سلامة كيلة : الشعوب العربية مع الثورة السورية.. ولم تتعب نفسها في لوك حديث “الممانعة”

يستفيض المفكر العربي الفلسطيني سلامة كيلة في الإجابة عن أسئلة “شباب السفير”. ثمّة الكثير مما يقال عن وقائع الربيع العربي والمسارات المحتملة لثوراته. هذا فضلاً عن كون المقاربة التي يقدّمها كيلة تعتمد منهجاً ماركسيّاًَ يتيح فهماً مغايراً، ربما كان أكثر جذرية، لطبيعة تلك الثوّرات والقوى الفاعلة فيها، مع إضاءة ضروريّة على عناصر المسرح العالمي وموقع ثورات الربيع العربي بينها وتفاعلها معها.
يبدأ كيلة حديثه بتفنيد “خرافة الممانعة”، فيرى أن “.. الشعوب مع الثورة السورية، ولم تتعب ذاتها في لوك حديث الممانعة”.. وينطلق في نقده للمانعة ولغيرها “من الشعب، من الطبقات، قبل أن أبحث في الإمبريالية والصراعات السياسية”.
وفي موضوع آخر، يرتبط بنمط ممارسة السلطة في سوريا البعثيّة زمن حافظ الأسد يرى كيلة أن جزءاً من نخبة الحكم البعثيّة “صاغوا البعث وفق وعيهم “الريفي” أكثر مما تأثروا بأفكاره. ولهذا سنلمس بأن شخصية حافظ الأسد عبّرت عن الوعي الريفي الذي ينطلق من السلطة المطلقة للأب، الأب الذي يصبح هو محدِّد مصير الأولاد”.
ويرى كيلة أن اختزال ثورات الربيع العربي إلى “ثورات يحرّكها مطلب الحرية والديمقراطية” هو تعبير عن محاولة الفئات الوسطى حصر الثورات بهذين الهدفين لخدمة مصالحها هي بالذات.
وفي الحديث عن احتمال ولادة تيار يساري جديد يعبّر عن الفئات صاحبة المصلحة في التغيير الجذري يؤكد كيلة أن “أي يسار جديد يفترض وعياً بالماركسية بما هي منهجية وأداة تحليل وليس شعارات وكلمات فقط. كما يفترض أن يظل جزءاً من الصراع الثوري القائم، وأن يعمل على “عقلنته” و”تنظيمه”، ودفعه لكي يوصل إلى استلام السلطة، دون المراهنة على أي من الطبقات الأخرى البرجوازية أو الفئات الوسطى”.

إعداد: محمد دحنون

“الطريق إلى تحرير فلسطين يكون عبر إسقاط النظام”، هذه العبارة التي كانت أحد عناوين النشرة اليساريّة التي أصدرتها، والتي اعتقلت وتعرضت للتعذيب بسببها، لا يوافق عليها كثيرون: أنظمة ومنظمات وأحزاب، وورائهم بالطبع جمهور كبير؛ ندعوه جمهور الممانعة. بالنسبة لك، ما هو الخطاب النقدي الذي يمكن أن توجيهه لهذا الجمهور لتفنيد “خرافة الممانعة”؟ شارك في السؤال: Rima Jandali

