الخلافة الإسلامية وأوهام العودة إلى الوراء

يعود الإخوان المسلمون للتأكيد على تأسيس الخلافة الإسلامية، بعد سنوات من التأكيد على الديمقراطية والحرية، والظهور بمظهر الذي تجاوز الإنغلاق الأصولي. وبعد النجاح الباهر في الانتخابات التي جرت في تونس والمغرب ومصر. حيث أصبح زعماء في هذا التيار يكررون “فكرة” الخلافة، من تونس إلى مصر، بعد أن اعتبروا بأن هذا الانتصار هو انتصار إلهي، أو معجزة إلهية. لقد اعتبروا بأن الله قد منَّ عليهم بالسلطة بعد عقود طويلة، وربما قرون طويلة، من الحرمان.

إذن، الوعد الإلهي قد تحقق، وبات الإسلاميون على أبواب تأسيس “الخلافة السادسة”. ولقد كانت الانتفاضات العربية هي الآذان بحقق هذا الوعد. وكانت أدواتها النظم ذاتها التي ظلت كما هي رغم رحيل رئيسها، والولايات المتحدة التي عقدت التوافق الضروري بين هذه النظم والإسلاميين. لكي تكون نتائج الانتخابات كما شاهدنا.

لكن للإسلاميين تاريخ طويل منذ أن تشكلت جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928. وهو تاريخ تداخل فيه الصراع ضد الحداثة والتحرر بالتفاهم مع الاستعمار الذي كان يخوض معركته ضد الحداثة كذلك، حيث كان يريد السيطرة والنهب وليس تحديث المستمرات. وأيضاً بالصراع ضد الأحزاب الوطنية والعلمانية، وأحياناً ضد النظام الملكي. لكنها كانت واضحة في صراعها مع موجة التحرر والاستقلال التي تبعت الحرب العالمية الثانية، والتي تُوّجت باستلام الجيش السلطة، وتعبيره عن وضع جديد قام على أساس إنهاء الإقطاع عبر تحقيق الإصلاح الزراعي، وتعميم التعليم ومجانيته، والشروع في بناء الصناعة، وتوظيف كل من يدخل سوق العمل، ونشر العلم والثقافة. والارتماء في أحضان مشايخ الخليج، والتنعّم بالأموال النفطية، خصوصاً بعد الفورة النفطية، وتحقيق تشابك مالي مع هؤلاء، والنشاط من أجل تعميم السلفية الوهابية.

هنا نحن، نلمس التناقض التاريخي بين البنى التقليدية، الاقتصادية والأيديولوجية، التي تبلورت في تكوين الإخوان المسلمين، وبين الحداثة التي تمثلت في انتشار أفكار التحرر والقومية والاشتراكية، والتي كانت تعبّر عن نشوء طبقات جديدة بفعل التأثير الاستعماري، وتبلورت في أحزاب وحركات سياسية عديدة. هذا التناقض الذي لاقى رعاية الرأسمالية الانجليزية التي كانت تعمل على تكريس البنى التقليدية من أجل تحقيق التحوير فيها وفق مصالح الرأسمال الإمبريالي ذاته، وهذه المصالح كانت تتناقض مع كل ميل لتحقيق التطور والحداثة لكي يتحقق النهب الضروري لذاك الرأسمال.

ثم نلمس كيف أصبح الإسلام السياسي جزءاً من مشروع الرأسمال النفطي، الذي استشعر الخطر الذي يمكن أن ينتج عن الميل التحرري العربي من زاوية تهديد “المصدر النفطي” ذاته، كون النفط هو “عربي”. للوصول إلى “توهيب” المنطقة كسدّ في وجه كل الأفكار التحررية.

الأصولية والتمويل المالي السعودي

فأحد تسريبات موقع ويكليكس هو الإشارات الأميركية إلى التمويل السعودي للتنظيمات “الإرهابية”، في العراق وأماكن أخرى. وربما ليس مفاجئاً هذا الموضوع، لكن نحن هنا إزاء “وثيقة” تشير إليه، وبالتالي بتنا نتعامل معه كحقيقة. وهو في كل الأحوال حقيقة، وحقيقة لم تظهر الآن بل نشأت بشكل فاقع منذ عقود أربعة تقريباً، أي بعد الطفرة النفطية بالتحديد. وهذا التحديد لا يعني بأنه قبل ذلك لم يكن هناك دعم سعودي خليجي للقوى الأصولية، والإخوان المسلمين خصوصاً، بل يعني بأن المسألة قد أصبحت في مرحلة أرقى، وتهدف إلى مسائل أعمق.

