه حين انتخبته، الأمر الذي يجعلها تبدأ في التحوّل عن دعمه، وبالتالي ستميل إلى التمرد من جديد. وصيرورة التحوّل هذه لن تكون بعيدة، بل ستكون أقرب مما يمكن أن يجري التوقع، لأن هذه الفئات تنتظر حلولاً سريعة بفعل وضعها المؤسي الذي لا يسمح بانتظار طويل. وهي لن تنتظر انتخابات أخرى، لأنها جرّبت الانتخابات ولم تأتِ بما يحقق مطالبها.

وهو الأمر الذي يؤسس لاستعادة الوضع الثوري الذي يمكن أن يؤدي إلى ثورة جديدة. لكن لا بد من أن تكون هذه المرة غير عفوية، وبالتالي تنحكم لإستراتيجية واضحة. تنطلق من كيفية التعامل مع الوضع الآن، لتصل إلى الاستيلاء على السلطة.

حول التكتيك الآن

في هذا الوضع ما هو التكتيك الضروري؟
أولاً لا يجوز تجاهل بأن هناك شرعيتان الآن. الشرعية التي تطالب بالاستمرار بالثورة إلى حين تحقيق مطالب الشعب، انطلاقاً من أن كل ما تحقق لم يحققها، وأنه لا المجلس العسكري ولا الإسلاميين أمناء على تحقيقها. وهي الشرعية التي بات يمثلها ميدان التحرير، والتي تعبّر عن ذاتها في تحركات مستمرة، تهدأ أو تصعد انطلاقاً من “حماوة” الوضع السياسي. لكنها أيضاً تتسم بالتجريبية، وعدم وضوح المطالب الآنية ودون إستراتيجية واضحة. بمعنى أنها لازالت تخضع لعفوية الثورة ذاتها، دون تقدم مهم. ولازال الشباب غير المسيس أو المسيس قليلاً هو العنصر الأساس فيها.

والشرعية الأخرى هي الشرعية التي نتجت عن الانتخابات، بغض النظر عن كل الملاحظات التي يمكن أن تقال في طبيعة الانتخابات، والاستعجال في إجرائها والقوانين التي حكمت العمل السياسي قبلها، وأيضاً تحيزات سلطة المجلس العسكري. فقد شارك أكثر من نصف الذين يحق لهم التصويت (رغم ما شابها من تزوير أو تضخيم لعدد المشاركين)، وإذا لم يكن كل هؤلاء هم جزء من الثورة، حيث انتخب كثير ممن لم يشارك (وربما نقول بأن المشاركة الأساسية كانت للوسطيين)، فإن جزء منهم كان مشاركاً فيها. وأن الثورة تهدف إلى تحقيق مطالب معظمهم.

بالتالي إذا كان المجلس العسكري قد أخذ شرعيته من “دعمه” للثورة، وهي الشرعية التي تقلصت فيما بعد على ضوء سياساته، وانكشاف أهدافه، فإن شرعية البرلمان أتت من مشاركة قطاع مهم من الشعب في الانتخابات. لهذا لا يجب تجاهلها، على العكس يجب الانطلاق من فهم ذلك ونحن نسعى لتجاوزها. والمسألة هنا تتعلق بانقسام “الشارع” بين الشرعيتين، وبالتالي اقتناع جزء منه بأن البرلمان أصبح هو الذي سيحقق مطالب الشعب ما دام أتى بحزب الحرية والعدالة الذي هو أصلاً من المعارضة، ويُظنّ بأنه قادر على حل المشكلات الاقتصادية كونه لم يظهر كجزء من الليبرالية المسيطرة، حيث يطرح حلاً “إسلامياً” يجري الاعتقاد بأنه ليس ليبرالياً، رغم أنه ليبرالي.

