المفكر الفلسطينى سلامة كيلة:بطء انتقال الحركة الثورية بسوريا حماها من انفجار اجتماعى يربك السلطة كما حدث فى مصر وتونس

أتى من منفاه بالأردن ليشارك بتدشين رابطة الكتاب السوريين بالقاهرة وليقدم الثورة السورية وأفكارها كما هى من وجهة النظر الشعبية التى تقوم فى وجه الاستبداد، المفكر اليسارى الفلسطينى سلامة كيلة الذى اعتقلته السلطات السورية فى إبريل الماضى لمدة عشرين يوما، ثم رحلته للأردن، شارك بالثورة المصرية، وكان أحد الفاعلين بالثورة السورية، ورأى فيهما تحقيقا لثقته فى الانفجار الشعبى، بعد تزايد نسبة البطالة بين الشباب، وسوء الوضع الاقتصادى العربى، وهيمنة فئة ضيقة عائلية على السلطة والثروة، وهو ما عبر عنه بكتاباته، ولايزال يقدمه آخذا على عاتقه مهمة توصيل نبض الشارع السورى للعالم، “روزاليوسف” التقته وكان هذا الحوار…

■ بعد ترحيلك ذكرت أنك توقعت اشكالا من التعذيب فى اعتقالك لكنك عذبت بشىء من الرحمة!..كيف؟

هى ليست كذلك، لكننى اعرف الاعتقال جيدا خاصة بسجون سوريا حيث اعتقلت من قبل لثمانى سنوات وتعرضت لتعذيب شديد وشاهدت الشباب المعتقل وطريقة التعذيب المرعبة التى عانى منها بالسجن، لكننى قلت أنهم كانوا يتعاملون معى بحساسية حيث جرى اعتقالى بـ(أدب شديد) دون ضرب أو أى تصرف غير لائق، لماذا فعلوا ذلك؟ لأنهم يعرفون أن اعتقالى سيثير ضجة وسيكون هناك إحراجات كثيرة لأنهم لا يستطيعون اتهامى بالعمالة لأمريكا أو الصهيونية أو التدخل الخارجى، لأن مواقفى وتوجهاتى معروفة وواضحة طوال حياتى، بالتالى فاعتقالى سيخرج شرخا فى خطابهم المبنى على أساس معارضتهم لأمريكا وجهتهم الأصولية، لكن المحقق هو المحقق لا يمكن أن يسأل دون أن يضرب!…لهذا تعرضت لتعذيب، لكنه فرض عليهم أن أنقل إلى فرع آخر، بناء على تقرير الطبيب الذى فحص آثار التعذيب على جسدى وأوصى بنقلى للمشفى لاستكمال الفحص ..هذا ما قصدته من الحساسية فى التعامل لكنها لم تمنع من التعرض للتعذيب.

■ كيف تتواصل والثورة بسوريا من منفاك بالأردن؟

التقنيات الحديثة تساعد على استمرار التواصل، لكن الوجود داخل سوريا كان الأهم لأنه يعطى القدرة على فهم روح الشارع كتعبير مجاز، ففى كل الأحوال سأبقى متواصلا بكل الطرق المتاحة والتفاعل مع العمل مع الثورة.

■ أى الأجهزة الأمنية الآن تتحكم بالوضع بسوريا وتسعى لإنقاذ النظام؟

ظاهريا يظهر أن كل الأجهزة الأمنية تمارس كل أشكال القمع، بينما بدا لى فى الفترة الأخيرة أن جهاز المخابرات الجوية هو الذى أصبح يمارس الدور الأساسى وبدأ يظهر كمهيمن على الأجهزة الأخرى سواء بتهميشها أو إخضاعها لما يريد، هذا الجهاز مرتبط ارتباطا وثيقا مع الفئة الحاكمة بما يسمى التحالف المالى الأمنى الحاكم الذى يمثل العائلات الحاكمة، التى باتت تعتمد على النخب الأضيق التى تحظى بثقة أعلى، لأسباب متعددة ربما منها العنصر الطائفى، بالتالى أصبح هناك كما يبدو لى شك فى بناء الدولة بمؤسساتها المتعددة نتيجة شعور هذه الفئة أن هذا البناء قد بدأ فى التفاعل مع الشارع الذى يدفعها إما للانشقاق أو للتفاعل مع الثورة من خلال مواقعها، لذا أصبحت قدرة السلطة على تحريك الجيش أصعب كثيرا مما كانت عليه فى السابق، على الجانب الآخر يظهر جليا أن السلطة باتت عاجزة عن حسم الصراع وأنها فى طريقها للانهيار..وهنا بدأ الشك فى كل بنية السلطة وبالفئة المتحكمة، وهو ما يشير إلى تفككات ستظهر أكثر فى الأيام المقبل، خصوصا لو تطور الصراع على الأرض وأصبح أكثر انتظاما.

