المفكر الفلسطيني سلامة كيلة: الربيع العربي لن يتحول إلى خريف

سلامة كيلة مفكر فلسطيني يحمل الجنسية الأردنية، ويعيش في دمشق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لكنه طرد منها بسبب مساندته لثورة الشعب السوري . من مؤلفاته: »الثورة ومشكلات التنظيم«، »حول الأيديولوجية والتنظيم«، »نقد الماركسية الرائجة«، »عصر الإمبراطورية الجديد«، وهو من مواليد بير زيت في فلسطين عام 1955 وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية في جامعة بغداد عام 1979 هنا حوار معه .

ماذا عن ملامح مشروعك الفكري؟

أحاول أن أفهم واقعي انطلاقاً من طريقة تفكير جديدة تتجاوز المنطق الصوري الذي هو منطق موروث من العصور الوسطى، متحكم في الوعي العام . من هذا المنطلق رأيت أنني مواطن عربي عليه أن يؤسس مشروعاً يتعلق بالطبقات الشعبية في كل الوطن العربي، لكي يتحقق التطور الذي فشل عصر النهضة في تحقيقه، والقائم على الانتقال إلى بناء مجتمع مدني حديث وصناعي ومنتج، يؤسس لانتصار قيم العدالة والتحرير والاشتراكية، وهذا ما حاولت أن أعمل عليه على المستوى الفكري في السنوات الماضية .

كيف تفسر فشل الأحزاب اليسارية في الخروج من أزماتها التي تعانيها؟

فشلت هذه الأحزاب لأنها لم تستطع تحقيق القطيعة المعرفية مع منطق القرون الوسطى، ولهذا لم تستطع رؤية الواقع وبلورة استراتيجيتها على أسس لم يكن الواقع قابلاً لها، لهذا لم تعبر عن الطبقات التي كانت تدعي أنها تعبر عنها أي العمال والفلاحين، بل ظلت تعبر عن طموحات تحررية مدنية لفئات وسطى في وضع كان الصراع الطبقي يتفاقم ويدفع باتجاه تحقيق تغيير جذري، يحل مشكلات المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية، كما كان يبدو نهاية الحرب العالمية الثانية، ونتيجة لهذا الغياب لدورها حدث التغيير بشكل قسري عبر الجيش، وبالتالي كان يحل المشكلات التي تحدث من قبل الفئات الوسطى القديمة من الريف ولكنها تطمح إلى أن تصبح هي الرأسمالية الجديدة .

ما النجاحات والإخفاقات التي حققتها ثورات الربيع العربي حتى الآن؟

لن أتكلم عن نجاحات وإخفاقات، ولكن أتكلم عن صيرورة بدأت يوم 17 ديسمبر/كانون الأول ،2010 في تونس، وهي مستمرة وستبقى مستمرة إلى حين تحقيق المطالب الأساسية التي بني عليها روح هذا التحرك منذئذٍ، وبالتالي إذا كانت هذه الثورات لم تصل حتى الآن في بعض البلدان التي قيل إنها انتصرت فيها إلى تحقيق الأهداف التي تتعلق بتغيير النمط الاقتصادي وتأسيس دول مدنية ديمقراطية، والدفع باتجاه تطور حقيقي في المجتمع في إطار القطيعة مع السيطرة الإمبريالية، فإن ذلك يعود إلى غياب الأحزاب السياسية التي تحمل هذا المشروع وتتفاعل مع الشعب الثائر لكي تحققها معه .

ولكن المهم والإيجابي الآن هو أن الشعب لم يعد يخاف من نظم استبدادية حكمت طويلا بالعنف، ولذلك بدأ تمرده وسوف يستمر فيه، ومن ثم فإن هذا الانفجار الكبير قد دفع بكتل كبيرة من الشباب الذي كان بعيداً من السياسة إلى أن يخوض معمعة السياسة من أوسع أبوابها، أي من باب الثورة وهو الأمر الذي سوف يدفع بأن نشهد صياغة شاملة لكل المشهد السياسي، ومن ثم التحضير لتغيير عميق يطال كل المنطقة .

الملاحظ أن هناك انزياحاً من جانب ثورات الربيع العربي وذهابها إلى أنظمة حكم إسلامية، لماذا؟

هذه الثورات عفوية، بمعنى أنها كانت انفجاراً شعبياً هائلاً نتج عن الإفقار والتهميش الذي فرضه النمط الليبرالي الريعي الذي انتصر في العقود الأخيرة، وبالتالي كانت هذه الثورات من دون قوى سياسية حقيقية تستطيع أن تلعب دوراً ريادياً في توجيهات وتحديد الاستراتيجيات الضرورية لانتصارها، ولهذا وجدنا أن الثورات تؤدي إلى زعزعة النظم، ومن ثم سعت الطبقة الرأسمالية المسيطرة إلى محاولة امتصاص هذا الانفجار عبر تقديم تنازلات سياسية، ومن ثم العمل على إعادة ترتيب بنية السلطة في شكل جديد، يظهر أن من كان في المعارضة قد أصبح في السلطة في السنوات الماضية مع انهيار النظم الاشتراكية والمشروع التحرري، وكان يظهر وكأن الإسلاميين هم الذين أصبحوا المعارضة التي تصارع الدولة الصهيونية والإمبريالية الأمريكية، لهذا ظهروا كقوة محلية وهو الأمر الذي أوجد هذا الظرف الموضوعي لكي يجري الترتيب، بأن يكونوا هم جزءاً من »الدولة الجديدة«، حيث إنهم وهم يظهرون كقوة معارضة محلية للنظم التي كانت قائمة وكقوة صراع مع الإمبريالية، كانوا يتبنون المشروع الاقتصادي ذاته الذي تفرضه الطبقة المسيطرة، لذلك أكد هؤلاء في تونس ومصر مثلاً أنهم لم يخلقوا هم النمط الاقتصادي الذي فرضه مبارك وبن علي، ومازالوا مستمرين في السياسة الاقتصادية التي تقوم على الاستدانة والسعي لجلب الاستثمارات الخارجية التي لا تنشط إلا في الاقتصاد الريعي، أي في مجال العقارات والسياحة والبنوك والاستيراد والتجارة الداخلية، أي بعيداً من كل اقتصاد منتج .