وإذا كان الصراع في الوطن العربي قد تبلور منذ بداية خمسينات القرن العشرين بين “قوى التحرر والتقدم” وبين “الرجعية”، أي بين النظم التي أسقطت القوى الحاكمة وأعلنت الجمهورية، ودعت إلى التحرر والوحدة والتقدم، وبين النظم التي لم تتغير وظلت على حالها، فقد كانت القوى الأصولية جزءاً من الصراع ضد النظم الجديدة، وترابطت مع نظم السعودية والخليج برباط وثيق (وبدعم مالي هائل)، وأصبحت جزءاً من الصراع ضد التحرر والتقدم. وهذه القوى كانت قد نشأت كذلك منذ البدء، حيث عملت على تكريس “القيم” والتشريع والسيطرة التي كانت قائمة في الأيديولوجية الإسلامية، وبالتالي كانت في صراع مع كل قيم الحداثة والتحرر والقومية والاشتراكية، واعتبرت أن كل هذه القيم هي إلحاد مما يوجب الصراع ضدها. وهنا كانت في صراع عنيف مع الأحزاب التي سعت من أجل التقدم والتحرر، وعملت على تطوير الاقتصاد وبناء الصناعة. وحين وصلت هذه الأحزاب إلى السلطة دخلت في صراع عنيف معها. وحين فشلت هرب كادرها إلى السعودية ودول الخليج، وأصبح يعمل في التجارة (العادية وتجارة الدين) مدعوماً من النظم هناك. ولهذا أصبح جزءاً من التشابك المالي المصلحي الأيديولوجي مع الرأسمال الخليجي. وربما كانت البنوك الإسلامية هي التعبير عن هذا التحالف.

بعد هزيمة حزيران وبدء انهيار “المشروع القومي”، ثم بعد الطفرة النفطية بعيد حرب أكتوبر سنة 1973، أصبحت السياسة تفرض ليس إكمال انهيار المشروع القومي فقط، فهذه ضرورة لكنها قد بدأت بالفعل، بل التأسيس لوضع لا يسمح بنشوء ميل للتحرر والتقدم. فلقد أوضحت تجربة التحرر التي بدأت مع ثورة يوليو في مصر أن انتشار الميل التحرري الوحدوي في بلدان مثل مصر وسورية والعراق سوف يفرض السعي إلى “التوسع” والسيطرة على النفط، حيث “نفط العرب للعرب” كما كان الشعار في عز المد التحرري، وهو أمر يعني انهاء سيطرة “الملوك والأمراء” وإنهاء “تملكهم” للفوائض النفطية. لأن الإطار العربي هو الذي يجمع هذه المنطقة، وبالتالي يكون منطقياً السعي للسيطرة على ثروة عربية من أجل تحقيق التطور الاقتصادي.

هذا الوضع أعطى أهمية أكبر لدور الأصولية، ولنشر الفكر الأصولي (الوهابي خصوصاً، وجماعة الإخوان في “صلة رحم” معها). إن الدفاع عن الذات فرض التحول نحو الهجوم في إطار إستراتيجية إمبريالية تهدف إلى قطع كامل لطريق التطور من خلال تعميم الأصولية والتفكيك الطائفي. ولهذا أصبحت الإستراتيجية “النفطية” تنطلق من تعميم الفكر الوهابي، ونشر الأصولية في كل أرجاء الوطن العربي. ولقد خصصت ميزانيات كبيرة لهذا الغرض، بلغت قبل سنوات قليلة مليار ومائتي مليون دولار في بلد كالسعودية، وهو مخصص لنشر “الفكر” ومساعدة تعميم الوهابية. دون أن نشير إلى المبالغ الهائلة التي وضعت لدعم “المجاهدين” في أفغانستان ضد “الاحتلال” السوفيتي، حيث تقوم المخابرات الأميركية في تدريب الحشود المرسلة من قبل النظم “الرجعية” هذه.