أولاً، لا بد من التوضيح أن “جمهور الممانعة” ليس كبيراً، وربما كان الأمر يتعلق بكل من لبنان والأردن، حيث يظهر الانقسام بين النخب في الغالب، وفي لبنان ربما يكون هناك انقسام “شعبي”. أما في البلدان العربية الأخرى فالأمر يختلف حيث يبدو واضحاً بأن الأحزاب عموماً والشعوب هي مع الثورة السورية ولم تتعب ذاتها في لوك حديث “الممانعة”.
المشكلة التي تحكم كل نظرة تنطلق من “خرافة الممانعة” تتمثل في طبيعة النظر المنهجي للواقع أولاً، حيث أن “العالمي” و”السياسي” هو الذي يحكم النظر، لهذا تكون هناك ممانعة نتيجة الخلاف القائم بين الإمبريالية الأميركية والسلطة السورية. وتكون هذه السلطة “إيجابية” أو “ثورية” لأنها في خلاف مع أميركا. هذا نظر شكلي ومثالي لأنه ينطلق من المجرّد (الإمبريالية، وسأشرح لماذا هي مجرّد) ومن أن كل مختلف معها فهو حتماً إيجابي وثوري.
ولهذا لا يلمس هذا المنطق “الناس”، الطبقات، الشعب، ولا يهتم في وضعه وظروفه ومشكلاته، ولماذا يثور. ومن هذا المنطلق تصبح الفكرة المجرّدة هي المقياس بينما يتلاشى الواقع الملموس، أي البشر. وهذا ما جعلني أعتبر الإمبريالية مجرّد، حيث أن ما يُرى منها هو السياسات التي تتبعها الدول الإمبريالية، وهنا أميركا، فيُرفض تدخلها وحروبها واحتلالها وتهديدها وضغوطها (وأنا مع رفض كل ذلك ومع مواجهته دون شك)، لكن هذا الشكل التي تظهر فيه الإمبريالية عبر سياسات الدول، لكنه ليس الإمبريالية كتكوين، كذات، وأقصد كاقتصاد رأسمالي يتشكل في المراكز وفي الأطراف. فالإمبريالية كنظام قررت تعميم اللبرلة، وعممت “شروط صندوق النقد الدولي”، لكي تشكل الأطراف وفق ما يحقق مصالح الطغم المالية الإمبريالية. ولهذا تشكلت في الأطراف بنى اقتصادية ريعية أساسها العقار والسياحة والخدمات والبنوك والاستيراد. ووجود طغمة مالية مافياوية تحكم وتعمم مطالب الطغم الإمبريالية وتحقق مصالحها ضمن ذلك.
هذا ما حدث في سوريا، خصوصاً منذ سنة 2000. حيث جرى تحويل التكوين الاقتصادي من خلال انهاء دور الدولة الاقتصادي وفرض التحرير الكامل للاقتصاد، وتحويله إلى اقتصاد ريعي يتمركز في العقارات والخدمات والسياحة والاستيراد. وبالتالي إدماجة في التكوين الإمبريالي العالمي في مستواه الاقتصادي، وإنْ ليس عبر علاقة مباشرة مع الولايات المتحدة في المستوى السياسي. لقد تكيف الوضع السوري مع مقتضيات العولمة بشكل كامل خلال السنوات السبع الأولى من حكم بشار الأسد. وأصبحت اللبرلة هي المسيطرة، وتحكم القطاع الخاص بـ 70% من الاقتصاد حسب تصريح لوزير الاقتصاد. وهو الأمر الذي أدى إلى بيع أو اهمال “القطاع العام” وانهيار الصناعة، ومن ثم انهيار الزراعة. نتج عن ذلك نسبة عالية من البطالة (30% تقريباً)، وأجور متدنية جداً إزاء تحوّل الأسعار المحلية إلى أسعار عالمية نتيجة أن السلع باتت مستوردة، بما في ذلك السلع الغذائية، ومع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية التي أدت إلى رفع أسعار السلع المحلية.
وأفضى هذا التحوّل الليبرالي إلى مركزة الثروة بيد أقلية مركزها عائلي (عائلة الرئيس وأقاربه)، وإفقار الأغلبية الشعبية. هذا هو سبب الثورة العميق.
الآن، هل ننطلق من الاختلاف مع الولايات المتحدة في المستوى السياسي أم ننطلق من الوضع الطبقي في تحديد الموقف مما يجري؟
طبعاًً، من يحكم هم فئة مافياوية ليبرالية تتشابك مع الرأسماليات الإمبريالية (سواء الأميركية أو الأوروبية أو الخليجية أو التركية أو الروسية)، فما هو الموقف منها كفئات مافياوية ليبرالية حين تتحرّك الطبقات الشعبية؟
هنا مكمن الخلاف مع دعاة الممانعة، حيث لا يرون سوى الخلاف مع الولايات المتحدة، ليبنون على أساسه موقفهم. دون تفسير سبب الخلاف، ومن هو الأساسي فيه. فالفئات المافياوية هذه سعت طويلاً للتفاهم مع الولايات المتحدة (حتى عبر توسيط الدولة الصهيونية، كما ظهر في تصريحات عديدة بعيد اغتيال الحريري) لأن مصالحها تفترض أن تُدمج في النمط الرأسمالي دون عوائق كانت تضعها العقوبات الأميركية. وهذا يفرض السؤال لماذا قررت أميركا عزل سوريا منذ اغتيال الحريري وفشل محاولة إسقاط النظام؟ وليس النظر وكأن هذه الفئات المافياوية هي التي تمانع؟
ثم، بغض النظر عن الموقف من أميركا، ما هو الموقف من الشعب؟ يمكن ألا يكون الوضع السوري واضحاً بداية الثورة لأنها توسعت ببطء، لكن من الواضح الآن أنها تشمل كل سوريا. أي أنها ثورة شعبية. ربما كانت مأساة النخب تكمن في أنها لا تثق بالشعب، او حتى تحتقر الشعب، لهذا لا تضعه في الحسبان. أنا أنطلق من الشعب، من الطبقات قبل أن أبحث في الإمبريالية والصراعات السياسية، لهذا لا يمكن إلا أن أكون مع الثورة التي انطلقت بعد هيمنة الليبرالية واحتكار الثروة في سوريا، مثل كل البلدان العربية. ولقد اتسمت بالسمات ذاتها: نظم عائلية مافياوية بوليسية.
هنا الممانعة لا معنى لها، والخلاف مع أميركا لا يمنع من أن الطبقة المسيطرة قد أفقرت الشعب ودفعته للثورة.