وإذا كان التحليل المنطقي يوضّح بأن هذا الحزب لا يمتلك الأسس التي تجعله قادراً على حل المشكلات المجتمعية، على العكس فإن سياسته تكرّس اللبرلة لأنه ينطلق من المبدأ البسيط القائل بقدسية الملكية الخاصة، وأن الشكل الاقتصادي الأساس في رؤيته هو التجارة. وهذا هو أساس الليبرالية المتوحشة التي تفرضها الطغم الإمبريالية. إذا كان التحليل المنطقي يوضّح ذلك فإن تصريحات قيادييه قبل وبعد الانتخابات تشير إلى أن الإخوان المسلمين لم يختلفوا مع حسني مبارك في سياسته الاقتصادية، الأمر الذي يعني بأنه لن يتحقق تغيير في طبيعة النمط الاقتصادي كنمط ريعي. مما يعني بأن كل مراهنة على حل اقتصادي من قبل الحزب الحاكم الجديد سوف تتلاشى مع مرور الوقت، سواء الآن أو بعد حين. لهذا سوف يتحوّل التأييد والدعم إلى رفض وتمرّد. وبالتالي سوف تعود الكتل الأساسية التي “انشقت” إلى الميدان من جديد من أجل الثورة.

لكن، ليس الانتظار هو المطلوب، بل يجب أن يتحدد التكتيك الذي يسرّع في عملية “الكشف”، أي كشف زيف ما يطرح هذا الحزب، وكل الأحزاب الليبرالية التي شكلت قوام مجلسي الشعب والشورى. إن الانطلاق من رفض ما نتج عن الانتخابات بشكل صريح ومباشر سوف يفضي إلى الاصطدام بتلك الكتل الشعبية التي لا بد من إعادتها إلى مسار الثورة. كما أن التركيز على إسقاط المجلس العسكري في وضع يراهن جزء من الشعب على كل العملية الديمقراطية سوف يبعد المنخرطين في المسار الديمقراطي، ويوسّع الشقة بين كتلتي الشعب. وأصلاً يجب تجاوز مبدأ الإسقاط نحو تقديم البديل السياسي الاقتصادي والطبقي.

لهذا ليس من بدّ في تسريع كشف سياسة الأحزاب الليبرالية المسيطرة تلك. ويتحقق ذلك من خلال طرح المطالب التي أصبح من الضروري أن يقررها البرلمان، ودفع مؤيدي الشرعية البرلمانية نحو الصراع مع البرلمان وأحزابه. فما دام البرلمان أصبح ذو قرار فيجب أن يقرر. والقرارات الواجبة تتعلق بعدد من المسائل الماسّة بوجود الطبقات الشعبية، والمحدِّدة لمصيرها. والتي يمكن تكرارها هنا كالتالي:

** الحد الأدنى للأجور (والتي تحددت بـ 1200 جنيه).
** إيجاد فرص عمل، وتوفير بدل بطالة يساوي نصف الحد الأدنى للأجور.
** العودة للتعليم المجاني، وفرض تحسين الدراسة، وتحقيق استقلالية الجامعة.
** تحقيق الضمان الصحي لكل فرد، ومراقبة مشافي الدولة.
** إصدار قوانين تتعلق بمحاكمة رجالات النظام السابق، تنطلق من الشرعية التي فرضتها الثورة.
** إعادة بناء العقيدة الأمنية والعسكرية، وإعادة تأهيل الشرطة والأمن على ضوء ذلك، لكي يكونوا في صف الشعب.

هذه مطالب أصبح من صلاحيات مجلس الشعب التقرير فيها، وبالتالي يجب أن يقرر. وأظن بأن كل الحراك في الميدان وفي المدن الأخرى يجب أن يتركز على ذلك، بعد أن أصبح مستحيلاً فرض مجلس رئاسي مدني (ولقد بات هذا المطلب من الماضي لأنه جرى التخلي عنه في اللحظة التي كان من الضروري التمسك به)، ومستحيل إسقاط المجلس العسكري وهو يتحضّر للمغادرة بعد فترة وجيزة. وأيضاً لم يتبلور بديل واضح يستحق الثورة من أجله. فالمهمة الآن هي كشف زيف أقوال الأحزاب المنتصرة، وتحقيق القطع بينها وبين الفئات الشعبية التي انتخبتها وراهنت على أن تحقق لها مطالبها.