لكن المسألة كانت تتعلق أكثر بالوطن العربي، حيث أن الكتلة الأساسية من الدخل القومي تتمركز في البلدان النفطية، وتتحكم فيها عائلات محدودة تحكم بدعم إمبريالي، وبحماية إمبريالية، وفي الجهة المقابلة يتمركز الفقر والعوز وكتل كبيرة من العرب المفقرين. وهؤلاء هم وقود الثورات، كما حدث في منتصف القرن الماضي، وكما يمكن أن يحدث من جديد. لهذا يجب خوض “حرب استباقية” تهدف إلى تدمير إمكانية تمرّد هؤلاء، والى إخضاعهم لـ “وعي” قروسطي لا يفضي سوى إلى تحقيق التدمير الذاتي. وبالتالي كان يجب أن يتحوّل الصراع من صراع طبقي، وميل تحرري وحدوي، إلى صراع على أساس وعي قروسطي، يقوم على “دين” مفقر من كل قيم سوى قيم شكلانية، ومتطرف رافض لكل “بدعة”، وفاعل في فرض منطقه الشكلاني الذاتي. هذا في مستوى، وفي الآخر “دين” يقرر الجهل قانوناً، يحارب العلم والفكر، ويكرس الفتاوى “فكراً” جامعاً، كما يقرر الثقافة بما هي مبسطات قيلت عن الإسلام، وفهم “مبسط” عن الدين، وفتاوى نشأت في لحظة انهيار الحضارة، وكانت تنطلق من أنه يجب تأسيس “فرقة ناجية”. لهذا كفّرت الآخرين جميعاً، بما في ذلك الأديان الأخرى، وبالتالي عممت سياسة التكفير.

كل ذلك كان يتجمع في الوهابية، التي بدأت كحركة مناهضة لـ “الأصنام” لكنها تحولت إلى أيديولوجية تعمم الجهل والتجهيل والتكفير. وهي الحركة التي أصبحت الحليف الأساس للعائلة السعودية في تثبيت سلطتها. ومن ثم أصبحت الأيديولوجية الضرورية لتعميم الجهالة في كل الوطن العربي.

لقد كانت الفورة النفطية لحظة حاسمة في الانتقال إلى مرحلة “تعميم” الأصولية، ولهذا أصبحت ميزانيات الدولة تخصص جزءاً يتصاعد من أجل دعم “نشر الدين”، سواء من خلال طباعة الكتب أو دعم دور النشر والمجلات، أو من خلال تمويل المجموعات التي تقبل النشاط من أجل نشر الوهابية. كما مولت الدولة السعودية “المجاهدين الأفغان” لعقود في الصراع ضد “الإلحاد” السوفيتي، لكن خدمة لإستراتيجية إمبريالية هدفت إلى إضعاف الاتحاد السوفيتي واستهلاكه في حرب طويلة. وهؤلاء هم الذين أصبحوا “زعماء” القوى الأصولية التي ترفع شعار الحرب ضد الغرب، وتقاتل الأديان والطوائف الأخرى، كما وتنشر الجهالة والقيم القروسطية.

