الإمبريالية سياسة أم اقتصاد سياسي؟

ينظر للإمبريالية من زاوية السياسة، أي انطلاقاً من المعنى الحرفي لكلمة إمبريالية، التي تعني الاستعمار. وكانت قد جرت ترجمة كتاب لينين «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» بـ«الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية»، بينما كان لينين يتحدث عن شيء آخر غير الاستعمار الذي هو احتلال دولة لدولة أخرى، يتعلق بتكوين اقتصادي سياسي عالمي تسيطر عليه الرأسمالية. تكوين جعل «الربط الاقتصادي» بديلاً عن الاستعمار المباشر، ولهذا انتقلت السيطرة من السياسة (عبر الدولة) إلى الاقتصاد. والدارج الآن هو النظر إلى الإمبريالية كـ«مشروع سيطرة سياسية»، أي من زاوية سياسية محض، إذ يحل بدل الاستعمار القديم الذي كان قائماً على الاحتلال، دور القوى الإمبريالية في إلحاق النظم الأخرى، وإتْباعها بسياساتها.
في المقابل، هناك من يرى في السيطرة الاقتصادية (أو التبعية الاقتصادية) صيغة جديدة للاستعمار القديم (المباشر)، وبالتالي يجعل هذه مثل تلك، ويظل الهدف هو التحرر بمعناه السياسي، ومن ثم الاقتصادي. ويجري النظر إلى الإمبريالية من المنظور السياسي كذلك. أي يجري قلب الموضوع من شكل الدولة المتوافق مع التبعية الاقتصادية إلى التبعية الاقتصادية الناتجة عن شكل الدولة.

هذا المنطق يجعل الدولة هي محور النظر. فالعلاقات هي بين الدول، والسياسة العالمية تقوم على دور الدول، والصراعات العالمية هي صراعات بين الدول، والتحالفات العالمية هي كذلك بين الدول. والدولة هي الشكل السياسي للوجود «البشري»، والتعبير السياسي عن سيطرة طبقة بعينها، لكنّها تعبير سياسي كما يجري اختزالها حين النظر إلى الوضع العالمي.
وبالتالي يصبح المطلوب هو تحديد في أي «جبهة» نحن، انطلاقاً من الانقسام العالمي، دون تلمس علاقة هذا الانقسام بمصالح الشعب، سوى عبر الشعارات العامة التي تتكرر من هذا الطرف أو ذاك. بمعنى أنّ الصراع العالمي بين الدول هو أساس فهم العالم. ولهذا يدخل المنطق الصوري بعنف لكي يحدِّد الخير والشر، أي من هو الطرف الذي نحن ضده، لكي تؤيد الطرف الآخر الذي يختلف معه، بعيداً عن محاولة فهم أسباب الاختلاف، وحدودها، وعلاقتها بالشعب هنا أو هناك، وبالمصالح الخاصة لأمة معينة.

وكما فعل حزب التحرير الإسلامي حين ظل ينطلق من أنّ الصراع في العالم هو بين بريطانيا وأميركا، ليكون ضد أميركا ومع بريطانيا، أو كما فعل جمال عبد الناصر وبعض القوميين نهاية الأربعينيات والخمسينيات حينما راهنوا على أميركا ضد بريطانيا، نجد أنّ هناك (من اليسار) من لا يزال يعتقد بأنّ الصراع هو بين روسيا «الاشتراكية» وأميركا، وهو هنا مع روسيا. بريطانيا وأميركا كانتا إمبرياليتين، وتختلفان في المصالح وتتوافقان. وروسيا وأميركا الآن هما إمبرياليتان، تتصارعان على «تقاسم الغنائم» وتتوافقان، كل ذلك دون أي حساب لمصالح الشعوب. ولقد اختلفت فرنسا وألمانيا مع أميركا في السنوات السابقة على عديد من المسائل (منها الحرب على العراق) دون أن يلغي ذلك كونها إمبرياليات، لكن يبدو أنّ هناك من يريد التخلص من السيطرة الأميركية دون أن يلحظ وضع بديلها، بالضبط كما توهم عبد الناصر ورهط من القوميين.
الصراع العالمي هو بين دول، لكنّه يعبّر عن مصالح طبقات مسيطرة فيها. وسعي كلّ منها لكي يفرض سيطرته على العالم، ما دامت كلّها باتت تحكمها الرأسمالية، من فرنسا وأميركا إلى روسيا والصين، لكن إذا جرى النظر من زاوية السياسة فقط، فسيتحدد الموقف منها على ضوء «حدث ما».

