فلاح علوان في حوار مع المناضل و الكاتب اليساري الرفيق سلامة كيلة حول الاوضاع في سوريا

395478_267808346625168_1790856762_n
الرفيق العزيزسلامه كيله المحترم
بعد التحية؛
اود توجيه بعض الاسئلة التي اتمنى ان يتسع وقتك لها، والتي ارى انها ضرورية لتسليط الضوء على قضية مهمة.

1- يقول تولياتي في احدى ابحاثه ما معناه؛ ان الفاشية لا تسقط الا بتدخل خارجي. وقد اكدت العديد من الوقائع صحة هذا التصور لدرجة انه يمكن اعتباره اكثر من ظاهرة. وكمثال، المانيا النازية، ايطاليا، اليابان، العراق، ليبيا، مع بعض الاستثناءات التاريخية. ما مدى علمية وتاريخية هذا التشخيص برايك ومن اين يستمد موضوعيته؟

***** أظن أن تولياتي لم يكن دقيقاً في الأمر، فما هي الفاشية أولاً؟ أليست هي الطبقة الرأسمالية وهي توحد الشعب خلفتها تحت وهم السيطرة على العالم، ووفق رؤية أيديولوجية عنصرية تقرر سمو العرق الآري أو غيره؟
لقد نشأت الفاشية نتيجة ظرف “خاص” حكم البرجوازية الألمانية، وأيضاً الايطالية واليابانية، حيث تطورت بعد أن كانت الرأسمالية الانجليزية والفرنسية خصوصاً قد تقاسمتا العالم ولم تتركا شيئاً لهذه البرجوازية. هذا مدخل أول من الضروري أن يكون في أساس أي تحليل، ثم أن أزمة هذه البرجوازية التي هزمت في الحرب الأولى والشروط المذلة التي فرضت عليها، فرض انهيار الاقتصاد في بلدانها (ألمانيا خصوصاً)، الأمر الذي هيأ (نتيجة عجز الشيوعيين) لنشوء حزب “اشتراكي قومي”، وصل إلى السلطة فحل مشكلات الطبقات الشعبية لتوحيدها خلف البرجوازية في معركة ضد العالم. وهنا كانت كتلة الشعب الأساسية مع البرجوازية. ولقد سقط عبر التدخل الخارجي لأنه هو الذي بدأ الحرب ضد الخارج، وكان من الضروري أن يقود ذلك إلى احتلال ألمانيا وايطاليا واليابان.
لكن الصيغة التي أتت بها النظم الفاشية كان يمكن أن تتفكك داخلياً فيما لو ظلت النظم مسيطرة دون أن تستطيع السيطرة على العالم، حيث أن هذا التماسك بين البرجوازية والشعب كان يعتمد على مقدرة البرجوازية السيطرة وتوسيع السوق من أجل إبقاء المستوى المعيشي للطبقات الشعبية عالياً ومستقراً. وبالتالي كان عجزها عن ذلك سيفضي إلى تفكك هذا التحالف والعودة إلى الصراع الطبقي.
بخصوص العراق وليبيا، يتردد تعبير فاشية كصفة للنظم فيهما، لكنني لا أوافق على هذه الصفة نتيجة الاختلاف الجذري للظروف، واختلاف الأهداف. حيث هنا حاولت هذه النظم تحقيق بعض التقدم الصناعي والمجتمعي في إطار سلطة هي في الواقع تقليد للسلطة في البلدان الاشتراكية، ولم تكن تقليداً للفاشية. وما مارسته مورس في النظم الاشتراكية. أما عدم سقوطها فيحتاج إلى تحليل مختلف، يفرض أن نبحث في الأساس الطبقي الذي سمح بنشوء نظم قوية واستبدادية بالشكل الذي عايشناه. وتحليلي هو أنها قدمت في مرحلة اولى للطبقات الشعبية حلولاً لمشكلاتها (وإنْ مؤقتاً) فكسبت قاعدة اجتماعية كبيرة، هي التي هيئأت لكي تتشكل بكل هذه القوة. ثم أن طابع سلطتها الاستبدادي هو نتاج التكوين البطريركي التقليدي الذي كان يحكم الريف، وليس وعي برجوازية مأزومة. وأظن أن الوضع العراقي كان سيفتح على تطور الصراع الطبقي فيما لو ظلت السلطة، لأنها لم تعد قادرة على الحفاظ على دعم الطبقات الشعبية.