إذن، حين تكشف ويكليكس بأن السعودية تمول هذه القوى، فهي تكشف ما هو معروف، وتعطي مستنداً لدور كان ولازال قائماً من اجل أن يتعمم وعي القرون الوسطى، وصراعات القرون الوسطى وقوى القرون الوسطى.
بالتالي يمكن إجمال المسألة في أن المملكة السعودية لمست بأن كل تطور في الوطن العربي سوف يقود إلى طرح المسألة العربية ككل، لأنه يحمل مشروع تحرر ووحدة وتطور عام، يقود حتماً إلى البحث عن إنهاء النظم النفطية التي تمتلك الكتلة الأضخم من الدخل القومي العربي. وهو الأمر الذي يطرح مسألة التحكم العربي بمنابع النفط ووضعه في خدمة التطور العربي العام. ولهذا أصبحت معنية بمنع كل تطور ممكن، كما كانت تفعل الدول الإمبريالية. الأمر الذي طوّر إستراتيجية مشتركة، خصوصاً بعد الطفرة النفطية، تقوم على “تعميم أفكار القرون الوسطى” التي تحصر الدين بما هو شكلي و”أخلاقي” من جهة، لكنها تقوم على رفض كل فكر حديث، سواء الليبرالي أو القومي أو الاشتراكي، وكل فكر تحرري من جهة أخرى. وتنطلق من رفض كل “البنى المادية الحديثة”، وبالأساس بقوى الإنتاج التي تُعتبر هي أساس “استجلاب” الفكر الحديث. وهنا تكون المعركة مع كل الفكر، والثقافة، وبتكريس “ثقافة” تقوم على تكرار مبسطات “دينية”، وكتيبات “أسطورية”، وتكريس العيش “في الماضي” من خلال تمثّل وضع ماضوي هو وضع المجتمع العربي بعد انهيار الدولة “الإسلامية”. أو إلى بساطة شكلية تنسب إلى المرحلة الأولى من نشوء الدولة.

الأساس في هذه المعركة هو ليس نشر الدين كما تدّعي هذه النظم بل تدمير كل وعي ثقافي وتطور فكري، وتهديم كل ميل تحرري وسعي لتحقيق التطور. أي تدمير إمكانية تبلور أفكار وأيديولوجيات تطرح بديلاً تقدمياً يتضمن حل مشكلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. بالتالي تدمير إمكانية نشوء بديل يتجاوز الطابع الاقتصادي الذي يكرّس هذه النظم ويكرّس الارتباط بالطغم الإمبريالية، الاقتصاد الريعي الذي يسمح بنهب الثروات وإفقار الشعب.

في مستوى آخر كان ضرورياً وجود قوى “فعلية” تحمل الأفكار الأصولية، وتحارب الأفكار التقدمية والقوى التي تحمل مشاريع التطور. هذا تحقق من خلال دعم جماعة الإخوان المسلمين، وتشكيل مجموعات وقوى أصولية مختلفة (السلفية). ومحاولة السيطرة على الجوامع في مختلف البلدان العربية من خلال الدعم المالي وتكريس مشايخ تحمل الفكر الوهابي، لتعبئ ضد كل ميل تحرري، وتكريس “وعي القرون الوسطى”. بمعنى أن الممكلة السعودية عملت على بناء “بنى محلية” تعمم إستراتيجيتها، مدعومة بفيض مالي هائل.

هنا دفعت مليارات الدولارات لكي يُمنع التطور، ويحارب الفكر، وتدمر الثقافة. كل ذلك من أجل تكريس سيطرة عائلة على السلطة، وبالتالي على النفط، وتوظيفه في فساد ذاتي، ووضغه في عجلة الاقتصاد الإمبريالي لخدمة الإمبريالية ذاتها. وهنا عائلة تنهب ثروة عربية ليبقى الشعب مفقراً ومتخلفاً.

وضع الإسلام السياسي

إذن، لقد تشكّلت “شراكة مالية” بين الإسلام السياسي والسعودية خصوصاً، وبات الإخوان المسلمون جزءاً من سياسة مدعومة، رغم أن السعودية لم تقف عند هذا الحد بل عملت على تعميم الوهابية من خلال التواصل “المصلحي” مع رجال دينفي البلدان العربية كلها.

لكن التحوّلات العربية بعد عام 1970 فتحت الباب واسعاً لكي يتمدد الإسلام السياسي ويصبح جزءاً من سياسة النظم التي حكمت بعد هذا العام وقوى اليسار والقومية التي ارتبطت بالمشروع القومي، والناصري خصوصاً. فقد عملت النظم هذه، بالتوافق مع الولايات المتحدة والعربية السعودية على شنّ هجوم مضاد ضد الفكر القومي واليساري، وكل ميل حداثي، وتعميم القيم الأصولية، والدفع نحو هيمنة الحركات الإسلامية. بالتالي كانت الخطوة الأولى داخلية، أي تطال كل بلد سيطرت فيه أحزاب قومية أو يسارية. وكان الهدف هو تصفية إرث عقود التحرر والاستقلال والوحدة القومية.

