سوريا والدستور الجديد: هل انتهى الإصلاح؟

حين تبدأ الثورة، يصبح الإصلاح متأخراً، ولا يمكن أن تقوم الثورة أصلاً ما دامت إمكانية الإصلاح متوافرة. ولا يمكن لشعب أن يثور، وهو يعرف أنّه يمكن حل مشكلاته من خلال الإصلاح، لأنّه لا يتقدم نحو الصدام مع السلطة الذي يحتمل الموت، ما دام يعتقد بإمكانية ما للإصلاح وتغيير وضعه من خلال السلطة ذاتها. بمعنى أنّ الثورة هي نتاج انسداد الأفق أمام كل إصلاح، وأنّ الإصلاح بعد نشوب الثورة يكون متأخراً جداً، لأنّ الزمن الثوري قد تجاوزه، وأصبح المطلوب هو تغيير كلية البنية الاقتصادية والسياسية.

تلك بديهيات، ومن الأولى في الفهم العلمي. ولذلك، حين نوضع إزاء المقارنة في سوريا بين الثورة التي بدأت في 15 آذار/ مارس، وبين الإصلاحات التي تقدمت بها السلطة منذ أوائل نيسان، يكون القول الفصل هو في أنّ الإصلاحات متأخرة، وبالتالي فات زمانها، لأنّ الفعل هو للثورة.

نسمع عن الإصلاح منذ عقدين، إذ فرضت التحوّلات العالمية منذ 1989 بانهيار جدار برلين ونشوب الموجة الديموقراطية في كل بلدان أوروبا الشرقية و«الاتحاد السوفياتي»، تخوّفاً سورياً من استمرار جمود النظام السياسي، وأزمة الاقتصاد. دفع ذلك إلى الحديث عن تحقيق الديموقراطية «خلال عام»، سرعان ما تراجع بعد انتصار الإسلاميين في انتخابات الجزائر، وبدء تفكك الاتحاد السوفياتي. ولقد انتظرت المعارضة السياسية، والشعب، الإصلاح السياسي منذ 1990، حينما هبت «رياح الديموقراطية» هناك، فأتى «الإصلاح الاقتصادي» الليبرالي بالقانون الرقم 10 لسنة 1991، الذي فتح طريق اللبرلة. بدأ حينها تدهور الوضع المعيشي لقطاعات متسعة من العمال والموظفين، وأصبح التمركز الاقتصادي يميل لمصلحة القطاع الخاص. ثم انتظر الشباب المنتفض اليوم، كما انتظرت المعارضة السياسية، تحقيق الإصلاح منذ 2000، مع تولي بشار الأسد السلطة، والوعود التي أطلقها في هذا المجال. فتعمق «الإصلاح الاقتصادي» وانتصرت اللبرلة التي كانت في أساس نشوب الانتفاضة. وبالتالي أصبح القطاع الخاص يسيطر على 70% من الاقتصاد الوطني، وتراجعت الضرائب المتحصلة من 16% إلى 11% من مداخيل الميزانية، وشهدنا تمركز الثروة والإفقار الشديد.

لذلك، حين بدأت الثورة، كان زمن الإصلاح قد ولى بالتأكيد. وتدخل كل الخطوات «الإصلاحية» التي تقوم بها السلطة في باب الإعلام، والتغطية على شدّة العنف والقتل والتدمير الذي يجري في كل مناطق سوريا، إذ إنّ الدستور الجديد (الذي هو تعديل في الدستور القديم ولا يشكّل صياغة لدستور جديد) يكرّس «الوقائع» التي تحققت في العقد الأخير، سواء في الاقتصاد أو في «الحرية السياسية»، من دون أن يمسّ الطابع الأساسي للسلطة. وبالتالي، يكرّس الدستور كل المشكلات التي أفضت إلى الثورة، ويأتي كخاتمة خطوات قدّمت تعديلاً شكلياً في وضع السلطة القائم، من إلغاء حالة الطوارئ إلى قانون الإعلام وقانون الأحزاب. ولذلك، لم تكن «مسيرة الإصلاح» متأخرة فقط، بل ميتة بالأساس. لأنّ كل «الإصلاحات» تبقي الرئيس في موقع مركز السلطة المطلق. ولن نقارن هنا بـ«إصلاحات» حسني مبارك أواسط الثمانينيات لأنّها كانت أوسع، مع الفارق الزمني والتغيّر العميق في الواقع.

وإذا كانت القوانين التي صدرت سابقاً، والمتعلقة بالأحزاب والإعلام، تربط الموافقة بالسلطة التنفيذية (التي يجب أن تكون منافساً وليس حكماً كونها تمثّل حزباً ما)، فإنّ مشروع الدستور يكرّس ربط كل السلطات بالسلطة التنفيذية التي محورها الرئيس.

المتغيّر الأول في مشروع الدستور يتعلق بـ«المبادئ الاقتصادية» التي ظهر واضحاً تجاوزها مرحلة «الاشتراكية» لمصلحة تكييف الدستور مع الوقائع التي تحققت خلال العقدين الأخيرين، عبر فتح الباب واسعاً لتكريس اللبرلة بالشكل الذي تحققت فيه. وإذا لم يكن الاقتصاد اشتراكياً خلال العقود السابقة، بل عبّر عن «رأسمالية دولة» تقوم على الملكية الخاصة، لكنّها تلعب دوراً في الاقتصاد بما يسهم في الاستثمار في الإنتاج وحماية السوق والتوظيف الشامل، فإنّ الجديد هو تكريس الوضع الاقتصادي الذي شكلته الفئات التي نهبت القطاع العام وتحوّلت إلى «رجال أعمال جدد». وهؤلاء يتحكمون بما يقارب 60% من الاقتصاد، وحققوا ذلك عبر سلطة فائقة المركزة، ومتمحورة حول منصب الرئيس.

