دمشق بين الجبهتين الداخلية والخارجية

أعلن «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية»، على لسان مديره أنور البني صباح أمس، اعتقال الكاتب سلامة كيلة فجر الثلاثاء في دمشق من قبل «عناصر من أحد الأجهزة الأمنية السورية لم تعرف هويتهم». كتحية تضامن مع زميلنا الذي ألف السجون السورية طويلاً، ننشر آخر ما أرسله لصفحة رأي في «الأخبار»

سلامة كيلة

بعد أكثر من عام على بدء الثورة، يمكن طرح السؤال: إلى أين وصل الوضع السوري؟ فقد حاولت السلطة أن تشيّع بأنّها حسمت الأمر، رغم أنّها زادت من عنفها من خلال التدمير الممنهج لبعض المدن، وتوسيع القصف ليطاول كل المناطق التي تشهد حراكاً كبيراً، ووسعت من حملات الاعتقال. وظهر بأنّها تخوض حرباً شاملة على كل رقعة سورية، وهو الأمر الذي يوضح أنّها لا تزال غير قادرة على وقف الثورة. وظهر في الفترة الأخيرة أنّها محمولة على «الحليف الخارجي»، أي روسيا والصين وإيران، أكثر مما هي محمولة على قوتها الداخلية. لهذا يتضح الآن أنّ المسألة تتعلق بالمصير الذي سوف تؤول إليه هذه السلطة أكثر مما يتعلق بوضع الثورة الذي يتضح كل يوم أنّها مستمرة. فقد باتت تشمل كل مناطق سوريا تقريباً، وصار واضحاً أنّ حلب ودمشق أصبحتا مشاركتين بقوة، وهما المدينتان اللتان كانتا المثال لوقوف جزء كبير من الشعب مع السلطة. هناك بعض المناطق التي لم تشارك بعد نتيجة الخوف والتخويف الطائفي الذي مارسته السلطة، وأكثر الخوف هو من النظام البديل انطلاقاً من التخوّف العام من وصول «الإسلاميين» إلى السلطة. لكن هذا الأمر سيختلف في الفترة المقبلة نتيجة الأفق الذي بدأ يتّضح للثورة ذاتها.
وهذا الوضع هو الذي فرض على السلطة الانتقال داخلياً إلى خوض الحرب الشاملة، وخارجياً الاتكاء على «الحلفاء الروس».
داخلياً، لن تفيد الحرب في هزيمة الثورة. يمكن أن تضعف الميل العسكري إليها نتيجة عدم التكافؤ، لكنّها لن تستطيع وقف الحراك الشعبي الذي بدأ وليس من الواضح بأنّه يتراجع، رغم كلّ العنف الممارس، وكلّ الدموية التي يواجَه بها المنتفضون. ولا شك في أنّ إبقاءه في «مستوى منخفض» يحتاج إلى استنفار كل أجهزة السلطة القمعية، والاستعانة بآخرين من هنا وهناك. وهو الأمر الذي يستهلك السلطة ويهلك الدولة نتيجة «العجز عن التمويل» الطويل الأمد، وانهيار «الروح المعنوية»، وتفكك القوى التي تُدفع إلى الحرب. ولكن أيضاً العجز عن استمرار توفير «الحماية الدولية» للسلطة من قبل الروس.
وهذا الوضع يفرض أحد أمرين، إما تراجع قدرة الاستنفار وتراخي الأجهزة القمعية، وهو الأمر الذي يقود إلى تصاعد الانتفاضة و«احتلال الساحات» كما يحلم المنتفضون، وبالتالي سقوط السلطة، أو تفكك داخلي كبير يطيح السلطة بشكل أو بآخر، لكي يُفرض حل يوقف القتل ويحقق بعض مطالب الشعب المنتفض.