السياسة والاقتصاد

أشرت إلى ترجمة كتاب لينين للإشارة إلى الفارق في الوعي الذي يحكم النظر إلى الإمبريالية. فترجمة كلمة «إمبرياليزم» بكلمة استعمار نتجت عن المعنى الحرفي لهذه الكلمة، الذي هو بالتالي يظل يشمل المستوى السياسي، لكن قصد لينين كان أبعد من ذلك (وهذا القصد كان يتبلور في إطار الماركسية منذ بداية القرن العشرين مع تشكّل الرأسمالية في شكل جديد) ويتمثل في كليّة التكوين الاقتصادي السياسي الذي صاغت الرأسمالية العالم فيه. لهذا تحدث عن التمركز والاحتكار، والرأسمال المالي، وتصدير رؤوس الأموال والسلع، وتقاسم الأسواق العالمية، ومن ضمنها مسألة الاستعمار.
وبالتالي لا بد من النظر إلى الإمبريالية كتكوين اقتصادي سياسي عالمي. وقبل النظر إلى صراعات الدول، يجب تلمس التكوين الاقتصادي الذي فرض على العالم، لأنّ صراعات الشعوب هي نتاج هذا التكوين، قبل أن تكون نتاج صراعات سياسية بين الإمبرياليات أو معها.

فقد صيغت البنى الاقتصادية وفق مصالح الطغم المسيطرة على الصناعة، التي فرضت على العالم المتخلف أن يصبح مصدّراً للمواد الأولية، ومستورداً للسلع، وبالتالي أن ينزع التراكم المالي المحلي للنشاط في القطاع الوسيط الذي هو التجارة والخدمات. هكذا أصبحت الطغم المالية الإمبريالية هي مركز العالم، وباتت رأسماليات الأطراف كومبرادور يسهّل عملية السيطرة على السوق المحلي، ويمنع تحقيق التطور لمصلحة تغليب الاستيراد. وبهذا باتت الدورة المالية تبدأ من المراكز لتصبّ فيها، عبر حركة سلع مصدرة إلى الأطراف. هذا هو «العالم السفلي» الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، وهو الأساس الضروري لفهم كل الصراعات العالمية.

وكل من ينشط في هذه الدائرة هو تابع اقتصادياً، وجزء تبعي في التكوين الرأسمالي العالمي. لهذا حين يصبح النشاط الاقتصادي متمحوراً حول التجارة والخدمات والعقارات والبنوك، تكون الرأسمالية بالحتم تابعة، وتصبح اختلافاتها نابعة من تناقضات هامشية في إطار النمط الرأسمالي ذاته. هناك مثلاً صراعات كبيرة بين الرأسمال الأميركي والرأسمال الأوروبي (الألماني/ الفرنسي خصوصاً)، لكن في إطار تشابك وترابط مصالح بين رأسماليات «حقيقية»، إلا أنه يمكن أن يكون هناك تناقض مع بعض رأسماليات الأطراف لسبب يتعلق بالصراع بين الرأسماليات، أو نتيجة اسباب أخرى. وهذا التناقض لا يحوّل الرأسمالية التابعة إلى طبقة تعبّر عن مشروع مختلف مع الإمبريالية، بل يجب النظر إلى هذا التناقض من زاوية المصالح التي تؤسسه، وهي في كل الأحوال متناقضة مع مصالح الشعب محلياً. إذ إنّ تشكل هذا النمط من الرأسمالية يؤسس لتناقض عميق في البنية «القومية» (أو المحلية)، إذ يتمحور الاقتصاد حول قطاعات ريعية مثل الخدمات والسياحة والعقارات والمال والاستيراد، تفضي حتماً إلى دمار القطاع المنتج، وبالتالي نشوء بطالة عالية وانحدار في الأجور مقابل أسعار عالمية للسلع، وانهيار عام في الاقتصاد والوضع المعيشي والبنى التحتية.

في هذا الوضع تكون الرأسماليات المحلية جزءاً تابعاً في التكوين الإمبريالي. ولهذا يجب فهم الاختلافات التي يمكن أن تنشأ انطلاقاً من ذلك، وخصوصاً بعدما ضعفت الإمبريالية الأميركية، وتعمل كل من روسيا والصين على فرض تقاسم جديد للعالم انطلاقاً من الأساس الرأسمالي ذاته. ولهذا يمكن أن تميل رأسمالية ما في الأطراف إلى الربط مع الطغم الإمبريالية في روسيا أو مع الصين، لكن انطلاقاً من التكوين «الرأسمالي التابع» ذاته، وللحفاظ عليه.
إذ إنّ روسيا اليوم هي دولة إمبريالية تسيطر فيها طغم رأسمالية شبيهة بتلك الطغم التي تسيطر في كل البلدان الرأسمالية. وهي تعمل على إخضاع العالم لمصالحها، كما فعلت البلدان الرأسمالية سابقاً، وصراعها اليوم مع أميركا هو نتاج ذلك، إذ تسعى إلى إعادة تقاسم العالم انطلاقاً من ميزان القوى الجديد، الذي تبدو هي فيه قوة مقابلة لأميركا، وربما تحلم بأن تصبح هي القوة المسيطرة على العالم.