■ لماذا لم يستطع التتابع الثورى بسوريا إسقاط النظام حتى الآن؟

هذا السؤال مبنى على ضوء ثورات الربيع العربى السابقة، وربما الشباب السورى الثائر كان على وعى بذلك ويعرف أن سوريا قد تحتاج وقتا أطول من تونس ومصر ولكنه لم يكن يتوقع أن تطول الثورة كل هذا الوقت، أولها أن الوضع الشعبى السورى لم يكن ناضجا بالمستوى الذى كان بالبلدان الأخرى، فكسر حاجز الخوف لم يكن قد وصل للحظة التى تجعل هذا الشعب ينفجر بطريقة متتالية متسارعة وهو عنصر أساسي، العنصر الآخر أن السلطة بدا أنها قد حضرت استراتيجية للمواجهة قبل الثورة كالإبقاء على الفئة المترددة لمنعها من الاندماج بالثورة، كذلك اعتمدوا بالأساس على القتل بالتالى أصبح من المعروف أن الشاب الذى سينزل للشارع سيقتل مما أدى لنزول الفئات الفقيرة والمهمشة، إضافة للعب بالمسألة الطائفية لتبدو الثورة وكأنها أصولية إخوانية بالتالى بدأ يحرض الأقليات ضد حكم إسلامى قادم، وبدأ يحرض العلويين خصوصا على أن الإخوان المسلمين سيأتون للسلطة لتصفية الحسابات… وللأسف الشديد بعض أطراف المعارضة ساعدت فى ذلك من خلال الحديث الطائفي، وتهويلهم من الطابع الإسلامى الأصولي، مما أعطى انطباعا بأن الإخوان المسلمين هم قائدو الثورة السورية.

■ هل يعنى ذلك أنه بعد سقوط نظام الأسد سيأتى الإخوان المسلمون؟

لا على الإطلاق!..فالإخوان المسلمين غير موجودين على الأرض بل هم فى الخارج وفى الإعلام بحسب علاقتهم، فهم شركاء بقناة الجزيرة، التى تعبر منذ زمن عن أهمية نمو الميل الأصولى الإسلامي، بالتالى ما يفعله الإخوان حاليا هو محاولة شراء ناس لكى يؤسسوا الوجود على الأرض، ففعاليتهم ضعيفة بسوريا.. لكن هناك خطرًا بدأ من الضغط السعودى للـ(جهاديين) من أجل تحويل الثورة من شعبية فى وجه الاستبداد إلى صراع طائفى كما حدث بالعراق، فالسعودية ترتعد من الثورات العربية لذا تحاول إجهاضها وحاليا بدأت تضخ ليبيين وسعوديين ووهابيين محملين بفكرة أن الصراع ضد الشيعة العلمانيين وليس صراعا سياسيا ضد سلطة شمولية استبدادية نهبت البلد، ويبدو أنهم بدأوا يمارسون بعض الممارسات الطائفية لهذا صدر بالأمس قرار من قيادة (الجيش الحر) أنه على كل هؤلاء ان يرحلوا من سوريا أو سيعتبروا مرتزقة فيقتلون… وذلك بغرض حسم الصراع من بدايته حتى لايتكرر ما حدث بالعراق.

■ فى رأيك … ماذا ساعد أيضا على تماسك النظام السورى إلى الآن؟

الصراع الذى بدأ بدرعا توسع ببطء بكل سوريا.. فبعد عام وصل إلى حلب! مما منح السلطة من المرونة لضبط الحراك وإبقائه بإطارات معينة فلم يحدث انفجار اجتماعى كبير يربك السلطة كما حدث بمصر أو تونس، أيضا يجب أن نأخذ فى الاعتبار ما فعله الجيش بتونس ومصر من لعب دور فى تحقيق الانقلاب الداخلى لامتصاص غضبة الشعب، فى سوريا بنية الجيش منذ زمن حافظ الأسد ليست مؤسسية وهو ما أراده الأسد لضمان عدم قدرة الجيش على الانقلاب بعد سلسلة انقلاباته عبر تاريخه.