الشغل يجب أن ينصبّ على إصدار قوانين من مجلس الشعب تتعلق بالحد الأدنى للأجور، ولمحاربة الفساد ومحاكمة “العهد البائد”، ومن أجل هيكلة الأمن والشرطة على ضوء عقيدة تنطلق من خدمتهم للشعب. لا يجوز تجاهل مجلس الشعب الذي هو شرعية قائمة، لكن يجب أن يُطلب منه ما يخدم الطبقات الشعبية، لكي يتكشف تناقضه مع هذه الطبقات. لكن أيضاً دون أن يصبح مجال مراهنة، بل أن يكون واضحاً بأن الشغل هنا من أجل كشف طبيعة المجلس، وانحياز الأحزاب التي سيطرت عليه.

وهذا يفرض تكتيكاً مختلفاً للحراك المستمر، فليس المطلوب التصعيد إلى الحد الأقصى (مثل المطالبة بإسقاط المجلس العسكري، أو حتى الإخوان) بل المطلوب الحشد من أجل فرض المطالب، والعمل على تحشيد الفئات التي تراهن على المجلس ذاته.

فإذا لم يظهر إلى الآن تنازع بين الشرعيتين، الشعبية والبرلمانية، فمن الضروري الشغل على تحقيق التنازع من أجل تكريس شرعية الميدان، وتحويلها إلى بديل عن كل شرعية اخرى. وهذا ليس ممكناً إلا من خلال كسب الفئات التي تراهن على المسار الديمقراطي، وعلى أن يحقق حزب الحرية والعدالة، او البرلمان عموماً، مطالبها.
في الوقت ذاته لا بد من “طرح فكرة” تشكيل مجالس مجتمعية، والدفع لبناء نقايات واتحادات تمثّل العمال والفلاحين الفقراء. كل ذلك في سياق السعي لاعطاء شرعية الميدان شكلها العملي، الذي يتمظهر في كل أشكال تنظّم الشعب. فالميدان هو لحظة احتجاج، لكن لا بد من أن تتهيكل في مجالس شعبية ونقابات عمالية ومهنية، واتحادات تمثّل فئات نوعية (المرأة، الطلاب، المعطلين، …). ولا بد من زرع ثقافة العمل الجمعي في إطار العمل والمهن، لكي يكون ممكناً أن تتشكل في لحظة معينة سلطة بديلة من الشعب.

هذا هو جوهر التكتيك الضروري الآن.

حول الإستراتيجية

وإذا كانت الثورة التي حدثت في 25 يناير سنة 2011 عفوية، رغم كل التخطيط الذي قامت به الحركات الشبابية، كيف يمكن أن تكون الثورة الجديدة غير ذلك، بحيث تنطلق من رؤية واضحة، ويكون الهدف الجوهري فيها هو الاستيلاء على السلطة من قبل العمال والفلاحين الفقراء، وعموم الطبقات الشعبية؟

المسألة التي يجب أن تكون واضحة في هذا المجال هي أن حل المشكلات المجتمعية، وخصوصاً مشكلات الطبقات المفقرة، وبالتحديد العمال والفلاحين الفقراء، لن تتحقق إلا بتغيير النمط الاقتصادي الريعي، وتكوين اقتصاد منتج، من خلال بناء قوى الإنتاج الصناعية وتطوير الزراعة (أو إعادة تأهيلها بعد أن جرى تدميرها)، وإعادة تأهيل البنية التحتية. فهذا هو ما يسمح بحل مشكلات البطالة وتدني الأجور، وتوفير ظروف معيشية لائقة. وهي المسائل الأساس في ثورة الشعب المفقر، الذي يشكّل أغلبية المجتمع. وليست الرأسمالية هي من يمكن أن يحقق كل ذلك، فالنمط الريعي القائم هو من فعلها عبر ترابطها مع الطغم المالية الإمبريالية التي باتت معنية ليس فقط بمنع نشوء الصناعة كما كان الأمر منذ انتصار الرأسمالية، بل كذلك بتدمير الزراعة لكي تصدّر الفائض الذي أصبح ممكناً في بلدانها، ومن ثم التركيز على تشكل اقتصاد خدمات وسياحة وعقارات ونشاط بنوك، واستيراد. ولقد باتت كل رأسمالية محلية “منضبطة” في هذا الوضع، لأنه يدرّ الربح دون أن تكون في صدام مع الطغم الإمبريالية. ولهذا فهي من أشرف على تحويل الاقتصاد بتصفية الصناعة وتدمير الزراعة، والتحوّل إلى اقتصاد النهب والفساد، وتشكيل الاقتصاد الريعي.