النقلة الأخرى تحققت مع الانتقال إلى “حرب عالمية ضد الشيوعية” بعد احتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان سنة 1979. فقد بدأ التجييش ضد الشيوعية والإلحاد (والقومية والتحررية واليسار والعلمانية)، تحت شعار “تحالف الإيمان ضد الإلحاد”. وبدأ تشكيل كادر عسكري “سياسي” بتدريب أميركي باكستاني وتمويل سعودي.

لكن هذا السياق فرض الانتقال إلى تطوير الصراع ضد النظم “الأميركية” وغيرها، حيث اصبح هدف مجموعات إسلامية جهادية هو إسقاط النظم والسيطرة على السلطة لإقامة “دولة الخلافة”، وإعلان أمير المؤمنين. وشمل ذلك مصر والجزائر خصوصاً رغم وجود هذا النمط من المجموعات في بلدان أخرى. ولقد ضمّت فئات مهمشة بالأساس اعتمدت أفكار سيد قطب حول “الجاهلية الجديدة”، و”الحاكمية”. وكانت نشأت في مصر أواسط السبعينات من القرن العشرين، وامتدت إلى سورية وبلدان أخرى. ومن ثم اندمجت بـ الحرب ضد الإلحاد” في افغانستان. من ثم لتعود إلى بلدانها وتعيد الصراع ضد النظم.
لكن كانت جماعة الإخوان المسلمين قد مكّنت ذاتها، وأصبحت تلعب دور المعارضة ضد النظم. وهو الأمر الذي وسّعها في الوقت الذي كان فيه اليسار يتراجع وتبهت معارضته، ويصبح ليبرالياً، أو يركّز على الديمقراطية فقط. ولقد حكمت في السودان بعد انقلاب عسكري في تجربة فاشلة منذ سنة 1989.

وأسس حادث 11 سيبتمبر سنة 2001 لأن يصبح الإسلام السياسي هو القوة المواجهة لـ “الإمبريالية”، وان يكون، مع دور حزب الله وتحرير لبنان سنة 2000، ثم دور حركة حماس ضد الاحتلال الصهيوني، هو القوة “البديلة” التي تعبّر عن “الشعب”. وبهذا سيطر الإسلام السياسي على مشهد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. لقد ظهر وكأن الصراع “العالمي” هو بين “الغرب” والإسلام. وكان يبدو أن الإمبريالية الأميركية تعمل على تطبيق نظرية “صراع الحضارات” التي وضعها صمويل هنتنغتون موضع التطبيق. وهو الأمر الذي جعل بن لادن بديل غيفارا، والإسلام السياسي بديل “الشيوعية” واليسار. وأوجد رمزية في الوعي الشعبي لمصلحة هذا الإسلام، الذي تحدد في الأخير بالإخوان المسلمين بعد انهيار التجارب “الجهادية” في العديد من البلدان العربية.

وبهذا أصبحوا قوة سياسية فاعلة، وتمتلك أموالاً هائلة، ولديهم رمزية تشير إلى أنهم “معارضة”، وضد أميركا و”إسرائيل”. وضموا فئات تجارية قوية، وأسسوا لعلاقات اجتماعية عبر “العمل الخيري”.
لكن مشاركتهم في الانتفاضات كانت هزيلة. في تونس بدأت الانتفاضة ونجحت وهم غائبون. وفي مصر قرروا عدم المشاركة وطالبوا باصلاحات فقط، وشاركوا بعض حدوث الانتفاضة ووضوح قوتها. وفي ليبيا ساعدوا دون أن يكونوا القوة الأساس. وفي سورية ليس لهم دور فعلي سوى عبر الإعلام والنشاط الخارجي. وفي الأردن هم مع الإصلاح والتفاهم مع النظام. وفي المغرب شارك اتجاه في حركة 20 فبراير ثم انسحبوا. وفي اليمن هم جزء من أحزاب المعارضة رغم مشاركة “شبابهم”.
ويبدو اليوم أنهم الذين يحصدون نتائج الانتخابات لكي يحكموا في تونس ومصر والمغرب، وربما في بلدان أخرى. هل هي “معجزة إلهية” كما اشار بعض الإسلاميين، وما يسكن في وعيهم جميعاً؟ هل أن “الوعد الإلهي” يتحقق؟