■ هل تعتبر الإعلام البديل قادر على عرض حقيقة الثورة السورية ودعم صوت المثقفين؟

للأسف ليس هناك إعلام بديل بمستوى الإعلام المسيطر، فنحن بزمن الفضائيات ولا توجد قناة تواجه القنوات الموجهة، بينما هناك مواقع إخبارية سورية عديدة وإن كان أكثرها مؤسس بالخارج من قبل قوى ليبرالية وأصولية بالتالى هى خاضعة للهيمنة الأيديولوجية، كذلك هناك نشرات وجرائد مطبوعة ظهرت بعد أشهر من الثورة ويتم رفعها على الإنترنت هى الأكثر تعبيرا عن الثورة مثل “عنب بلدي”، “مندس”، “يسارى” صادرة عن الائتلاف اليسارى السورى، لكن تبقى ضعيفة فللأسف أن النخب والمعارضة السورية لم تستطع أن تؤسس منابر إعلامية جدية ومهمة، فما صدر بعضه ضعيف وبعضه سيىء.

■ هل حديثك عن توحيد النظم الجديدة لمواجهة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية دعوة لإعادة بناء مفهوم القومية العربية؟

هذه ليست مسألة بناء قومية عربية جديدة… فأنا أعتقد أن المنطقة العربية هى منطقة واحدة، الشعور العام الموجود واضح فى هذا السياق أننا مستهدفون كمنطقة وكعرب، بالتالى من أجل أن نتطور ونتقدم نجب أن نكون موحدين، فى هذا السياق أنا كماركسى أنظر أن هناك مسألة قومية موجودة على الأرض تحتاج إلى حل، والفرق كبير بين فكر القومية العربية وبين مسألة القومية، فالفكر هو نظرة أيديولوجية أكثر.. بينما المسألة هى تجسد الواقع، أنا ماركسى لا أستطيع أن أطرح فكرًا قوميًا لهذا أرى وفق منظورى أن هناك منطقة لايمكن أن تتطور إلا إذا سارت فى اتجاه موحد ومواجه للإمبريالية الأمريكية والدولة الصهيونية، لذا فأنا معنى أن أطرح مشروعًا تحرريًا تقدميًا يساريًا يعبر عن هذا الحراك الشعبي.

■ هل هناك خطاب جديد بديل لمصطلح “الماركسية” الذى فشل فى تأسيس قاعدة جماهيرية فى الوطن العربى؟

المشكلة ليست بالمصطلح إنما المشكلة كانت تتعلق بالموقف من الأحزاب الشيوعية بالوطن العربى وممارساتها، حيث بدا وكأن برامجها لا تلبى حاجات الناس بالتالى كانت الفئات الشعبية تتخذ موقفا من هذه السياسات خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين، كما أن هذه الأحزاب كانت فى لحظة تدافع عن المطالب المجتمعية الفقيرة لم تطرح على ذاتها الوصول للسلطة وتغيير المجتمع، أيضا كانت هناك اتهامات بأن الشيوعيين ملحدون رغم أن الأحزاب الشيوعية لم تكن تطرح هذا الموضوع مطلقا ولم يكن أساسيا رغم دفاعها عن الناس بغض النظر عن دينهم، بالتالى لابد من طرح رؤى بديلة وجديدة تلبى حاجة الواقع العربى الآن ويكون الماركسيون معنيون بالدفاع عن الناس والاهتمام بتولى السلطة ولعب دور قيادى وفاعل بالثورات العربية.

■ كيف ترى مستقبل الحركات اليسارية فى ظل تصاعد التيار الإسلامى؟

لا أرى أن التيارات الإسلامية تتصاعد بل على العكس هو فى طريقه للانهيار، فهو نشأ فى لحظة فراغ فكرى وسياسى على ضوء انهيار النظم القومية والاشتراكية، فظهرت وكأنها هى القوى المعارضة، وهنا نحن لم ندقق لماذا هى معارضة؟..كما أن الحراك الشعبى سيظل مستمرا لحين تلبية احتياجاته وطموحاته، وهو ما لم تقدمه التيارات الإسلامية فهى لا تحمل أى برنامج للناس، فالبديل المطروح هو اليسار.

المصدر: روز اليوسف

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s