خارجياً، لن يستطيع الروس حماية السلطة إلى ما لا نهاية، وخصوصاً وهم يرون عجزها عن الحسم وضعفها الداخلي. وإذا كان دورهم مهماً في دعم السلطة، لا سياسياً فقط بل أكثر من ذلك (وهم يتحملون جنائياً ما يحدث من قتل وتدمير)، فإنّ وضعهم العالمي سوف يكون مرتبكاً أكثر، إذ يخسرون «النقلة» التي قاموا بها (مع الصين) حينما حاولوا «وقف العربدة الأميركية» في مجلس الأمن، وعملوا على فرض إيقاع «نظام عالمي جديد». فالولايات المتحدة (التي لا تريد إسقاط النظام، الآن على الأقل) تعمل في إطار سياسة إنهاك الروس في مشكلة عويصة (ربما تكون شبيهة بما جرى للاتحاد السوفياتي في أفغانستان، من دون أن يعني ذلك التدخل العسكري الروسي كما حدث هناك)، تغذيها الدموية التي تمارسها السلطة، والتي تُظهر الروس كمدافعين عن «همجية» لا مثيل لها. إذاً، أميركا (والدولة الصهيونية كذلك) لا تريد نهاية قريبة للصراع في سوريا، وليست معنية بانتصار الثورة، ربما على العكس، تريد تكريسها بعد أن تُنهك، وتحكم قبضتها عليها (ورجال الأعمال الجدد الحاكمون يريدون اللحاق بها منذ زمن). وربما تعتقد بأنّها تستطيع ذلك من خلال إنهاك الروس من خلال عجزهم عن إيجاد حل، والدفاع المستمر عن السلطة. والروس من خلال تمسكهم بالسلطة ودفاعهم المستميت عنها يخسرون كل ما حاولوا تحقيقه على صعيد عالمي. كل ذلك دون أن يربحوا سوريا. وروسيا بذلك توضح أنها أصبحت إمبريالية، لكن من دون أن تستطيع ممارسة الإمبريالية على نحو صحيح، يفضي إلى خدمة مصالح رأسماليتها. ربما ذلك نتيجة سيطرة رأسمالية مافيويّة فيها. لهذا فهي إلى الآن تبرز كإمبريالية غبية. طبعاً، حتى فيما إذا تراجع الروس عن الفيتو في مجلس الأمن، ليس هناك ميل إلى التدخل العسكري في سوريا، بل إنّ الدول الإمبريالية تميل إلى تأزيم الوضع وتخثره كما أشرنا قبلاً. ولذلك سيبدو أثر الموقف الروسي في «شد» بنية السلطة أكثر من أي شيء آخر، وهذا ما يسمح فقط في إطالة أمد الصراع من دون أن يفضي إلى سقوط السلطة. هل سيتغيّر الموقف الروسي؟ بالتأكيد، وربما بدأ. لكن يجب ملاحظة أنّ دورهم سيكون أضعف، وإذا كانوا قد طرحوا حلّاً يشبه الحلّ اليمني عبر تسليم السلطة لنائب الرئيس وتشكيل حكومة «وحدة وطنية» (أو مجلس انتقالي) لقيادة مرحلة انتقالية، وهو الحل الذي رُفض من قبل السلطة، فإنّ العزف على مستوى أدنى للحل، أو حتى الحفاظ عليه لم يعد ممكناً بعد تصعيد القتل والاجتياح العسكري من قبل السلطة، وتصاعد العنف بشكل لا سابق له. فلا الحل دون الرحيل ممكن، ولا تلفيق «وحدة وطنية» يمكن أن يسهم في الوصول إليه. فقد تجاوز الصراع كل الحلول الشكلية التي يطرحونها وبات يحتاج إلى حل حقيقي. وأول مسألة هي التخلي عن «حمل» السلطة وحمايتها كيفما كان، وهذا ممكن، دون الخوف من تدخل «غربي» ليس قائماً، أو التهويل من ذلك لتبرير سياسة هي ضد الشعب السوري. لقد عجزت السلطة عن الحسم بأقصى درجات العنف، واستهلكت خلال ذلك بنيتها وتماسكها، وباتت تتداعى. ولن ينقذها «الحليف الدولي»، لا روسيا ولا الصين ولا إيران أو حزب الله. إنّ فعل سنة وشهر من الثورة يتضح اليوم في ما آلت إليه السلطة من عزلة وعجز وضعف. فحين يصمم الشعب على التغيير، لا أحد يمكن أن يوقف ثورته إلا تحقيق التغيير. هذه بديهية تعلمناها من التاريخ، وهي ماثلة أمام أعيننا اليوم، حين تدمّر القذائف والصواريخ (التي لم تطلق على الدولة الصهيونية) أحياء ومدناً. سنة 2011 هي ليست سنة 1980، والخطة التي نجحت آنذاك هي فاشلة اليوم، إذ إن فئة صغيرة طائفية ليست هي التي تخوض الصراع، بل الشعب.

المصدر: الأخبار

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s