هذا ما يهيمن على وعي “المنتصرين”. ربما لم يعتقدوا بأنه يمكن لهم أن يصلوا السلطة، أو أن “الشرط الأميركي” سوف يصلهم فيتحقق الوعد.
وهل تحقق ما أرادته السعودية من كل المليارات التي صرفتها دعماً للأصولية الوهابية، بوصول الإسلاميين إلى السلطة في كل هذه البلدان العربية؟
كل الانتصارات إلهية؟

في السابق كانت الهزائم إلهية كما بشرنا محمد متولي شعراوي وكثير من المشايخ، فقد عاقبنا الله على الكفر الذي غمرنا. واليوم أصبحت الانتصارات إلهية كذلك، كما “يكرز” علينا بعض المشايخ. فقد اعتبر حسن نصرالله انتصار تموز سنة 2006 انتصاراً إلهياُ متجاهلاً كل الجهد الذي بذل لبناء قوى عسكرية قادرة على المواجهة، أو بالتالي، رغم بناء القوى العسكرية القادرة، معتبراً بأن الدولة الصهيونية لا تهزم إلا بـ “قرار إلهي”. ولهذا فإن كل مجهودنا لا قيمة له، ولن يكون مؤهلاً لتحقيق الانتصار دون هذا “القرار الإلهي”. إذن، لمَ نجهد من أجل بناء القوى؟ ونتعب في التفكير في مواجهة الإمبريالية؟ يكفينا “السراط المستقيم” لكي نحقق انتصارنا.

والآن، أصبحت الثورات العربية “معجزة إلهية”، وأصبح طرد الرؤساء “انتصاراً إلهياً”. هذا هو “الوعي العام” الذي يحكم الإسلاميين الذين باتوا يعتقدون بأن هذه المعجزة الإلهية ستأتي بهم إلى الحكم حتماً. ولهذا يتحضرون ليل نهار، ويتصرفون على هذا الأساس حتى قبل “الانتصار”. ربما وصلهم “الوعد الإلهي”؟

من حق كل أن يفكّر بالطريقة التي يريد، لاشك في ذلك، لكن لا بد من القول بأن الشعوب هي التي صنعت كل ذلك. لقد انهزمت وانتصرت نتيجة وضعها هي. ولكل حالة أسبابها لدى الشعوب ذاتها. وبالتالي لا بد من التأكيد على أن الشعوب هي التي تصنع مصيرها، وأن نضالها هو الذي يحقق انتصارها.

بالتالي فما الذي جعل القوى الأصولية التي لم تشارك جدياً في الانتفاضات تصل إلى السلطة عبر انتخابات “ديمقراطية”؟
هنا لا بد من تلمس صيرورة الوضع خلال العقود الأربع السابقة، التي أفضت إلى انهيار كل البدائل الأخرى، خصوصاً اليسار. والرمزية التي لحقت بالإسلاميين في سياق الصراع العالمي والمحلي كما أشرنا للتو. ولكن لا بد من أن نلمس الموافقة الأميركية على إدماج الإسلاميين بالنظم التي عملت على تشكيلها بعيد انتصار الانتفاضات، أو من خلال القطع على انتصار الانتفاضات عبر عملية الالتفاف التي قام بها الجيش، والتي حافظت على الطبقة المسيطرة ذاتها (وهي طبقة مافياوية)، وبالتالي التفكير في إعادة إنتاج النظم ذاتها من المنظور الطبقي، لكن مع تغيير الشكل السياسي عبر إشراك قوى توافق على ثوابت النظام القديم، وتريد أن تكون مشاركة في السلطة، أو هي السلطة.

