مداخلة صغيرة حول منطق عشوائي

في نقد ورد كاسوحة لي كثير من التشوش الفكري، لكن أيضاً الكثير من عدم الاضطلاع (الأخبار، العدد 1757، السبت 14 تموز 2012). فقد أشار إلى أنني لم أتناول وضع «الشرائح التي توالي النظام»، ولا أشرت إلى أخطاء الجيش الحر والمعارضة عموماً، رغم أن الكثير مما كتبت تناول هذا الموضوع بالتحديد. فقد أشرت مراراً إلى أسباب وقوف فئات اجتماعية مع السلطة، والانعكاس السلبي لخطاب المعارضة على هذه الفئات خصوصاً. كذلك نقدت «السلاح» في مقال عنوانه «هجاء السلاح»، موضحاً أخطار الميل إلى عسكرة الثورة. وبالتالي لم أكن من «اليسار» الذي غض النظر عن كل ما يجري.

لكن يبدو أن ورد يريد فقط أن «نعترف» بأن «الصراع الذي يدور على أرضنا إنما هو معقد بعض الشيء، ويكاد يقع في منزلة بين منزلتين: فلا هو طبقي تماماً، ولا هو طائفي تماماً أيضاً، بل هو خليط من هذا وذاك»، لكي لا نكون من اليسار العميل لرأس المال.

ماذا يعني ذلك؟ هل هو صراع طبقي بين فئات مفقرة وأقلية ناهبة تحكم من جهة، وهو في الوقت ذاته صراع بين هذه الأغلبية المفقرة التي تعطى لوناً طائفياً معيناً وبين الأقلية الناهبة التي تعطى لوناً طائفياً كذلك؟
في الواقع، هناك أقلية تنهب وتتحكم بالاقتصاد وأغلبية مفقرة. هل في ذلك شك؟ ثم إن هناك مع السلطة فئات مفقرة من طائفة معينة، هم العلويون، أليس كذلك؟ هل يؤسس ذلك القول بهذه الثنائية التي تحكم الصراع التي يشير إليها ورد؟
هذا وضع لا يفرض الوصول إلى نتيجة أن الصراع في أحد وجوهه هو صراع طائفي، بل يعني أن هناك فئات لا تقف في الموقف الذي يجب أن تكونه نتيجة عوامل مختلفة، منها تخويف السلطة، وسياسة بعض أطراف المعارضة، والخوف من المستقبل في ضوء الصورة التي تبلورت في ما يخص الثورة.

طبعاً في الثورة هناك قوى تنطلق من منطلق طائفي (سني)، لكن هل الشعب المنتفض ينطلق من هذا الأساس؟ الأمر غير ذلك في الواقع، وهو ما أفشل تحوّل الصراع إلى صراع طائفي رغم الدفع العنيف من قبل السلطة لكي يصبح كذلك. إذ إن واقع المفقرين (وهم أغلبية كبيرة) جعلهم ينتفضون من أجل وضع مختلف، ولهذا خاضوا الصراع مع السلطة، الأمر الذي حوّله إلى صراع سياسي من أجل إسقاط السلطة. وهنا ليس شكل التعبير عن المطالب هو المحدِّد لكنه الثورة، بل إن هذا الشكل انحكم لوعي بسيط ساد لدى الفئات المفقرة نتيجة الاستبداد الطويل الذي أنهى السياسة ودمّر الثقافة. وهذا الشكل هو التعبير عن مضمون يتعلق بمطالب هؤلاء في مواجهة السلطة السياسية ومن أجل بديل آخر لا يحمل هذا «الوعي» شكله أو مضمونه بالضبط نتيجة غياب الوعي السياسي. وليس «التحاق» أقلية دينية بالسلطة هو نتاج وعي طائفي، بل كان نتاج وضع جعل هذه الفئات تتخوّف من المستقبل رغم أنها تختزن رفضاً هائلاً للسلطة، وهنا بالضبط نتيجة وضعها الطبقي.
إن فهم واقع الصراع يجب أن ينطلق بالتالي من فهم تموضع المجتمع، وطبيعة انقسامه الطبقي أولاً، ومن ثم يمكن تلمس كل «التشوه» الذي يمكن أن يطاول وعي الفئات المفقرة، الذي يجعلها إما تتبنى تصورات غير مطابقة لمصالحها، سواء في صراعها مع السلطة أو في «التحاقها» بها. هنا يكون الفعل السياسي، واللعب السياسي، وخطر الإعلام الذي يريد تشويه طبيعة الصراع وحرفه إلى مستويات أخرى، هي طائفية. بمعنى أن الأساس في تحديد طبيعة الصراع هو واقع الشعب الاقتصادي بالتحديد، ومن ثم يمكن تلمس وعيه والمسار الذي يسير فيه في إطار الصراع، وأسباب ذلك. وهذا ما حاولته طوال أشهر الثورة، ولم أصل إلى أن الصراع هو «منزلة بين المنزلتين»، حيث لم أجده في الواقع كذلك. على العكس أظن أن إدخال «الوعي الطائفي» كمحدد لطبيعة الصراع يجعلنا نتجاوز اليسار إلى اليمين، لأننا حينها نعود إلى تفسير الواقع بالأفكار بعد أن فسّرت الماركسية الأفكار بالواقع.

