الانتفاضات مستمرة

مصر تنتفض من جديد لتقول بأن كل ترتيب لا يغير الوضع سيسقط حتماً، وأن التغيير الشكلي لا قيمة له. فما يجب أن يكون واضحاً هو أن الانتفاضات بدأت فقط، ولن تتوقف قبل تحقيق التغيير الجذري في بنية المجتمعات. لم تخرج الطبقات الشعبية من أجل طرد رئيس أو الإتيان بحكومة “منتخبة” فقط، وليس لتغيير أشكال الحكام فحسب. لم يكن يعنيها كل ذلك أصلاً، وليست مشكلتها مع أفراد. بل خرجت من أجل أن تغيّر “السياسات” التي همشتها وأفقرتها ووضعتها في حالة قمع شديد. أضاعت الوطن والاقتصاد والحريات لمصلحة فئة نهبت ومركزت الثروة بيدها، في ارتباط مع الطغم المالية الإمبريالية.

لهذا، ماذا يفيد إذا استلم المجلس العسكري، أو الإخوان المسلمون، أو المعارضة الليبرالية السلطة إذا استمر النمط الاقتصادي الذي يقوم على مركزة الثروة وينحكم لطابع ريعي، ويتشكل كتمظهر محلي لسيطرة الطغم الإمبريالية، وإذا استمرت الاتفاقات التي توثق ذلك فاعلة؟

في تونس، نصف الذين يحق لهم الانتخاب لم يسجلوا أسماءهم لأنهم لم يشعروا بأن شيئاً تغيّر. وفي مصر، الشعب يعود إلى الميدان ضد العسكر والإخوان. وربما لا تجرى الانتخابات في 28 الشهر الحالي. والذين انتخبوا في تونس، وأعطوا أصواتهم لحركة النهضة سوف يثورون عليها قريباً، لأنها لا تمتلك غير الاستمرار في النمط الاقتصادي الذي تشكل أيام بن علي، وأن تحافظ على الاتفاقات التي وقعها. وقد أعطت الضمانات لذلك.

ما يبدو واضحاً هو أن موضعة البلدان كلها في التكوين العالمي الذي فرضته الرأسمالية لم تعد ممكنة، فالمراكز تنهب وتنهب، وتفرض النظم المنفذة لسياساتها، والتكوين الاقتصادي المحلي الذي يسمح بالنهب. هذا ما فرض تهميش 80 % من السكان هم الطبقات الشعبية، وفتح على تدهور وانهيار الأطراف، وبالتالي ثورتها. لهذا، ليس من حل في الوضعية هذه، وكل حل يجب أن يكون ضدها؛ في الاقتصاد كما في السياسة، وليس من الممكن تحقيق الديمقراطية بدون تجاوزها.

وما تحاوله الرأسمالية المافياوية المسيطرة، وما تحاوله الطغم الإمبريالية، هو إيجاد حل من خلال الوضعية ذاتها، لهذا يجري اللجوء إلى تغيير الأشخاص، وتوهم تحقيق ديمقراطية شكلية ومضبوطة بحيث تعيد إنتاج سيطرتها.

لكن لم يعد لدى الشعوب وقت لكي تنتظر. ليس لديها ترف الانتظار لأنها انتفضت، لأنها لم تعد تستطيع العيش أصلاً. وهذا يجعل كل الحلول الشكلية لا معنى لها، ولا تصمد أمام تصميم الطبقات الشعبية على تحقيق التغيير الجذري.

لهذا، لن تكون هناك مسافة بين انتفاضة وأخرى، ولن يكون هناك تراجع عن ممارسة كل أشكال الاحتجاج من التظاهر إلى الإضراب. فالمطالب “الفئوية” هي مطالب الشعب، وهي المطالب التي فجّرت الانتفاضات، والتي لا هدوء قبل تحققها. فالمطلوب اليوم هو تغيير النمط الاقتصادي والتكوين الطبقي القائم، وإعادة بناء الاقتصاد كاقتصاد منتج، ويخدم الطبقات الشعبية، قبل أن يبتسر الحل في دولة ديمقراطية مدنية. وأصلاً ليس من دولة ديمقراطية في ظل سيادة اقتصاد ريعي وتابع ومنهوب.

للذين ينطلقون من أن الهدف هو الديمقراطية الآن نقول بأن الأمر أبعد من ذلك، فالديمقراطية لا توجد فرص عمل ولا تطعم خبزاً، وأولوية الناس هي هنا. ولهذا فإن تغيير النمط الاقتصادي يسمح وحده بتأسيس دولة ديمقراطية. وللذين اعتبروا بأن ما يجري هو مؤامرة لأن “الإسلاميين” هم الرابح، نقول بأن الإسلاميين هم لحظة عابرة في صيرورة صراع سوف يكنس كل الذين يدافعون عن نمط اقتصادي ريعي وليبرالي.

بالتالي، لابد من فهم الطابع العميق والجذري لهذه الانتفاضات.

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s