سلامة كيلة.. الماركسي الإنسان

عائداً من مصر التي شارك ثوارها ميدان تحريرهم من الديكتاتورية، كان سلامة كيلة واثقاً بأن حراكاً وثورة مماثلين لا بد وأن تشهدهما سورية قريباً! وطبيعي أن تسأل نفسك وأنت تستحضر تاريخاً من القهر والإخضاع اللذين دمرا المجتمع وإنسانيته: ما الذي يعرفه هذا الماركسي السوري-الفلسطيني-الأردني فيمنحه كل هذه الثقة؟ أو لربما، ما الذي لا يعرفه فيجعله يعيش وهم التفاؤل؟!

حين تندلع ثورة الكرامة، وينقلب “رفاق” كثر على مبادئهم المعلنة حتى أيام؛ يغدو الجواب الأول عن سر تلك الثقة أن كيلة كان مطلعاً على المؤامرة الإمبريالية الكونية التي تم إعدادها لنظام “الممانعة والمقاومة!”، بل كان أكثر من ذلك، متورطاً فيها تخطيطاً وتنفيذاً طالما أن الثورة السورية كانت لديه أملاً مبكراً لم يتوان عن الدفاع عنه منذ اليوم الأول لتحققه وحتى اعتقاله يوم الثلاثاء الماضي!

لكن هذا الجواب يفرض سؤالاً آخر: هل كان كيلة إسلامياً مندساً، أو عميلاً أميركياً-صهيونياً لسنوات وسنوات بين صفوف اليسار؟ وإلا، بدون صفة الخيانة هذه، كيف يمكن لماركسي-يساري المشاركة مبكراً جداً في مؤامرة يؤكد القائلون بها إنها إسلامية-أميركية؟! أما إن لم يكن مندساً أو عميلاً، فلربما يستطيع “الرفاق” استجداء النظام السوري إخراجهم من “مأزق اعتقال كيلة” بدعوى أن السرطان اللعين الذي ينهش جسده منذ سنوات قد نال من رجاحة عقله، ونال من “ممانعته ومقاومته”. لكن دقائق قليلة جداً مع الرفيق الصلب، شديد حضور الذهن، تكفي تماماً للتشكيك في كل تقارير الأطباء، وإلا فالتشكيك في فتك كل أمراض السرطان.

سلامة كيلة، كان وما يزال ماركسياً وفياً، عروبي الهوى والانتماء. أما تنبؤه بالقادم المأمول فلم يكن أبداً بسبب معرفته عن “المؤامرة الكونية” وتورطه فيها، بل هو بسبب معرفته بحقائق الدمار والخراب الذي ألحقه الاستبداد بسورية الوطن لأجل سورية النظام. وإذ هو بهذه المعرفة لا يختلف أبداً عن كثير من “رفاق المؤامرة” الذين يعلنون تأييدهم للنظام في مواجهة إنسانية الشعب السوري استناداً لذرائع خرافية ساذجة، إلا أن كيلة اختلف عن هؤلاء “الرفاق” بانحيازه لإنسانيته، وبما يؤكد أنه لأجلها وحدها، ووحدها فقط، اعتنق الماركسية. وهذه الإنسانية هي وحدها أيضاً التي جعلت كيلة ثابتاً على مواقفه واثقاً بها بين جمهرة الرفاق المرتعدين المرعوبين من انتصار الإسلاميين في مرحلة ما بعد الثورة التونسية والمصرية. ببساطة، يظل لدى كيلة أن “الإنسان العربي أولاً”.

سلامة كيلة، ورفاق مبدئيته الحقيقيون، يرد اليوم الاعتبار والألق للفكر الماركسي والانتماء العروبي الإنسانيين. وهو بذلك، في المقابل، يعري صدق مبادئ وانتماء كثير من الرفاق الذين ضحوا بالإنسانية على مدى عقود لأجل أنظمة استبدادية، كاشفا عن المؤامرة الحقيقية والمتورطين فيها.. ضد الشعوب.

المصدر: جريدة الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s