الانتفاضات في الوطن العربي، لماذا حدثت الآن؟ وماذا يمكن أن تفضي؟ وما هو مآلها الأبعد و مهمات اليسار؟

بدأت الانتفاضات العربية فجأة، ودون سابق إنذار. هذا ما ظهر لكثير ممن يشتغل بالسياسة، سواء تعلق الأمر بالنظم أو الإمبريالية أو الأحزاب. لكنها كانت تتقد منذ زمن بفعل التغيير العميق في الوضع الاقتصادي الذي بدأ بعيد انهيار المشروع القومي ونهاية دور الدولة الاقتصادي، وأفضى إلى انتصار الليبرالية في أوقات مختلفة منذئذ. ولأن اليسار هرب من التحليل الماركسي فقد وقع في العجز عن تلمس وضع الطبقات الشعبية التي يظنّ بأنه يمثلها، ولهذا فوجئ كما فوجئ الآخرون.
ثم انتصرت الانتفاضات في تونس ومصر وليبيا، وهي على وشك ذلك في اليمن وسورية. كما أن بلداناً أخرى تسير في مسار تفاقم الصراعات التي ستفضي إلى الانتفاضة، مثل المغرب والأردن والسودان والجزائر، وحتى السعودية. لكن انتصارها قاد إلى أن يصل إلى السلطة قوى إسلامية شاركت بشكل هامشي أو حتى لم تشارك في الانتفاضات، وهو الأمر الذي فرض الخوف من هذه النتائج. وكانت الانتفاضات في كل من ليبيا وسورية قد أثار اللغط أصلاً حول “المؤامرة الإمبريالية”، ليبدو أننا في سياق “إعادة بناء” المنطقة وفق المصالح الإمبريالية كما باتت تكرر قوى ونخب “قومية”. وظهر لهؤلاء ولآخرين بأن هذه هي النهاية الممكنة لكل انتفاضة راهنة، وأنها بالتالي أسوأ مما هو قائم.
وهنا يظل المنطق الذي حكم النخب والقوى هو ذاته، الذي لم يلمس ممكنات الانتفاضات نتيجة السطحية (أو الشكلية) التي تحكمه، وهو الآن لا يلمس الواقع بل تلمس النتائج التي تحققت لكي يبني عليها موقفه، دون “إحساس” بأن ما يجري هو أعمق من أن يتوقف عند هذه النتائج.

إذن، ما الذي جرى؟ والى أين يمكن أن يوصل؟
حول المصطلحات

أثارت الانتفاضات نقاشاً حول ماهيتها، هل هي انتفاضات أم ثورات أم حراك لا يرقى إلى كل ذلك؟ ولقد أظهر النقاش بأن الخلاف حول المصطلحات يؤشر إلى اختلافات أعمق، لكنه يوضح بأن أواليات الفكر تبدو ملتبسة. فهناك من يخلط بين المصطلح الذي هو “رمز” ما يجري التوافق عليه من أجل تحقيق التفاهم في الحوار، ولهذا فهو “محايد” بصيغة ما، وهو جزء ما تاريخ الفكر. وبين الفكر ذاته، أي الفهم المحدَّد للفرد أو التيار. وهو الأمر الذي يحمّل المصطلح عبء أيديولوجي من جهة، ويخضعه للذاتية التي تجعله مصطلح خاص لشخص أو لتيار وليس مصطلحاً “توافقياً” مثل أي اسم لأي شخص. لهذا يصبح الحوار مستحيل، لأن أوليات التوافق تنتفي، وهي المصطلحات. فيكرر شخص مصطلح ليفهمه الآخر في صيغة هي غير ما قصد ذاك الشخص. وبالتالي يصبح النقاش غرائبياً، ويتحقق الاختلاف الذي سيبدو لمن هو خارج النقاش بأن لا معنى له، لأنه لا يجد اختلافاً فيما يقال.