بالتالي، إن الرأسمالية كطبقة هي جزء من التكوين القائم، حيث أصبح هذا التكوين هو ما يخدم مصالحها. ولن تفكّر في صيغة أخرى. الأمر الذي يجعل حل المشكلات المجتمعية ينطلق من إسقاطها. هنا يكون شعار إسقاط النظام ذو معنى محدَّد يتمثل في إسقاط الرأسمالية المسيطرة/ الحاكمة.

ثم أن الفئات الوسطى، التي حملت في خمسينات القرن العشرين مشروع التغيير وإسقاط الرأسمالية الكومبرادورية، لم تعد تحمل مشروعاً غير المشروع الليبرالي. لقد كان فقراء الريف من الطبقة الوسطى ومتوسطيه هم من حمل مشروع تصفية الإقطاع وإنهاء الرأسمالية التجارية المتداخلة معه، في سياق حل مشكلات الفلاحين والمجتمع عموماً، تحت شعار تحقيق الاشتراكيةن لأنه لم يكن ممكناً مواجهة الإقطاع المتداخل مع الرأسمالية والمدعّم من قبل الرأسمالية الإمبريالية إلا بمشروع يبدو أنه يتجاوز الرأسمالية، رغم أنه في الجوهر كان مشروعاً رأسمالياً. أما الآن، فإن الفئات الوسطى النشطة تميل إلى تبني الليبرالية والحريات السياسية، وهذه لا تحل مشكلات الطبقات المفقرة، لأنها لا تمس (سوى شكلياً ربما) جوهر النمط الاقتصادي الريعي القائم، وتؤسس على منطلقاته (الاستثمار من خلال الرأسمال الأحنبي، وتحرير الاقتصاد). بالتالي لن يكون ممكناً لها أن تحل المشكلات المجتمعية. ربما تميل أكثر لتأسيس دولة مدنية حديثة، لكن لا إمكانية لتحققها في ظل سيطرة اقتصاد ريعي يؤسس لبطالة عالية وفقر شديد.

وسنلاحظ بأن هذه تتمظهر في القيادات الشبابية التي لعبت وتلعب دوراً فاعلاً في الثورة. ولهذا نجدها تطرح بديلاً يقوم على دور فئات ليبرالية ديمقراطية، وتركّز على شكل الدولة أكثر مما تتناول اقتصادها. أو تطرح صيغة اقتصادية “معممة” (أو عمومية)ن هي صيغة العدالة الاجتماعية.

الآن، إن الأحزاب التي أصبحت هي المسيطرة في البرلمان هي كلها ليبرالية أو تدور في الفلك الليبرالي، وليس من حزب منها يحمل تصوراً آخر. فحزب الحرية والعدالة الإسلامي هو حزب ليبرالي في جوهر رؤيته، وإن كان يغلّفها بالصبغة الإسلامية مستنداً إلى المرجعية الدينية. وحزب الوفد ليبرالي وكان حزب كبار الملاك. وحزب نجيب سويرس كذلك هو حزب ليبرالي. الحزب الوحيد الذي يشكّل خليطاً هو حزب النور السلفي، الذي يضم في قاعدته فئات مفقرة. لكنه ينطلق من “تطبيق الشريعة”، التي تكرّس الاقتصاد الليبرالي (بمعنى القائم على الحرية المطلقة للملكية الخاصة، وحق الإثراء). ولهذا لا تمتلك هذه الأحزاب حلاً للمشكلة الأساس، التي تتعلق بالنمط الاقتصادي. وهو الأمر الذي سوف يكون في أساس تحوّل الصراع إلى صراع معها.

وكما أشرنا لا بد من أن يكون واضحاً بأن تحقيق نقلة في الاقتصاد تقوم على تصفية الاقتصاد الريعي لمصلحة اقتصاد منتج، يعني التناقض مع الطغم المالية الإمبريالية، ومع كلية النمط الرأسمالي العالمي. وهو ما يجعل كل محاولة لبناء صناعة أو تطوير الزراعة والتعليم هي محاولة لتجاوز الرأسمالية ذاتها.