جملة هذه العناصر هي التي أفضت إلى أن يحصد الإسلاميون نتائج الانتخابات. وأرقام نجاحها ليست مرعبة، حيث أنها حصدت 18% من أصوات الذين يحق لهم الانتخاب، وفي المغرب أقل من ذلك بقليل. أما في مصر فقد ساعدهم المجلس العسكري من خلال اصدار قرار بدفع غرامة تبلغ 500 جنيه على كل من لا يشارك في التصويت، وهو الأمر الذي جعل ماكينة الإسلاميين التنظيمية، ومقدرتهم المالية، الوسيلة التي جذبت المصوتين (من الفقراء خصوصاً) لمصلحتهم (فقط بفعل توفير وسيلة توصيلهم لصناديق الاقتراع بعد تخويفهم من دفع الغرامة). وهنا لا يمكن حساب الحجم الفعلي هؤلاء، الذي لن يكون أكثر مما لهم في تونس والمغرب. رغم الحجم الأكبر الذي حصلوا عليه في البرلمان.

لهذا فإن الفراغ السياسي، والرمزية، والمقدرة التنظيمية المالية، وأساساً الحظوة السلطوية الأميركية، هي التي أوصلت الإسلاميين إلى السلطة. وبالتالي ليس وصول الإسلاميين إلى السلطة هو انتصار لهذه الثورات بل صفقة مع النظام القديم الذي اضطر إلى إعادة صياغة ذاته، وبمباركة أميركية.

السلطة الجديدة

وبالتالي الثورات إلى الآن لم تنتصر، رغم أنها ضعضعت النظم وأضعفت إمكانية سيطرتها.
فكما أشرت، الثورات لم تنتصر بعد لأن الطبقات الشعبية التي خاضتها لم تحقق مطالبها، هذه المطالب التي لا تتحقق إلا بتغيير عميق في النمط الاقتصادي للنظم، وهو الأمر الذي لا يستطيعه الإسلاميون لأنهم مع النمط الاقتصادي الريعي القائم، ومع إعطائه “شرعية دينية”. ولقد صرحوا بذلك في تونس ومصر، حيث اشار العديد من قادتهم بأنهم لم يختلفوا مع السياسة الاقتصادية لنظام بن علي وحسني مبارك، ولهذا سوف يستمرون فيها. وهم ليسوا قادرين على تحقيق الديمقراطية لأنهم يعيدون الأمر لله في وضع يفرض أن يكون الشعب هو مصدر التشريع والسلطات. ويميّزون بين المواطنين الذين يقاتلون الآن معاً في الانتفاضات على أساس الدين والطائفة، وهو ما يتناقض مع أبسط قيم الديمقراطية.

بمعنى، أنه إذا كانت فئات اجتماعية قد صوتت لهؤلاء على أمل أن يحلوا مشكلاتها، فإن تجاهلهم لهذه المشكلات، وتصميمهم على الاستمرار في السياسة الاقتصادية ذاتها التي أفضت إلى الانتفاضات، سوف يجعل كل المراهنين عليهم ينقلبون مناضلين ضدهم، مع فئات لازالت تقاتل في الشارع من أجل العمل والأجر، والتعليم المجاني، والصحة المجانية. وآخرين يناضلون من أجل الدولة المدنية في مواجهة كل الدعوات الآن لإقامة “الخلافة الإسلامية”. أي أن كل الطبقات الشعبية التي انتفضت ضد بن علي وحسني مبارك سوف تنتفض من جديد من أجل تحقيق المطالب ذاتها. وهنا سوف تتلاشى “الخلافة الإسلامية”، ويصبح الإسلام السياسي هو الذي سيسقط.

لقد أصيب الإسلام السياسي بالغرور الشديد بعد النجاح الذي حققه، لأنه بالضبط لم يعرف لماذا انتصر بعد أن كان دوره هامشياً في الانتفاضات. ولسوف يفيق من نشوته هذه على وقع انتفاضة جديدة تطيح به وبأوهامه. وتفتح الأفق لانتصار الحداثة ومصالح الطبقات الشعبية، والدولة المدنية الديمقراطية. وهنا سوف يطاح بكل أوهام ملوك النفط وسياساتهم.
بالتالي ما يجب أن نعرفه جيداً هو:

أن الشعب هو وحده الذي يفرض الانتصارات، إنه زمن الشعب، هل نعيد الاعتبار لهذه الكلمة؟

المصدر: مركز المعلومات البديلة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s