الأسد للأبد: نمط حكم مافياوي عائلي بوليسي

كيف تنظر إلى مواقف المملكة العربيّة السعوديّة من القضية الفلسطينية؟ شارك في السؤال: Rima Jandali

لا حاجة لتكرار الإشارة لموقف السعودية من القضية الفلسطينية وكل القضايا الأخرى، لأنها ملحق بالسياسة الإمبريالية الأميركية، وتعمل وفق الأجندة التي تضعها.
أظن أن ما يكمن وراء السؤال هو موقف السعودية من الثورة السورية و”دعمها لها”. سأشير إلى أن السعودية ظلت تدعم النظام السوري مالياً إلى شهر تموز أو آب من سنة 2011، وكذلك الإمارات العربية المتحدة. ويمكن تلخيص الموقف السعودي بأنه ضد كل الثورات العربية لأن السلطة تعتقد بأن هذه الموجة الثورية سوف تصل إليها، لهذا يجب تكسيرها قبل أن تصل. وهي في سورية تنطلق من هذا الموقف، لهذا دعمت السلطة بداية، ثم هي تعمل الآن على تشويه الثورة عبر تعميم أنها ثورة إسلامية، وعبر دعم القوى الأصولية. وهي تعرف بأن ذلك سوف يمنع انتصار الثورة لأنه يمنع اندماج الأقليات فيها من جهة، ويحوّل الثورة إلى صراع طائفي من جهة أخرى. وهذا كما تعتقد يطيل أمد الصراع ويضعف المجتمع مما يزيد من تأثير الدور الخارجي.

“الأسد للأبد” إلى أي مدى يمكن لهذا الشعار أن يكثّف نمط الاستبداد السلطوي في سوريا وأن يشكل إهانة للشعب السوري؟ شارك في السؤال: بلال نور الدين

المسألة هنا تتعلق بنمط بطريركي من النظم، يقوم على توريث الحكم (مثل النظام الملكي، وإن كان التوريث يتم في شكل “حديث” هو شكل الانتخاب المسيطر عليه). لقد سيطر حافظ الأسد على السلطة بعد تصفيات طالت العسكريين الذين قادوا الانقلابات منذ آذار سنة 1963، وأسس لسلطة مطلقة تتمحور حول شخصه.
حين نتناول طبيعة هؤلاء الضباط نلحظ أنهم من الريف الذي قدّم للجيش الكتلة الأساسية من بنيته، وانحصرت الصراعات الأخيرة بين هؤلاء ذوي الأصول الريفية (الضباط الدروز، ثم الضباط العلويين). وإذا كان جزء منهم ينتمي لحزب البعث فقد صاغوا البعث وفق وعيهم أكثر مما تأثروا بأفكاره. ولهذا سنلمس بأن شخصية حافظ الأسد عبّرت عن الوعي الريفي الذي ينطلق من السلطة المطلقة للأب، الأب الذي يصبح هو محدِّد مصير “الأولاد”. هذا الوعي البطركي بات هو الذي صيغت الدولة على أساسه، والذي أفضى إلى النتيجة “الطبيعية” التي تتمثل في توريث السلطة باعتبار أن الدولة كلها قد باتت ملكية خاصة يجري توارثها “إلى الأبد”.
تحت هذا الشكل البطركي تأسست سلطة بوليسية بكل معنى الكلمة، سواء بعدد الأجهزة الأمنية أو بعدد أفرادها. وأعطيت كل السلطة بالاعتقال والتعذيب والتعدي. وصيغ الجيش بحيث لا تكون هناك أية إمكانية لحدوث انقلاب عسكري من خلال تركيبها في صيغة تناقضية، وزرع الأمن فيها.
“الأسد إلى الأبد” هي تلخيص لهذا التشكيل، والذي أسس بعد حافظ الأسد لحكم مافياوي عائلي بوليسي.