2- هل النظام الاستبدادي في سوريا هو فاشية؟ وهل يمكن تعميم اراء تولياتي عليه برايك؟

بالتالي هنا، ليس من موقع اصلاً لآراء تولياتي، وليست السلطة فاشية نتيجة ما اشرت إليه بخصوص العراق وليبيا. فهذه النظم هي نتاج الموجة التحررية التي أتت بفئات ريفية إلى السلطة، كانت مفقرة ومضطهدة ومهمشة، لكنها كانت تحلم بالترسمل، بالتالي حين وصلت السلطة، ورغم أنها حققت تقدماً في حل مشكلات المجتمع حينها، فقد كان همها كيف تنهب لكي تثري وتتحوّل إلى رأسمالية. وكان الشكل الاستبدادي، في جوهره، هو من جهة في مستوى فهم هذه الفئات الريفية التي لا تفهم سوى السلطة الأبوية،، ومن جهة أخرى تريد نهب ما قررت هي أنه “قطاع عام”، فشكلت سلطتها بناءً على هذين الأساسين، لكنها استعارت الشكل “الاشتراكي” للسلطة، الذي كان أيضاً نتاج اساس ريفي.

3- هل تستطيع الحركة في سوريا الاطاحة بالنظام بدون هجوم خارجي؟ وهل يعتبر النزاع الحالي شكل من اشكال التدخل الخارجي؟

النظام السوري لا يختلف كثيراً عن النظام المصري من حيث السيطرة الطبقية، وقوة الجيش والأجهزة الأمنية، ولا عن النظام التونسي الذي كان شبيهاً من حيث الشكل السلطوي أكثر للنظام السوري. فهي نظم راسمالية مافياوية، الفارق بين تونس ومصر من جهة وسورية من جهة أخرى، هو أن تلك النظم كانت تمتلك مرونة في بنية السلطة سمحت بفعل محاولة للالتفاف على الثورة، عبر إبعاد الرئيس واجراء انتخابات وتوهيم أن المعارضة هي التي باتت تحكم. في سورية لم يكن تكوين السلطة يسمح بذلك نتيجة السيطرة الأمنية الشاملة على الجيش، وتشكيل أجهزة أمنية متعددة متناقضة وممركزة في نشاطها عند شخص، كان حافظ الأسد والآن ماهر الأسد.
وأظهر الصراع خلال ما يفرب العامين أن السلطة تضعضعت، وضعفت قدرتها بقوة الثورة الشعبية، التي فرضت أيضاً “تفكك” في السلطة ظهر، ليس عبر الانشقاق أو التمرد، بل عبر حالة الرفض التي فرضت على السلطة ألا تستخدم معظم قطاعات الجيش خشية انشقاقها، وأن تمركز الأمن في جهاز “مضمون”. والآن يتزايد التشقق في السلطة، في كل المستويات، العسكرية والسياسية والبيروقراطية والأمنية. هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى “تكرار” صيغة تونس ومصر، أي حدوث انقلاب داخلي، بعد أن ضعفت سطوة السلطة، ووهنت قوة مركزها المسيطر.
بمعنى أن الثورة استطاعت فكفكة السلطة دون أن تكون قادرة على اسقاطها لأسباب أخرى تتعلق بغياب البديل الطبقي، مثل ما حدث في تونس ومصر. لكن الشعب يستطيع إسقاط السلطة دون تدخل خارجي، وتجربة الثورة السورية سوف تؤكد هذه المسألة.
أما حول التدخل الخارجي، فهو موجود، ولقد تزايد في الفترة الأخيرة كثيراً. لكن يجب أن نتنبه إلى أنه كله يصبّ في خدمة السلطة وضد الثورةز الروس وإيران والصين تدعم السلطة مباشرة، ليس سياسياً فقط بل تقنياً ومادياص ولوجستياً، وحتى عسكرياً. والسعودية والخليج فقد دعمت السلطة مالياً، ولازال بعضها يدعم مثل الإمارات، ودعمت القوى الأصولية التي تشوش على الثورة. ثم هي تدعم الآن جبهة النصرة (بل هي من يضخ “الجهاديين”) لتحويل الصراع من صراع شعب ضد السلطة إلى صراع طائفي كما فعلت مع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بالضبط.
ولقد تحوّل وضع سورية الآن إلى صراع دولي حول من سيحصد مصالح اقتصادية وسياسية بعد سقوط السلطة. وتجري المساومات بين أميركا وروسيا على وضع سورية، بينما تريد تركيا حصة، وكانت فرنسا تريد سورية لها، لكن يبدو أنها شعرت أن أميركا قد “تنازلت” عن سورية لروسيا فذهبت إلى مالي كبديل. وهكذا، تفرض القول بأن الشعب السوري يخوض صراعاً ليس ضد السلطة فقط، بل وضع المعارضة بكل ألوانها، وضد التدخلات الإقليمية والدولية. ورغم ذلك سينتصر.