في هذا الوضع سيكون على الطبقات المفقرة أن تحقق هي التغيير من أجل تحقيق مصالحها، فليس غيرها من سيفعل ذلك. لكنها في هذا السياق يجب أن تحل كل المشكلات المجتمعية، بما في ذلك بناء دولة ديمقراطية علمانية. وستكون كذلك في صدام واضح مع الطغم الإمبريالية، الطغم التي لا تريد حلولاً لهؤلاء انطلاقاً من تكريس نمط الاقتصاد الريعي.

هذا الأمر يجعلنا نتلمس بأن خيار التطور هو خيار جذري في جوهره، حيث يفرض أن يتقدم العمال والفلاحون الفقراء للاستيلاء على السلطة.

الآن، في ظل الثورات وغياب بلور العمال والفلاحون الفقراء وعدم وجود الحزب الذي يعبّر عنهم، يمكن تلمس حلول ربما تكون أقرب إلى ما يطرحه الشباب قادة الثورة، أي التركيز على تحالف يحقق الدولة المدنية الديمقراطية ويحقق العدالة الاجتماعية. وربما يكون هذا هو الشعار التكتيكي الآن. لكن مع تلمس بأن إمكانية تحقيقه ليست قائمة، لكنه مهم في مواجهة الأحزاب الليبرالية المتحالفة مع المجلس العسكري، والتي تعمل على إعادة إنتاج النظام القديم ذاته. لكن يجب أن يكون واضحاً بأنه يجب العمل على أن يمسك العمال والفلاحون في مسار الثورة من أجل تحقيق سلطتهم، التي سيكون من مهماتها حل كل المشكلات المجتمعية، سواء البطالة أو تدني الأجور أو انهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، أو إعادة بناء الدولة من خلال إعادة تأهيل كل أجهزتها الذي ربما يفترض حلها أو حل بعضها. وهذا مما يُطرح من قبل الشباب المستمر في الثورة، سواء في مواجهة جهاز الأمن أو الشرطة، أو حتى الجيش. لكن أيضاً بيروقراطية الدولة، وفك علاقة الدولة بالنقابات والهيئات التي تمثل الطبقات والفئات الاجتماعية.

كل ذلك في أفق تحقيق الاشتراكية، وليس هو تحقيق الاشتراكية. فهذه تفترض بناء القوى المنتجة من جهة، وإعادة تكوين الوعي المجتمعي من جهة أخرى، وإعادة بناء الدولة من جهة ثالثة.

إذن، يجب أن يكون واضحاً بأن الهدف الإستراتيجي يتمثل في استيلاء العمال والفلاحين الفقراء (ربما بالتحالف مع الفئات الوسطى المفقرة) على السلطة. هذا هو ما يجب أن يصبح أساس النشاط الثوري، وهدف كل فعل الآن. وبالتالي أن المطلوب الآن هو تطوير الثورة، عبر الاستمرار في الحراك القائم، والعمل على إعادة توحيد الطبقات الشعبية من أجل ثورة جديدة. هنا يجب أن يتركز النشاط في تطوير الصراع الطبقي، وفي تحديد التكتيكات الضرورية من أجل تطوره، والتمسك بالشعارات الصحيحة التي تسمح بإعادة استقطاب الفئات التي تراهن على المسار الديمقراطي (أو بالتحديد على أن يحل حزب الحرية والعدالة المشكلات القائمة).

بالتالي سيكون السؤال هو: ما هي السياسة التي تقود إلى تحقيق ذلك؟

انفجرت الثورة والعمال في أدنى مستويات التنظيم نتيجة السياسة التي فرضت عليهم اتحاد سلطوي. ولم تفلح محاولات تأسيس نقابات تمثلهم (إلا في فترة متأخرة تمثلت في نشوء نقابة لموظفي المصالح العقارية). والفلاحون كانوا في وضع أسوأ، دون اتحادات رغم محاولات بُذلت. لهذا ظل نشاط الفلاحين منعزلاً، كذلك ظلت الإضرابات العمالية معزولة. ولقد كان دخول العمال الصراع هو الذي فرض التحوّل في وضع الثورة وفرض ترحيل حسني مبارك، خشية امتداد الأمر إلى الريف الذي كان دخوله يعني الانحياز الحقيقي للجيش إلى جانب الثورة وفلتان الأمر من يد الدولة. لكن غياب القوى التي تنشط من أجل تحريك العمال والفلاحين هو الذي أخّر الرحيل من جهة، ولم يسمح بتحقيق أكثر من ذلك من جهة أخرى.