الأسد للأبد: نمط حكم مافياوي عائلي بوليسي

كيف تنظر إلى مواقف المملكة العربيّة السعوديّة من القضية الفلسطينية؟ شارك في السؤال: Rima Jandali

لا حاجة لتكرار الإشارة لموقف السعودية من القضية الفلسطينية وكل القضايا الأخرى، لأنها ملحق بالسياسة الإمبريالية الأميركية، وتعمل وفق الأجندة التي تضعها.
أظن أن ما يكمن وراء السؤال هو موقف السعودية من الثورة السورية و”دعمها لها”. سأشير إلى أن السعودية ظلت تدعم النظام السوري مالياً إلى شهر تموز أو آب من سنة 2011، وكذلك الإمارات العربية المتحدة. ويمكن تلخيص الموقف السعودي بأنه ضد كل الثورات العربية لأن السلطة تعتقد بأن هذه الموجة الثورية سوف تصل إليها، لهذا يجب تكسيرها قبل أن تصل. وهي في سورية تنطلق من هذا الموقف، لهذا دعمت السلطة بداية، ثم هي تعمل الآن على تشويه الثورة عبر تعميم أنها ثورة إسلامية، وعبر دعم القوى الأصولية. وهي تعرف بأن ذلك سوف يمنع انتصار الثورة لأنه يمنع اندماج الأقليات فيها من جهة، ويحوّل الثورة إلى صراع طائفي من جهة أخرى. وهذا كما تعتقد يطيل أمد الصراع ويضعف المجتمع مما يزيد من تأثير الدور الخارجي.

“الأسد للأبد” إلى أي مدى يمكن لهذا الشعار أن يكثّف نمط الاستبداد السلطوي في سوريا وأن يشكل إهانة للشعب السوري؟ شارك في السؤال: بلال نور الدين

المسألة هنا تتعلق بنمط بطريركي من النظم، يقوم على توريث الحكم (مثل النظام الملكي، وإن كان التوريث يتم في شكل “حديث” هو شكل الانتخاب المسيطر عليه). لقد سيطر حافظ الأسد على السلطة بعد تصفيات طالت العسكريين الذين قادوا الانقلابات منذ آذار سنة 1963، وأسس لسلطة مطلقة تتمحور حول شخصه.
حين نتناول طبيعة هؤلاء الضباط نلحظ أنهم من الريف الذي قدّم للجيش الكتلة الأساسية من بنيته، وانحصرت الصراعات الأخيرة بين هؤلاء ذوي الأصول الريفية (الضباط الدروز، ثم الضباط العلويين). وإذا كان جزء منهم ينتمي لحزب البعث فقد صاغوا البعث وفق وعيهم أكثر مما تأثروا بأفكاره. ولهذا سنلمس بأن شخصية حافظ الأسد عبّرت عن الوعي الريفي الذي ينطلق من السلطة المطلقة للأب، الأب الذي يصبح هو محدِّد مصير “الأولاد”. هذا الوعي البطركي بات هو الذي صيغت الدولة على أساسه، والذي أفضى إلى النتيجة “الطبيعية” التي تتمثل في توريث السلطة باعتبار أن الدولة كلها قد باتت ملكية خاصة يجري توارثها “إلى الأبد”.
تحت هذا الشكل البطركي تأسست سلطة بوليسية بكل معنى الكلمة، سواء بعدد الأجهزة الأمنية أو بعدد أفرادها. وأعطيت كل السلطة بالاعتقال والتعذيب والتعدي. وصيغ الجيش بحيث لا تكون هناك أية إمكانية لحدوث انقلاب عسكري من خلال تركيبها في صيغة تناقضية، وزرع الأمن فيها.
“الأسد إلى الأبد” هي تلخيص لهذا التشكيل، والذي أسس بعد حافظ الأسد لحكم مافياوي عائلي بوليسي.

التحوّل الديمقراطي لم يوقف صراع الطبقات الشعبية
والهــدف العميــق هــو تغييــر النمــط الاقتصــادي

يعتبر البعض أن مقاربتك التحليليّة لشؤون الثوّرة السوريّة، سيّما القضايا التي تتعلّق بما يقف وراء هذا التفجّر الثوري، تنحو منحى ماركسويّ اقتصادويّ، بمعنى أنّك تقارب مسائل في غايّة الجدّة بأدوات قديمة، هذا فضلا عن كون التحليل من هذا المنطلق يغفل عوامل كثيرة ساهمت في تفجّر الثوّرة. كيف ترد؟ شارك في السؤال:

أنا لا أغفل العوامل العديدة التي تقف خلف حراك الطبقات الشعبية، حيث ألحظ بأن هناك فئة من الشباب الذي ينتمي للفئات الوسطى تحرّك منذ البدء، وكان المبادر، من أجل الحرية والديمقراطية. لكن أعتقد بأن الثورة بمجملها لم يكن ممكناً لها أن تحدث في بلد متخلف خصوصاً (وهذا للتمييز عن الثورات التي حدثت في أوروبا الشرقية والتحوّل الذي جرى في روسيا) إلا نتيجة إفقار وتهميش الكتلة الأساسية من الشعب. هذا ليس تحليل ماركسي اقتصادوي كما يُعتقد فقط، بل أن قيمة التحليل الماركسي هي أنه ينطلق من الواقع المادي. والمؤسف أن كل الذين يرفضون ربط الثورات العربية بالوضع الاقتصادي يتجاهلون كم هائل من المعلومات، والتحليلات غير الماركسية، وحتى المطالب والشعارات التي طُرحت في الثورات التونسية والمصرية مثلاً. لقد كان أول شعار تونسي هو “العمل استحقاق يا عصابة السرّاق”، وكانت مطالب “إضراب” 25 يناير هي وضع حد أدنى للأجور يساوي 1200 جنيه، وإعادة الأرض للفلاحين، وحق العمل، إضافة إلى حل مجلسي الشعب والشورى، ومحاكمة وزير الداخلية، قبل أن يصبح شعار الثورتين هو “الشعب يريد إسقاط النظام”.
كل الدراسات التي نشرت بعيد الثورات تشير إلى نسبة البطالة العالية، والفقر الشديد، والتهميش. والكتل الأساسية التي نزلت إلى الشوارع هي من هؤلاء. ماذا نقول بعد؟ أن هذه “ثورات ديمقراطية”، أي يحرّكها مطلب الحرية والديمقراطية؟ هذا ما تحاول فئات وسطى حصر الثورات فيه، لخدمة مصالحها هي بالذات. وهنا نجد أنفسنا في صراع طبقي أيديولوجي على مآل الثورات، وهو ما سيتوضح في صيرورة الثورات ذاتها، كما نلمس الآن في تونس والى حد معيّن في مصر، حيث أن التحوّل الديمقراطي لم يوقف صراع الطبقات الشعبية من أجل العمل والأجر والتعليم والصحة، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بتغيير الطبقة المسيطرة والنمط الاقتصادي. فإذا كان الهدف الديمقراطي هو المهيمن في المرحلة الأولى نتيجة هيمنة الفئات الوسطى على قيادة الحراك، فإن تحقق التغيير وإجراء الانتخابات ونجاح قوى جديدة كانت في المعارضة لم يوقف حراك الشعب، وأظهر أكثر المطالب الاقتصادية.
بالتالي ليست الأدوات الماركسية هي أدوات قديمة، بل أدوات منهجية لفهم الواقع لم يجرِ تجاوزها على مستوى التطور المعرفي، ويتوضح كل يوم أنها فاعلة، وهذا ما ظهر بعد الأزمة المالية العالمية التي فرضت “العودة إلى ماركس”. فالاقتصاد هو العنصر المحدِّد في التطور البشري، والتحليل الاقتصادي هو اساس فهم السياسات والمواقف. وهذا المنظور هو الذي جعلني أتوصل منذ سنة 2007 إلى أننا مقبلون على انتفاضات شعبية، لأنني كنت أتابع الوضع الاقتصادي الذي كان يشير إلى حدوث عملية تهميش وإفقار شاملة، ولأن متابعتي لانتفاضات الثمانينات (المنسية الآن) كانت توضّح بأن الشعب يتحرّك حين يصل إلى لحظة يحس فيها بأنه غير قادر على العيش نتيجة الاختلال بين الأجر، أو نتيجة البطالة، وبين الأسعار التي تتعلق بالسلع الضرورية لمعيشته.
التحليل الماركسي هو الذي سمح لي بفهم أننا مقبلون على انتفاضات، وجعل كل الذين يحاولون قسر هدف الثورات على مطلب الحرية والديمقراطية يشككون في وضع الشعب وفي قدرته على الثورة، ويرفضون أي حديث عن إمكانية قيام ثورات قبيل 17/ 12/ 2010، أي قبيل الثورة التونسية، وظلت النخب السورية ترفض توقع ثورة في سوريا إلى ما بعد 15/ 3/ 2011. فالنظر المثالي كان يخفي وضع الشعب، والنظر النخبوي كان يستهين بقدرة الشعب، ولقد اجتمعا معاً لدى النخب عندنا. وهي النخب ذاتها التي لا تريد هدف من الثورات التي لم تصنعها إلا الحرية والديمقراطية لكي تصل إلى السلطة أو تتمنع بـ “الكلام” هي بغض النظر عن وضع الشعب.
الثورات توضّح بأن الهدف العميق هو تغيير النمط الاقتصادي لكي تحلّ مجمل مشكلات الطبقات الشعبية، ولن تتوقف الثورات قبل تحقيق هذا الهدف لأن هذه الطبقات لم تعد تستطيع الاستمرار في الوضع الذي هي فيه.