فالنظام لا يزال جمهورياً، والسيادة للشعب، لكن يمارسها ضمن الأشكال والحدود المقررة في الدستور (المادة الثانية). كيف تمارس؟ بانتخاب رئيس ومجلس شعب، وهنا سنلمس استمرار الشكل القديم ذاته، لدور مجلس الشعب الذي يتولى السلطة التشريعية، حسب ما هو مبيّن في الدستور، ولدور الرئيس الذي يمارس نيابة عن الشعب، بالتعاون مع مجلس الوزراء الذي يشكله هو «السلطة التنفيذية» (المادة 83). وهنا يبرز «فصل السلطات» بين التشريع والتنفيذ، لكن من حيث الشكل، إذ إنّ تعبير «على الوجه المبين في الدستور» الذي يكمل جملة أنّ المجلس يتولى السلطة التشريعية، له أهمية لأنّه يقود إلى حصر التشريع في «إقرار القوانين، مناقشة بيان الوزارة، إقرار الموازنة العامة للدولة، إقرار خطط التنمية …» (المادة 75)، انطلاقاً من حق أعضاء المجلس في «اقتراح القوانين وتوجيه الأسئلة والاستجوابات للوزارة أو أحد الوزراء» (المادة 74). وسنلمس بأن الوزارة هي المسؤولة عن تنفيذ بياناتها أمام مجلس الشعب (الفقرة 2 المادة 76)، رغم أنّ رئيس الجمهورية هو الذي يمارس السلطة التنفيذية. وبالتالي سوف يكون الرئيس فوق المحاسبة، رغم أنّه هو الذي يسمي رئيس الوزراء والوزراء (المادة 97)، ويضع السياسة العامة للدولة في اجتماع مع مجلس الوزراء، ويشرف على تنفيذها (المادة 98). بالتالي، ليس من حق المجلس محاسبة رئيس السلطة التنفيذية سوى في حالة الخيانة العظمى (المادة 117).

في المستوى الآخر، نجد أنّ «السلطة القضائية مستقلة، ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال، ويعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى» (المادة 132)، و«يكفل مجلس القضاء الأعلى توفير الضمانات اللازمة لحماية استقلال القضاء» (الفقرة 2 من المادة 133). وهنا ينتهي استقلال القضاء ما دام قد خضع للرئيس. فـ«المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة» (المادة 140)، لكن يسمي الرئيس أعضاءها (المادة 141)، وهي المختصة بـ«الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح والأنظمة»، و«الإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية» والنظر في الطعن بصحة الانتخاب، وإبداء الرأي بناء على طلب الرئيس (المادة 146). أي أنّها، وهي معينة من قبل الرئيس، تقر بدستورية قوانين مجلس الشعب والإشراف على انتخاب الرئيس ذاته. ويصبح الرئيس هنا هو الحاكم لتشريع وقوانين مجلس الشعب، ولإعادة انتخاب ذاته دون طعن.

وإذا كان الدستور قد قرر «التعددية السياسية» (المادة الثامنة)، فإنّ القانون الذي صدر لتنظيم تكوين الأحزاب يفرض أن تكون اللجنة المؤلفة لدراسة طلبات الحصول على موافقة، مشكّلة من أغلبية يختارها الرئيس زائد وزير الداخلية (أي 4 من خمسة). بمعنى أنّ حصول الحزب على النشاط مرتبط بموافقة السلطة التنفيذية، وليست سلطة قضائية مستقلة. ولقد ظل وضع «المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والجمعيات» كما كان، خاضعاً للسلطة التنفيذية (أي في وضع التعددية السياسية خاضع لقرار حزب يحكم).

لذلك، ورغم شطب المادة الثامنة التي تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع (وأصلاً لم يكن البعث سوى الواجهة لسلطة رئاسية مطلقة، وبالتالي ما تحقق هنا هو إزاحة هذه الواجهة التي كانت قد تلاشت خلال العقد الأخير بسيطرة الليبرالية)، فإنّ تكوين السلطة ظلّ كما هو، رئاسياً مطلقاً، مع فصل شكلي للسلطة التشريعية والقضائية، إذ إنّها كلّها تعود لكي تخضع لسلطة رئيس الجمهورية.

وإذا كانت الثورة قد أسقطت كل إمكانية للإصلاح كما أشرنا، فإنّ هذا الإصلاح شكلي إلى الحدّ الذي يظهره ككاريكاتور في عصر الثورة. لكنّه يوضّح كذلك بأنّ السلطة الحاكمة الآن لا تمتلك أي إمكانية لتقديم تنازل عن السلطة المطلقة التي تتمتع بها، وأن على الشعب أن يقبل اللعب بالكلمات.

هذه هي نهاية مسيرة الإصلاح التي بدأت في أوائل نيسان 2011، وهي نهاية مضحكة. وهي تؤكد الإحساس العفوي البسيط لدى الطبقات الشعبية التي لم تخرج إلا بعدما تيقّنت بأنّ هذه السلطة لا تُصلح، لهذا يجب أن تُزاح.

المصدر: الأخبار

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s