الوضع السورى .. المعقد

بدا الوضع السورى أعقد مما كان فى الشهور السابقة، رغم أنه بدأ معقدا ومشوشا. حيث ظهر واضحا التدخل الدولى، والتدخل الذى تقوم به نظم، مثل العربية السعودية، لا تريد للثورة أن تنتصر، من جهة. وظهر اندفاع الأصولية السلفية من بلدان متعددة، منها ليبيا والسعودية والأردن لـ«الجهاد» فى «أرض الشام» من جهة أخرى.

وأيضا بدت الثورة وكأنها تحوّلت إلى حرب مدمرة. ورغم ضعف إمكانات ما يسمى بالجيش الحر، فقد لجأت السلطة إلى كل مخزونها العسكرى (المعدّ كما هو مفترض للحرب ضد الدولة الصهيونية) لكى تدمّر المدن وتقتل الشعب (وليس المسلحين) فى ممارسة توضّح بأنها تنتقم من كل من تجرأ على التمرد عليها. وهذا ما جعل الوحشية هى التى تحكم منطق الصراع، وإذا كانت هناك ممارسات سيئة وأخطاء فادحة من قبل بعض المسلحين، فإن السلطة تمارس التدمير المنهجى والإبادة الجماعية.

●●●

فى هذا الوضع وجدت تشوشات جديدة، وإرباكات أكثر، وضع يحتاج إلى تدقيق أعلى، وتحليل أدق.

أولا، علينا أن نفهم ما تهدف إليه السعودية ونظم الخليج (ومن ثم أمريكا والدولة الصهيونية)، هل يريدون انتصار الثورة؟ أليس «تدخلهم» (المالى والإعلامى حيث ليس هناك أكثر من ذلك) هو تشويه للثورة لأن كل هؤلاء لا يدعمون ثورات؟

ما هو واضح منذ بدء الثورات العربية أن السعودية خصوصا (وأمريكا والدولة الصهيونية) فى وضع مرتبك، وخوف على مسار قد يطيح بهم وبمصالحهم. السعودية تعرف بأن الوضع الشعبى لديها مهيأ للثورة، لهذا تريد أن تدمر الثورات العربية لكى لا تصل إليها. فى ليبيا دعمت تدخل الناتو، ولعبت على تشويه الثورة. وفى سوريا دعمت النظام ماليا ستة أشهر بعد بدء الثورة، وأخرجت له ما يعزز روايته عن «إسلامية» الثورة (دور العرعور وقناة الوصال)، لكنها وجدت أن الثورة تتوسع والسلطة عاجزة عن سحقها، لهذا لعبت على «الخط الآخر»، أى فرض الأصولية على الثورة، ودفع «السلفية الجهادية» لكى تمارس ما هى مبرمجة عليه، أى الأولوية للصراع ضد الروافض والعلمانيين. فـ «تحرير» الأقصى يحتاج إلى «تنظيف» بلاد الإسلام من هؤلاء!

ولهذا جرى إدخال مجموعات سلفية بالمئات من تركيا ومن الأردن. كما عملت السعودية على تقديم الدعم المالى للسلفيين والإخوان المسلمين بالتحديد. ولهذا باتت هناك خشية من أن تقامر هذه الفئات بافتعال صراع طائفى حاولت السلطة منذ البدء افتعاله لكن الشعب أفشله. هل ستنجح الآن؟ أظن لا، حيث أصبح الشباب أكثر دراية، وهو الأمر الذى جعل نقد «الجيش الحر» مسألة يومية، وجرى الدفع نحو وضع قوانين لنشاطه، خصوصا وأن تراجع سيطرة السلطة على الكثير من المناطق قد سمح بأن تعمل عصابات تحت اسم الجيش الحر، وان تمارس الابتزاز والقتل (دون أن نتجاهل أخطاء الجيش الحر ذاته).

وثانيا فرض العنف الذى تمارسه السلطة، باستخدام كل أصناف السلاح من أجل التدمير والقتل، عودة ظهور نغمة التدخل من قبل الدول الإمبريالية، وهو الأمر الذى أعاد اطلاق التخوفات من تدخل عسكرى إمبريالى. لكن هل تريد الولايات المتحدة والدول الغربية إسقاط السلطة أم يهدفون إلى اضعاف وتدمير سوريا؟

أظن أن المسألة هنا تتعلق بالخوف من الثورات أكثر من الخوف من السلطة، لهذا لن تدعم انتصار ثورة. ولا شك فى أن الوضع الدولى لا يسمح بهذا، ليس انطلاقا من الفيتو الروسى فقط، بل أساسا نتيجة التوازن العالمى الجديد الذى نتج عن ضعف الولايات المتحدة وأزمة أوروبا. ثم لماذا تتدخل إذا كانت السلطة ذاتها تنفذ ما فعلته الولايات المتحدة فى العراق، أى تدمير سوريا. وهو الأمر الذى سيفرض ضعف سوريا وبالتالى يمكن أن يجرى الدفع نحو تفككها بعدئذ.

●●●

من هذا المنظور ليس من تدخل عسكرى رغم كل التسريبات والتصريحات والخوف الذى يزرع من أجل التخويف من الثورة لدى فئات يجب أن تدعم الثورة.

الوضع السورى معقد، بالتالى يجب أن نتلمس كل زوايا المسألة لكى نصل إلى وضوح كاف.

المصدر: الشروق

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s