وهذا يوضّح إشكالية غياب الفعل الواعي في الثورة، وغياب الاستراتيجية التي تفرض توسّع الثورة وانتصارها.
لكن الأمر الآخر السيئ هنا هو أن الأحزاب التي تدعي أنها تمثل العمال، أي الأحزاب الشيوعية والاشتراكية (الماركسية)، هي أحزاب هامشية. بمعنى أن وجودها ضعيف، وتواجدها بين العمال محدود. وهي مفتتة، متناقضة كذلك. يغلب عليها طابع الفئات الوسطى، لهذا إنجرف معظمها في سياق “النضال الديمقراطي”، وطرح برنامجاً هو أقرب إلى الإصلاحية. لهذا كان ملحقاً في حراك الشباب خلال الثورة، دون فعل مميز، هو من طبيعة وجود الحزب. فقد خضع لتكتيك الشباب الذي انطلق من ضرورة الاعتصام إلى أن يسقط النظام، مقلداً تجارب بعض بلدان أوروبا الشرقية، في وضع يحتاج إلى أكثر من ذلك، أي إلى الزحف على مراكز السلطة للسيطرة عليها. ولهذا ضاع بين الجموع الهائلة، دون أن يلمس حاجة إلى تحريك العمال أو الفلاحين، ولا فهم ضرورة هذا التحريك أصلاً، من أجل انتصار الثورة.

المطلوب الآن هو أن يتبلور العمال والفلاحون الفقراء في طبقة، فهو الأمر الذي يحوّلهم من كم إلى نوع. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الفعل السياسي، أي من خلال انتظامهم في حزب. وهنا يجب أن ينبع الحزب من صلب الطبقة، لكن من خلال فئات تمتلك وعياً تستطيع أن تعممه عليها، من أجل أن يصبح وعيها هي بالذات. ولكي يكون ممكناً ذلك يجب أن يمس وضعها ومطالبها، ويعبّر عن مصالحها.

نحن هنا إزاء خطوتان، الأولى تتمثل في الفئة التي تمتلك الوعي الماركسي وتؤسس لفهم الواقع لكي تضع الرؤية التي تمثل إستراتيجية التغيير، وتؤسس الخطاب الذي يطابق مصالح العمال والفلاحين الفقراء. والثانية تتمثل في أن يرتبط ذلك في العمل الفعلي في الطبقة من أجل تنظيمها، وتطوير صراعها.

لهذا سنجد بأننا إزاء عمل مركب. حيث يجب تشكيل “نواة ماركسية”، وفي الترابط مع الطبقة وفي ظل صراعها القائم بالفعل، وفي إطار الصراع مع الفئات الأخرى التي باتت هي السلطة من أجل كسب كل المفقرين الذي يراهنون على المسار الديمقراطي. وأيضاً في سياق تبلور البديل الطبقي الذي يسعى للاستيلاء على السلطة.
وما يجعل الوضع كذلك هو غياب الحزب الذي يمتلك الرؤية ويسعى لأن يكون البديل، وفي ترابط مع العمال والفلاحين الفقراء. والقطيعة التي باتت قائمة بين الشباب الجديد الذي يخوض الصراع، والذي يحمل مطالب الطبقات المفقرة، ويميل إلى اليسار، من جهة، وبين أحزاب اليسار القائمة عموماً من جهة أخرى، وأيضاً عجز هذه الأحزاب عن أن تتلمس الوضع الجديد وأن تتكيف مع متطلباته من جهة ثالثة. الأمر الذي فرض أن يجري العمل في كل هذه المستويات في الوقت ذاته. خصوصاً وأن بلورة العمال والفلاحين الفقراء في حزب هو ضرورة من أجل أن تنتهي الثورة بانتصار هؤلاء، الذين ليس من خيار غير خيارهم يستطيع أن يوصل الثورة إلى نهايتها المنتصرة.
كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟

هذا سؤال جوهري، لأنه يرتبط بتطوير الوعي لدى فئات شابة، وفي الوقت ذاته بلورة الأفكار الضرورية لفهم الواقع وتطور الثورة، وأيضاً بلورة الخبرة عبر الممارسة العملية التي تتحقق في الصراع القائم، وإغناء التجربة، وبناء الكادر. ولا شك في أن الثورة مدرسة، وربما أهم مدرسة تسهم في تطور سريع في الوعي، وفي تراكم الفهم، واكتساب الخبرة. وكذلك في وعي الماركسية فعلياً، ووعي الواقع كما هو بعيداً عن كل “المسقطات” التي تأتي من “أيديولوجيات” تبلورت في ظروف أخرى. وهنا يمكن تحقيق تراكم سريع في الوعي والخبرة، وبناء التنظيم، وتطوير وعي العمال والفلاحين الفقراء، وبالتالي تشكيلهم كقوة قائدة لفعل التغيير الثوري.

الماركسية يجب أن تمدنا، فقط، بآليات الفهم، التي هي منهجيتها: الجدل المادي، أكثر من الإتكاء على أفكار باتت من الماضي، أو تكرار سياسات مورست في زمن سابق. ويجب البحث في الواقع عبرها لبلورة ما يطابق وضع العمال والفلاحين الفقراء الآن، ويؤسس على ضوء الوضع العالمي القائم الآن.

هنا لا بد من أن يلتصق بناء الوعي بالممارسة. وأن يترابط تبلور الرؤية بنشاط الطبقات تلك. وأن يتأسس كل النشاط انطلاقاً من التحضير لثورة جديدة تهدف إلى الاستيلاء على السلطة.

نقد تكتيكات اليسار

نحن هنا إزاء سياسة تقوم على تطوير الصراع الطبقي من أجل الوصول إلى السلطة. لكن ما يبدو مطروحاً لدى معظم قطاعات اليسار تتمثل في التكيف مع التكوين الجديد للسلطة، انطلاقاً من أن الهدف هو تأسيس نظام برلماني ودولة ديمقراطية. ويصبح النشاط متعلق في كيفية إرساء الدولة الديمقراطية، وما هو الدور الممكن في هذا الوضع؟

بمعنى إن إستراتيجية اليسار تميل لأن تتمحور حول تحقيق “الدولة الديمقراطية”، أي على الشكل الذي تتبلور فيه الدولة (بغض النظر عن الجذرية التي تُطرح فيها هذه المسألة)، دون لمس أساسها الطبقي، ولا الأساس الاقتصادي الذي يحكم كلية المجتمع. وكان يمكن أن يدافع الماركسي الثوري عن سياسة تقوم على تشكيل الدولة المدنية الديمقراطية، ويجب أن يدافع، لكن من الواضح بأن هذه ليست ممكنة أصلاً. حيث أن الأحزاب والقوى المسيطرة هي في جوهرها ليبرالية، وهو الأمر الذي يكرّس الاقتصاد الريعي الذي لا يحتمل تأسيس دولة ديمقراطية حقيقة. وهو الأمر الذي يربط تأسيس هذه الدولة بتغيير اقتصادي جذري.

لهذا ستكون سياسة اليسار هذه فاشلة، ومضيعة للوقت، وتكرّس هامشيته، وتفككه.

فالسؤال الذي لا بد من أن يطرح بوضوح هو: هل يريد اليسار أن يستولي على السلطة من خلال تصعيد الصراع الطبقي، القائم والمستمر، أو اختيار “النضال البرلماني”؟

ما يبدو واضحاً في سياسات اليسار هو أنه يريد “الشرعية” من خلال التحصل على ترخيص من سلطة لا تختلف عن سلطة حسني مبارك طبقياً وسياسياً، لكنها قررت توسيع “القاعدة السياسية” لـ “شرعيتها”. ويعمل هذا اليسار انطلاقاً من أن الأساس هو “الطريق الديمقراطي” رغم كل عيوبه التي سوف تُصحح في سياق التجربة. وأنه يمكن عبر التركيز على تأسيس دولة ديمقراطية فتح الطريق لتحقيق “العدالة الاجتماعية”. لقد انطلق من أن الثورة “انتهت”، وأنه يجب التركيز على بناء الدولة. وإذا أراد الإشارة إلى الحراك الشعبي المستمر فإنه ينطلق من أنه يمكن أن يكون أداة ضغط على المجلس العسكري، وربما على البرلمان الجديد، أو الحكومة الجديدة.