وهي في ذلك تبقي اقتصادات الأطراف كما صاغتها الإمبريالية الأميركية، أي كاقتصادات ريعية. وتترابط مع رأسماليات تابعة وريعية (مافياوية) في البلدان التي «تحتكرها».
وربما يكون النظر السياسي هو الذي يجعل الحماسة لروسيا عالية نتيجة رفض أميركا، حيث كانت، ولا تزال، المسيطر على الوطن العربي، والناهب لثرواته، والداعم للدولة الصهيونية، وهي من هذه الزاوية العدو الرئيسي. وأيضاً ربما يكون ذلك صحيحاً إلى حدّ معين من المنظور السياسي، لكن هذا وضع عابر، وخصوصاً أنّ روسيا لا تدعم جدياً في المسألة الفلسطينية، وما تقوم به هو محاولة إحلالها محل أميركا ضمن التكوين الاقتصادي الذي تفرضه كلّ إمبريالية، وليس كما كان الوضع زمن الاتحاد السوفياتي حين دعم التطور الصناعي والعلمي في كلّ بلدان التحرر الوطني.

هذا الهامش إذن يفيد الرأسماليات المحلية ولا يفيد الشعوب، ويدعم الدول التي تسيطر عليها في الصراع العالمي دون أن يغيّر ذلك من التكوين الاقتصادي الريعي الذي يفقر المجتمع ويهمشه. هنا يمكن لدولة تمثل هذه الرأسمالية أن تكون في صراع مع أميركا، دون أن يمسّ ذلك التكوين الاقتصادي الريعي، الذي يمكن أن يترابط مع إمبريالية أخرى.

الاقتصاد والسياسة

هنا تصبح الدولة التابعة اقتصادياً في تناقض مع إمبريالية، هي الإمبريالية الأميركية، وفي تبعية لإمبريالية أخرى هي الإمبريالية الروسية. فالدولة التي تقيم العلاقات العالمية هي التمظهر لمصالح الطبقة المسيطرة، وبالتالي لا بد من لمس طبيعة تلك الطبقة لكي يكون ممكناً فهم صراعاتها «العالمية». فالصراع هنا ليس من أجل التحرر وبناء اقتصاد وطني، كما كان في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ إن الرأسمالية التي تحكم قد خصخصت وعممت الليبرالية، وأقامت قوتها المالية على أساس الاقتصاد الريعي الذي يفرض عليها حتماً اللحاق بمركز إمبريالي، ولا تستطيع أن تكون مستقلة، لأنّ كلّ نشاطها المالي يتحقق من خلال هذه العلاقة. لتكون «أداة صغيرة» في الصراع العالمي بين رأسماليات.

وروسيا والصين هما الآن الطرف الآخر في الصراع الإمبريالي في سياق سعيهما لكسب مواقع وأسواق وفرض تقاسم جديد للعالم ينطلق من ميزان قوى جديد يقوم على ضعف أميركا وأزمة أوروبا، و«قوة» كل منهما الحالية. لهذا سوف يقفان مع كل مختلف مع أميركا، ويكون ميل كل من لا تدعمه أميركا نحو تطوير العلاقة مع كل منهما. وهذا ما نلاحظه في دعم النظام الإيراني، والسوري، والسوداني، والكوري الشمالي، وكل دولة يبرز اختلافها مع أميركا.
لكن ما قيمة ذلك في ما يتعلق بالوضع الداخلي إذا لم يؤدِّ إلى دعم التطور الاقتصادي؟

ما يمكن قوله هو أنّ هذه العلاقة لا تؤدي إلى تطوير اقتصادي، بل إلى نهب إمبريالي من خلال دعم طبقة مافياوية تحكم من أجل النهب. ولهذا سيبدو التقدير السياسي القائم على تحليل جيوبوليتيكي لتموضعات الصراع العالمي دون معنى، لأنّ النظام لن يكون مع أميركا بل سيكون مع روسيا. وسيبدو أنّ روسيا تحل محل أميركا كما حلت أميركا محل بريطانيا بعيد الحرب العالمية الثانية. وليبقى التكوين الاقتصادي الطبقي كما هو، ريعياً مافياوياً.

إذن هذا التموضع للنظم التي تميل للتبعية لروسيا يدعم وجودها، ويعزّز نهبها الداخلي، ويقويها في مواجهة شعبها. لتبقى نظم رأسمالية تابعة، تحوّل السيطرة الإمبريالية من طرف إلى طرف آخر. وسيكون الخلاف مع أميركا «سياسياً» دون أساس اقتصادي، والارتباط بروسيا نتيجة للخلاف مع أميركا لا نتيجة أي شيء آخر.

ولهذا سيبدو التحليل «الجيوبوليتيكي» سطحياً وساذجاً، وينطلق من بقايا ماضٍ رحل، أكثر مما يساعد على فهم وقائع العالم الراهن. وهو يتأسس على منطق صوري لا يرى سوى الـ«مع» والـ«ضد»، وحيث يحدد وجع الماضي العدو، بالتالي ليكون كل من يختلف معه حليفاً يجب الدفاع عنه، دون لمس الشعب والطبقات المفقرة والتكوين الاقتصادي، وعلاقة كل ذلك بالسياسة والتحالفات العالمية.

الإمبريالية تكوين اقتصادي سياسي، وبغير هذا الفهم سيبقى سوء التحليل رائجاً.

المصدر: الأخبار

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s