الثوّرة ثوّرة مهمشين وفقراء. هذا ما تراه أنت. وما يشاركك إيّاه الكثير من الناشطين والمثقفين. السؤال: إلى إي مدى ممكن لهؤلاء المهمّشين والفقراء أن يشكّلوا قاعدة شعبيّة ليسار ما في مرحلة ما بعد سقوط النظام؟ شارك في السؤال:

أظن بأن الميل العام لدى هؤلاء سوف يكون نحو اليسار، حيث أن فهمي لوضعهم الذي أشرت إليه قبلاً، من حيث أن أساس حراكهم مبني على وضعهم الاقتصادي المعيشي، سوف يفرض في صيرورة الثورة الميل نحو اليسار.
إن تحقيق مطالب هؤلاء في العمل والأجر الذي يلبي عيشاً كريماً، والتعليم المجاني والضمان الصحي، والسكن اللائق، التي هي كلها مطالب أساسية لهؤلاء المفقرين، تفترض كما اشرنا تغيير النمط الاقتصادي. وأقصد هنا تغيير نمط الاقتصاد من كونه اقتصاد ريعي قائم على العقار والسياحة والخدمات والاستيراد والبنوك (وهو الوضع الذي لا يسمح سوى باستيعاب جزء قليل من الشعب، ربما يصل إلى 20%)، إلى اقتصاد منتج يتمحور حول الانتاج الزراعي وتطوير الصناعة، وبالتالي ضمان تعليم مناسب لتطور اقتصادي حقيقي.
هذا المشروع في التطور ليس في وارد لا الليبراليين الذين يؤسسون على حرية السوق والانفتاح، وبالتالي يكرسون الاقتصاد الريعي، ولا الاسلاميين الذين لا يختلفون مع الليبراليين في طبيعة النمط الاقتصادي. وبالتالي فإنه لا الرأسمالية ولا الفئات الوسطى الليبرالية تحمل حلاً لهؤلاء المفقرين.
ثم أن الحل يفترض، بالتالي، أن تلعب الدولة دوراً مركزياً في بناء الصناعة وتطوير الزراعة، وكل المسائل المجتمعية التي تسمح بتحقيق هذا المشروع (التعليم، الصحة)، لأن الرأسمال الخاص، كما أشرنا للتو يظل ينشط في الإطار القائم للاقتصاد الرأسمالي (الاقتصاد الريعي). وهذا الأمر غير مطروح من قبل الفئات الوسطى التي تحمل مشروعاً ليبرالياً. مما يجعل كل تغيير يوصل “قوى جديدة” إلى السلطة لا تفكّر في حل حقيقي للوضع الاقتصادي موضع تشكك، ويدفع لاستمرار الحراك الشعبي.
ولهذا سيكون الحل بالاتجاه نحو اليسار، أي نحو قوى يسارية جديدة تحمل مشروع التغيير الجذري، الذي يتعلق بتغيير النمط الاقتصادي. وهذا هو المسار الذي سيحكم صيرورة الثورات منذ “التغيير” الأول الذي يقوم على إضعاف بنية السلطة ودفعها لإجراء تغيير شكلي (كما جرى في تونس ومصر) إلى التغيير الذي يوصل اليسار إلى السلطة بقوة الشعب.
سأوضح هنا أن المسألة الديمقراطية ستكون ضرورة في أي مشروع جديد، لكي يحدث التطور بشكل متسق وفعلي. وأوضح كذلك أنني لا أقصد اليسار القائم بل يسار ماركسي سوف يتشكل من الشباب الذي يخوض الصراع الآن، والذي سوف يتبلور في خضم الصراع ذاته. وبالتالي الذي سوف يكون في اندماج مع الطبقات الشعبية، ويطرح مطالبها الحقيقية، ويحمل الرؤية التي تؤهله لذلك.
إن الوضع الذي فرضت الطغم الإمبريالية تشكيل العالم وفقه، والذي أشرنا إليه قبلاً، يجعل كل محاولة لتحقيق مطالب الطبقات الشعبية تصطدم بالتكوين الاقتصادي القائم، ليس محلياً فقط، بل وعلى الصعيد العالمي، مما يجعل السعي لتحقيق التطور المحل ينطلق من تجاوز الرأسمالية. وهذا ما يعزز من أهمية اليسار عالمياً، وبالتالي محلياً.