المسألة الأخرى التي يتناولني فيها ورد هي فهمي للوضع الدولي، إذ يقول إنني أنافح «عن الإمبرياليات الغربية (ولو عن غير قصد) ويدافع دفاعاً مستميتاً عن إخراجها جزئياً من الصراع إلى حين (إسقاط النظام)»، ويرفض ورد اعتبار أن روسيا هي «إمبريالية صاعدة». لكن ما حاولته هو تفسير الأسباب التي تجعل التدخل العسكري الأميركي (والغربي) غير ممكن انطلاقاً من تحوّل الوضع الدولي بعد الأزمة المالية في 2008، التي أفضت إلى أن تراجع الولايات المتحدة استراتيجيتها العسكرية، وتقرر أنها لا تستطيع خوض سوى حرب واحدة بعد أن كانت تعتقد أن بإمكانها خوض حربين كبيرتين وعدة حروب صغيرة، وأن تعتبر أن منطقة الهادئ هي التي تحظى بالأولوية، وتقلص عديد جيشها وميزانية الدفاع بشكل كبير. وهذه كلها معلومات منشورة، وتعني أن أميركا لم تعد كما كانت، بل إنها تتراجع. في المقابل، باتت لروسيا قوة قادرة على أن تكون طرفاً مقابلاً للولايات المتحدة، وتعمل على تشكيل قطب آخر في مواجهتها. لكل ذلك كانت إمكانية التدخل العسكري الإمبريالي «الغربي» مستحيلة، وما زالت. هل في ذلك إخراج لها كطرف في الصراع؟ هي طرف، لكن لم يعد يستطيع فرض ما يريد، وهذا هو الجديد في الوضع الدولي الراهن.

طبعاً، «المماحكة» في هذا الموضوع نابعة من «اللاوعي» الذي يقول بنظرية المؤامرة، وبالتالي لا يريد الاستنتاج أن أميركا لم تعد قادرة على فرض ما كانت تريده قبلئذ (الشرق الأوسط الجديد)، وبالتالي لا يمكن إلقاء المسؤولية في الصراع السوري عليها، للقول بأن الأمر يتعلق بالوضع الداخلي السوري، الذي أفرز التمايز الطبقي الشديد، الذي فرض حدوث الانفجار الاجتماعي. وورد لا يريد أن يصدّق أن روسيا باتت إمبريالية، لهذا يربط مفهوم الإمبريالية بالتدخل العسكري الخارجي، رغم أن الإمبريالية هي تكوين اقتصادي طبقي في الرأسمالية، وروسيا باتت رأسمالية من دون شك بعد أن «لفظت» الاشتراكية. ولأنها غدت كذلك أصبحت تبحث عن الأسواق ومناطق النفوذ، وهذا هو الذي يدفعها لخوض الصراع مع الإمبرياليات «القديمة».