طبعاً هذا الطريق مناقض لمنطق الواقع الذي يتسم باستمرار الصراع الطبقي، وإن خفت حيناً أو تفجّر في حين آخر. حيث أنه ينبني على نشوء حالة من الاستقرار، وإمكانية لأن يتشكل نظام ديمقراطي. وهذا ما يبدو مستحيلاً نتيجة أن مطالب الطبقات الشعبية لم تتحقق ولا يبدو أنها سوف تتحقق مع سيطرة قوى “جديدة” على السلطة، وأيضاً يلمس الشباب الذي قاد الثورة بأن ما يجري لا يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، وأن كل الترتيب خلال سنة كان من أجل إيصال الإسلاميين إلى السلطة.

لقد اختار اليسار القديم الطريق “الديمقراطي” من جديد، ولم تفلح ثورة 25 يناير في التوضيح له بأن كل سياسته السابقة كانت فاشلة لأن المسألة الأهم كانت تخمّر الصراع الطبقي، أكثر مما كانت إمكانية تحقيق الديمقراطية. وبالتالي أن الصراع الطبقي لازال مستمراً، ولن يهدأ إلا بتحقيق التغيير الذي يلبي مطالب الشعب، الاقتصادية أولاً ثم الديمقراطية والوطنية.

إذن، اليسار القديم يختار إستراتيجية النضال البرلماني في وضع يحتاج إلى تطوير الصراع الطبقي. لم يلمس الفارق الذي نشأ، والذي يشير إلى انتقال إلى مرحلة جديدة، سمتها الصراع الطبقي. وهذا ما سوف يعزز انفصاله عن الطبقات الشعبية، وعن الشباب خصوصاً. وبالتالي سيسير إلى حتفه مكللاً بالفشل.
السؤال الذي يجب أن تكون الإجابة واضحة عليه اليوم هو: هل نريد تأسيس حزب للصراع الطبقي أو تأسيس حزب برلماني؟

كل الأوضاع تشير إلى ضرورة حزب الصراع الطبقي، الحزب الذي يؤسس لتطوير فاعلية العمال والفلاحين الفقراء في الصراع من أجل التغيير عبر إسقاط الطبقة الرأسمالية المسيطرة، سواء بشكلها القديم، او في شكل المجلس العسكري، أو في شكل البرلماني الليبرالي الأصولي. ولهذا هو حزب من صلب العمال والفلاحين الفقراء، وفي تناقض عميق مع سلطة الرأسمالية التابعة في مختلف أشكالها السياسية. وأن لا يرى في الشكل البرلماني المشوّه الذي نشأ سوى محاولة من قبل الرأسمالية لتفريغ الثورة من محتواها، والالتفاف على مطالبها، على أمل استمرار سيطرتها. وأن المرحلة الأولى من الثورة قد أفرزت “المعارضة” بين شعب مفقر يريد التغيير وأحزاب تريد السلطة، خصوصاً هنا الإسلاميين بالتحديد.

لهذا فإن الأساس في فعل اليسار الثوري هو التحضير لثورة جديدة هدفها الاستيلاء على السلطة. ولا بد له من أن يتبلور كقوة طبقية تكون أكثر فئات العمال والفلاحين الفقراء فاعلية، وتستطيع قيادتها، وجذب كل الفئات الوسطى المفقرة (من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة المدينية). وأن ينطلق من أن سلطة العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين هي وحدها التي تستطيع حل مشكلات المجتمع، وتحقيق مطالب كل هؤلاء، وبناء دولة ديمقراطية علمانية حقيقة، وكذلك تكون –كونها تريد تحقيق التطور- في تناقض مع الطغم الإمبريالية. وهو الأمر الذي يفرض أن تؤسس ترابطها “الطبيعي” مع العمال والفلاحين الفقراء في الوطن العربي من أجل ثورة شاملة تنهي السيطرة الإمبريالية الصهيونية وتحقق التوحيد العربي، وتقيم السوق القادر على بناء الصناعة وتحقيق النهضة الاقتصادية. كل ذلك في أفق الانتقال إلى الاشتراكية.

المصدر: الحوار المتمدن

Advertisements

Tagged:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s