4- اخيرا هل تستطيع القوى الثورية في سوريا اعادة الحركة الى مسار ثوري وفرض التراجع على القوى الرجعية والممثلة للمشروع الامريكي وممثليه في المنطقة في هذه الدورة التاريخية وخلال هذه الاوضاع؟

أولاً، لا بد من ملاحظة أن الأمر لم يعد يتعلق بمشروع أميركي، حيث أن أميركا تتراجع، واقتصادها ينهار، ولقد لمست أنها غير قادرة على السيطرة العالمية، بالضبط نتيجة أزمة اقتصادها الذي يعاني من تصدع كبير يطيح به بشكل مستمر. لهذا قررت في إستراتيجيتها الجديدة أن أولويتها هي منطقة الباسيفيكي وليس “الشرق الأوسط”، لهذا ظل موقفها مما يجري في سورية “مميعاً”، ويميل إلى “عدم التدخل”، خصوصاً وأن الدولة الصهيونية كانت تتخوف من انهيار النظام السوري. ولهذا ظلت وعود ما اسمي “أصدقاء سورية” بلا فعل. ورغم أنني ضد التدخل اصلاً لكن أوضح هنا الفارق بين التصريحات، التي يجري الاعتماد عليها في التحليل، وبين الواقع الذي يظهر أن كل وعود هذه الدول كانت كاذبة.
بعد عام من الثورة بدأت السعودية خصوصاً (ربما بدفع أميركي، لكن اصلاً بخوف شديد من الثورة) في توريد “الجهاديين” ضمن سياسة تخريب الثورة. وبالتالي بتنا في مواجهة مع هذا التدخل المباشر ضد الثورة.
ثانياً، المعارضة لا تمثل الثورة، وهي غير فاعلة فيها، والجزء الخارجي منها يميل إلى العمل ضمن إستراتيجيات القوى الإمبريالية، والسعودية. ولقد شكلت عبئاً على الثورة نتيجة تصريحات قادتها المتعلقة بالدعوة للتدخل الخارجي، أو منطق بعض أطرافها الطائفي.
ثالثاً: في هذا الوضع تنشط القوى الثورية، التي هي في صراع ضد السلطة، لكن أيضاً مع المعارضة والقوى الأصولية، ومع المنطق الذي حكم بعض أطراف اليسار المؤيد للسلطة. لكن ما يجب معرفته هو أن الثورة شعبية بالأساس، كانت ولا زالت. أي أن الشباب البسيط المفقر والذي لم يعرف السياسة، وبعضه متدين دون أن يكون أصولياً، هو الأساس في الثورة، وما نحاوله هو الاندماج بهؤلاء من أجل تاسي وعي ثوري، وتطوير شعارات وأهداف الثورة، وتنظيم نشاطها.
الأمر لازال صعباً، خصوصاً ان اليسار الناشط في هذا المجال محدود، وهو ليس أحزاب بل أفراد، نتيجة السياسات الخاطئة لأحزاب اليسار. نأمل أن تدعم قوى اليسار الحقيقي الثورة وتدعم اليسار السوري المناضل.

تقبل تحياتي
فلاح علوان

المصدر: اتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s