اليسار يتشكل في خضم الصراع الطبقي

في خضم الحراك الشعبي السوري، كانت المساهمة اليساريّة محدودة جداً. هذا فضلاً عن مواقف مشينة لبعض أحزاب “اليسار”. ما هي فرص ولادة يسار جديد في سوريا والمشرق العربي عموما؟ وما هي الأسس التي يمكن أن يبنى عليها “اليسار الجديد”؟ شارك في السؤال:

قبل الثورة كانت أحزاب “اليسار” إما ملحقة بالسلطة وتدافع عنها (وإنْ حاولت نقد بعض السياسات الاقتصادية)، أو متلبرلة، وكان اليسار بمعناه الحقيقي أشتات من أفراد. لهذا كان دوره محدودا في الحراك، رغم أن العديد من قواعد الأحزاب المشاركة في السلطة، ومن الأحزاب الأخرى، شاركت منذ البدء في الثورة.
وكما أوضحت فإن الظرف الموضوعي يؤسس لبلورة يسار جديد من الشباب المشارك في الثورة. فالقضايا الواقعية تفرض هذا الميل، ولا شك في أن التجربة التي يخوضها الشباب سوف تنضج منهم ما يكون قادراً على بلورة رؤية وإستراتيجية وبرنامج يعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء، وكل الطبقات الشعبية.
اليسار إذن يتشكل في خضم الصراع الطبقي، ويستمدّ رؤيته من ارتباطه بالطبقات الشعبية، ومن الدفاع عنها، ولهذا فسيكون يساراً نضالياً، ومهجوساً بكل ما يفرضه الواقع، وما يتطلبه النضال من أجل تحقيق التغيير العميق. وهو تغيير يفترض أن يكون استلام السلطة في اساس كل إستراتيجية (بعكس اليسار القديم).
طبعاً يبدو أنني أنساق مع عفوية الحراك وأنا اتحدث عن تبلور اليسار الآن، لكنني أعتقد بأن الصراع ذاته سوف يفرض فهماً عميقاً للواقع، وهذا ما يفترض فهماً مختلفاً للماركسية عما كان في العقود السابقة حيث هيمنت “الماركسية السوفيتية” التي لم تكن ماركسية إلا من حيث الشعارات والكلمات، دون أساس الماركسية الذي هو الجدل المادي، المنهجية التي يجب أن تحكم منطق التفكير، والتي هي التجاوز للمنطق الصوري الذي يحكم تحليل العموم نتيجة أنه أصبح متوارثاً (عبر العادات والمدرسة والبيئة). و”الماركسية السوفيتية” ظلت في حدود المنطق الصوري، الذي لم يعد مفيداً في فهم الواقع، ولا يفي بهذا الغرض (إلا كتحديد أولى للهوية).
هذا الفهم الجديد للماركسية وتمثّل منهجيتها أمر ضروري لكي يصبح ممكناً وضع إستراتيجية التغيير وتحديد الأهداف والسياسات. ولا شك في أن هضم الماركسية في إطار الصراع القائم سوف يؤسس لوعي حقيقي بها، وبالواقع معاً. وهذا أهم أسس تحويل الصراع العفوي القائم في الثورات إلى صراع طبقي حقيقي يؤدي إلى استلام الطبقات الشعبية السلطة وتحقيق مطالبها.
أي يسار جديد إذن يفترض وعياً بالماركسية بما هي منهجية وأداة تحليل وليس شعارات وكلمات فقط. كما يفترض أن يظل جزءاً من الصراع الثوري القائم، وأن يعمل على “عقلنته” و”تنظيمه”، ودفعه لكي يوصل إلى استلام السلطة، دون المراهنة على أي من الطبقات الأخرى (البرجوازية أو الفئات الوسطى).

الرأسماليات المحلية باتت دون سند عالمي

سيسقط النظام السوري. هذا ما يجزم به المنتفضون على الأرض وما يمكن أن يؤكده السياق العام لثورات الربيع العربي: هل تمتلك تصوّراً عن وضع المجتمع السوري في مرحلة ما بعد السقوط؟ هل تعتقد أن ثمّة اقتتالاً أهليا سيجري؟ وما هو تصوّرك لدور المعارضة في إدارة البلد: هل ثمّة خوف من الفوضى؟ شارك في السؤال:

أولاً لا بد من تلمس شكل التغيير الذي يفرض سقوط النظام لكي يصبح ممكناً تلمس المشكلات التي يمكن أن تنتج عن التغيير ذاته. وما أعتقد بأنه ممكن هو أن الثورة سوف تفرض تفككاً في السلطة يقود إلى تغيير داخلي يفتح الأفق على مرحلة انتقالية، تستجيب لجزء من مطالب الشعب. وبالتالي فإن التفكير في سقوط النظام بطريقة مجرّدة هو تفكير لا إمكانية له، لأن موازين القوى الفعلية هي التي سوف تفرض شكل التغيير دون توقّع “اختفاء” طرف هو السلطة.
وفي ظل موازين القوى الآن ما هو ممكن هو تحوّل داخلي، لهذا لا أعتقد بأن هناك إمكانية لحرب أهلية أو فوضى، رغم أنه يمكن حدوث بعض المشكلات هنا أو هناك. لقد حاولت السلطة أن تفتعل صراعاً طائفياً منذ البدء لكي تضمن تماسك الطائفة العلوية خلفها، لكن كل محاولاتها فشلت، وظل أفق الصراع متركزاً على مواجهة السلطة كسلطة حاكمة. وهذا أمر طبيعي حين حدوث الثورات، حيث يتحرّك الشعب ضد القوة التي أفقرته واستغلته واضطهدته، وهي السلطة، ولا يعود مهتماً بكل الرتوش “الثقافوية” (الطائفية أو الإثنية). ولهذا فهو لا ينجرّ إلى صراعات يعتبرها هو أنها هامشية، وخصوصاً حين يعرف بأن السلطة ذاتها هي التي تريدها. فقد رفعت التظاهرات شعار “لا سلفية ولا إخوان” حين ركّز إعلام السلطة وأبواقها على الطابع “السني، الإخواني، السلفي” للثورة.
ولهذا، يمكن تصوّر بأن فئات من السلطة قامت بتغيير (انقلاب أو ما شابه)، وفتحت أفقاً لمرحلة انتقالية تشارك فيها المعارضة (أو أطراف منها)، لإعادة صياغة الدولة. وأظن بأن الأمور تسير في هذا المنحى نتيجة الضعف الذي أخذ يلفّ السلطة، في المستوى المالي والشعبي والعسكري (رغم كل العنف والتدمير الممارس). فقد أصبحت سورية كلها تقريباً مشاركة في الثورة، ربما بقي تخوّف الطائفة العلوية الذي يمكن أن يفكّ. وبات الشك يزرع كل بنى الدولة وينحصر اعتماد السلطة على فئات محدودة ومحدَّدة، ربما تتفكك أيضاً.

ما هي الأخطار المحتملة التي يمكن أن يشكّل تحققها ارتكاساً في المجتمعات والدول العربيّة التي شهدت ثورات حتى الآن؟ وما هي طبيعة القوى التي تعتقد أنّها أقدر من غيرها على مواجهة تلك الأخطار؟ ولماذا؟ شارك في السؤال:

لا أظن بأنه يمكن أن يحدث ارتكاس في الثورات العربية عموماً، حيث أن الإمبريالية تعيش أزمة عميقة وباتت القوة المهيمنة (أميركا) تتراجع تحت وطأة أزمتها، وكذلك أوروبا. وينفتح الوضع الدولي على صراع بين رأسماليات على طبيعة النظام العالمي الجديد. هذا كان في أساس تفجّر الثورات، وهو في أساس عدم إمكانية حدوث ارتكاسات، لأن الرأسماليات المحلية باتت دون سند عالمي.
ثم أن الثورات نتجت عن وصول الطبقات الشعبية إلى لحظة العجز عن العيش في الوضع الذي باتت فيه، لهذا تحرّكت كاسرة حاجز الخوف و”الحيادية” اللذين كانا يسمانها، وبالتالي اصبحت ترى بأنه لم يعد بإمكانها العودة لقبول ما كانت فيه. وهو الأمر الذي سوف يجعلها تقاتل إلى الانتصار.
والأهم هنا هو أن الشباب الذي عاش في وضع هامشي في السنوات السابقة أصبح في وسط المعمعة، وأصبح هو العنصر الفاعل. وهذا الأمر يؤسس لما أشرت إليه سابقاً من تطور في الوعي والتنظيم والفاعلية، وأيضاً من نهوض في الفكر والثقافة والفن.
وضع الشعب هذا، والوضع العالمي المتضعضع، جعلا النظم المحلية ضعيفة وهشة، وعاجزة عن الحكم. الأمر الذي سوف يقود إلى دخول النظم في أزمات مستمرة لا تسمح لها الحكم المريح، أو الاستبداد في الحكم.
لهذا فإن الثورات سوف تقود إلى بلورة أحزاب قادرة على الانتصار، وهذا ما أشرت إليه قبلاً بشيء من التفصيل.

المصدر: شباب السفير

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s