لكن النموذج الإسلامي نجح في تحقيق مشروع النهضة في كل من ماليزيا وتركيا؟

ليست تركيا أو ماليزيا نموذجاً إسلامياً، ماليزيا نجح فيها النموذج الذي كان يعتمد أفكار اليسار الذي بنى ماليزيا، وبالتالي حينما أصبحت هناك أسلمة لهذا الحزب كانت ماليزيا قد بنيت وتطورت، وبالتالي ليس النموذج الإسلامي هو الذي بنى ماليزيا، وفي تركيا يختلف الأمر حيث إن تركيا تطورت في مرحلة سيطرة العسكر في إطار الدولة العلمانية، ومن ثم كان رفض أوروبا لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سبباً في ميل قطاعات مجتمعية كبيرة إلى دعم قوى ترتبط بالشرق، وهذا ما جعل حزب أربكان في المرحلة الأولى يحصل على نسبة كبيرة في البرلمان، لكن علمنة الدولة منعت استمراره، والآن حزب أردوغان لم يعد حزباً إسلامياً، لأن أول ما فعله هو القطيعة مع فكر الإخوان المسلمين الذي كان يتبناه أربكان واعتمد العلمانية كرؤية، وبالتالي هو حزب علماني ذو خلفية ثقافية إسلامية مثل الأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوروبا، وبالتالي فإن تجربته مختلفة جذريا لأنه أصبح يعبر عن شرائح اجتماعية حديثة وليس عن شرائح اجتماعية تقليدية، كما يعبر الإخوان المسلمون، ولهذا كان يدعم التطور الصناعي في تركيا على عكس السياسات الاقتصادية للإخوان المسلمين القائمة على التركيز على التجارة .

ما حدث في تركيا هو توافق بين البرجوازية التركية التي تريد تطوير الصناعة لكي تصبح تركيا قوة عالمية، وهذا التيار الذي يريد ذلك هو تيار أردوغان، ولهذا هو يسير في طريق تطور آخر مختلف لا تستطيعه القوى الإسلامية القائمة عندنا .

شبه الكاتب الإسباني خوان جويتسلو هذه الثورات العربية بأنها »خريف البطريرك« وليس ربيعاً ما رأيك؟

لا أوافق على هذا الكلام، لأن هذا يعني أن جويتسلو لم يفهم الواقع العربي وما يحدث في الوطن العربي، وأنا لا أوافق على مصطلح الربيع العربي، لأنه ارتبط بالصراع الذي كان يجري في أوروبا الشرقية وروسيا من أجل الديمقراطية وضد النظم الاشتراكية، لهذا أدى إلى تحقيق الديمقراطية، ولكن مع انهيار كبير في الوضع المعيشي للناس، نحن في العالم العربي لا نعيش فقط من أجل الديمقراطية والحرية رغم أهميتها الكبرى، ولكننا شعوب تشعر بالحاجة إلى تحقيق تفردها وأحلامها وتغيير النمط الاقتصادي الذي همش نسبة كبيرة من الشعب وأفقرها، ومن ثم أصبح ضرورياً أن تكون هناك ثورة من أجل تغيير الاقتصاد والسلطة والوعي المجتمعي، لهذا فإن ما جرى هو اندفاع هذه الجماهير من أجل تحقيق مستقبل حقيقي، وهذا ليس خريفاً ولكن بداية ثورة كبيرة سوف تؤدي إلى تغيير جذري خلال السنوات العشر المقبلة، وتعيد صياغة التكوين المجتمعي في كل الوطن العربي .

برأيك هل هناك إقصاء للمثقفين العرب في هذه الثورات؟

ليس هناك إقصاء متعمد، ولكن للأسف أن المثقفين العرب هم الذين أقصوا ذاتهم من الأساس، وهناك استثناءات عديدة لا أريد أن أذكرها، لكن في الإطار العام كان المثقف يعيش أوهاماً هي بعيدة عن مجمل مشكلات الشعب والمجتمعات، وكان في صدام أو توافق مع النظم، لكن في إطار هذا الشكل المحدد بعيداً عن رؤية كلية للمجتمع، وهذا الأمر هو الذي جعله يفاجأ بالثورات ويدخل في شيزوفرنيا أوهامه الذاتية تجاهها، لهذا وجدنا الانهيار الكبير للمثقفين الذين دافعوا عن النظم القائمة بحجة الخوف من الإسلاميين، وبحجة أن ما يجري هو مؤامرة إمبريالية، ولهذا أقول إنهم لم يستطيعوا التقاط روح الشعب وفشلوا في الإمساك بلحظة انفجاره.

المصدر: الخليج

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s