ويبدو أن ورد غير مطّلع على واقع الرأسماليات، لا الأميركية الأوروبية ولا الروسية، لهذا يتساءل: «هل بات بالإمكان حقاً أن نضع في سلة واحدة رأسمالية ناشئة وإن تكن مافياوية الطابع، وأخرى تقليدية ومتموضعة على امتداد العالم في شكل مراكز للإنتاج والتصنيع وأطراف للاستهلاك وتصدير القوى العاملة الرخيصة؟». أولاً ليس من تصدير للقوى العاملة الرخيصة، بل منع هجرة الأيدي العاملة الرخيصة، وهذا أحد المآخذ على ليبرالية الرأسمالية التي تريد فتح الأسواق أمام السلع ورأس المال وإغلاقها أمام اليد العاملة، وسأعتبر ذلك سهواً منه. وثانياً يبدو أنه لا يتابع تراجع الإنتاج في هذه المراكز، وتحكّم المال المضارب في تكوينها، وتراجع الصناعة في مجمل التكوين الاقتصادي الداخلي (خصوصاً أميركا هنا)، وهذا في أساس الأزمة الراهنة والمستمرة لهذه الرأسماليات. وثالثاً إن روسيا والصين هما البلدان اللذان باتا يحتاجان إلى الأسواق لتصدير السلع والرأسمال. وأزمة روسيا تتمثل في أنها بحاجة إلى الأسواق في وضع كانت الولايات المتحدة تحاول فرض الحصار عليها من خلال منع بيع سلعها (خصوصاً هنا السلاح)، لهذا باتت تخوض الصراع العالمي من أجل فرض منطق جديد يؤدي إلى تقاسم جديد للأسواق.

موقفي هذا لم يتكون خلال الثورة السورية لكي يكون «أخلاقياً»، بل تكوّن خلال السنوات السابقة، ويمكن العودة إلى ما كتبته منذ زمن سابق لكل الثورات العربية. إذ إنني أتابع تحولات الوضع العالمي باستمرار، ولا أنطلق كما يفعل كثيرون من حدث لتحديد مواقف وسياسات. ما قلته منذ انهيار الاشتراكية بأن روسيا باتت رأسمالية، ولأنها باتت كذلك ستدخل في صراع مع الرأسماليات الأخرى على الأسواق (انظر كتاب «الاشتراكية أو البربرية؟» إصدار دار الكنوز الأدبية سنة 2001، وهو مكتوب منذ 1993). بالتالي على عكس من ينطلق من موقف لكي يبني تصوراته بنيت تصوراتي انطلاقاً من فهمي للوضع العالمي، ومن فهمي للظروف الواقعية (وهذا ما كان يدفعني إلى القول بأن الوضع السوري يسير نحو الانفجار، على الأقل منذ 2007).

في النهاية، لا يمكن أن يكون يسارياً من يقف مع «رأسمالية ناشئة»، «من أجل الحد من هيمنة الإمبرياليات الغربية». هي كلها رأسماليات لا بد من الصراع ضدها. ولا شك في أن الاستفادة من التناقضات في ما بينها لا يعني الوقوف مع أحدها ضد الأخرى، وإلا تحقق الالتحاق بالرأسمالية في صراع طرف لكي يهزم طرفاً آخر. هذا ما رفضه الماركسيون خلال الحرب الأولى مثلاً، ويجب أن يرفض في كل حين، لأنه يقوم على أرضية دعم الرأسمالية لا التخلص منها. وهذا منطق الأحزاب الشيوعية لعقود طويلة، والذي أفضى بها إلى الهامشية.

ليست روسيا والصين والهند والبرازيل رأسماليات ناشئة، بل رأسماليات تتحول إلى قوى إمبريالية في عالم يتسم بتراجع الإمبرياليات القديمة، وأزمة عامة تطاول كل الإمبرياليات القديمة والجديدة.
المصدر: الأخبار

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s