ماذا يجري إذن؟

هو حراك وانتفاضات وثورات معاً. فرغم أن هذه مصطلحات ثلاث، إلا أن الظاهرة تستوعبها. فهي حراك لأن ما يجري هو نشاط جماهيري. وهي ثورة لأنه نشاط يهدف إلى إسقاط النظام. وهو انتفاضة نتيجة الشكل الذي اتخذه هذا النشاط، والمتمثل في التظاهر الشامل. بالتالي فإن تحديده الأولي هو أنه حراك، لكن جوهره يتمثل في التمرد على السلطة مما يجعله ثورة. وفي شكل تظاهرات شعبية، هي ما جرى اصطلاح تعبير انتفاضة عليه.
بالتالي ليس كل ثورة يجب أن تنتصر، أو حتى أن تكون شاملة كل المجتمع أو البلد. وليست الثورة هي التي تهدف إلى تغيير النمط الرأسمالي لمصلحة الاشتراكية فقط، فهنا يحمّل مصطلح ثورة عبئاً أيديولوجياً يشوه الأفكار التي تنبني عليه. وليس لزاماً أن يكون هناك حزب قيادي لكي تكون ثورة، فالثورات يمكن أن تكون عفوية أو منظمة.
والانتفاضة هي ليست مستوى النشاط الشعبي الأدنى من الثورة، بل هي شكل من أشكال الثورة، مثل الثورة المسلحة أو الإضراب العام أو العصيان المدني. وهي يمكن أن تكون عفوية أو منظمة كذلك.
لهذا لا يجب أن نضيع في نقاش بديهيات، هو بالأساس نقاش أيديولوجي يمكن أن تكون له مداخله الأخرى، التي يمكن أن توصل إلى نتائج أفضل. خصوصاً وأن الانطلاق من هذا التشوش في المصطلحات أفضى ويفضي إلى استنتاجات سياسية ومنهجية، والى التوصل إلى أحكام تتعلق بوضع الانتفاضات ومصيرها، وبالسياسات الضرورية لتفعيل دور العامل الإرادي السياسي (الأحزاب). وهي أحكام سلبية في الغالب. لهذا بدل أن يقدّم الفكر ما يساعد الشعب المنتفض على تطوير انتفاضته، غرق في أحكام سوداوية، ونقاش لا معنى له. فظلت النخب، والأحزاب بعيدة عن الحراك الثوري رغم الحاجة الضرورية التي نشأت في كل الانتفاضات.
فالانتفاضات عفوية، وهذا واضح من طريقة انطلاقها. ولهذا كانت بحاجة إلى الوعي الذي يعطيها “العقل”، ويؤسس لها التنظيم. ولهذا كان دور الفكر هو البحث في مشكلاتها، وفي آليات تطويرها، وفي تنظيم نشاطها، وبلورة الأهداف والشعارات التي لم تكن الطبقات الشعبية بقادرة على بلورتها في مشروع تغيير يؤسس لنظام بديل.

الأساس الاقتصادي ومسألة الحرية

لماذا لم يستطع الماركسيون توقّع انفجار الانتفاضات؟ لأنهم انحكموا لمنطق “سياسي” لا يلمس سوى “السياسة”، أي الدولة أو السلطة والنشاط السياسي والعلاقات السياسية، الذي يعني لمس التكتيكي فقط. بمعنى لمسهم الحراك السياسي، والواقع كما يظهر في شكله السياسي فقط. وفي السياسة لم يكن الوضع يوحي بإمكانية “ثورة” على السلطة، نتيجة ضعف الأحزاب مقابل قوة السلطة. لهذا أكثر ما كان يُطرح هو إصلاح النظام، والتركيز على حقوق الإنسان، أو على المسألة الوطنية. وبهذا غاب المجتمع، بما هو بشر يتشكلون في طبقات، ولهم ظروفهم ومشاكلهم، وأيضاً مطالبهم. لقد انحصر الفهم في الحقل السياسي دون الحقل المجتمعي إذن.
الاحتقان كان يتراكم في الحقل المجتمعي، بينما كان الحقل السياسي يشهد أزمة عميقة نتيجة الأزمة التي كانت تعيشها أحزاب المعارضة، والتي نتجت عن الاستبداد من جهة، لكن عن ضعفها التكويني كذلك. الأمر الذي فرض انعزالها عن الطبقات التي لا بد من أن تعبّر عنها. لهذا فوجئت بالانتفاضات، وتفاعلت معها من منطلق اللحاق في الغالب.
وإذا كانت مسألة الحرية والديمقراطية هي الموجة التي غطت العقدين الأخيرين، والتي أصبحت “النغمة الموحدة” لطيف واسع من القوى، الليبرالية واليسارية والإسلامية، وباتت الديمقراطية هي المدخل لكل تغيير، وبالتالي استنفذت جل نشاط كل هذه الأحزاب، فإن ما كان يحفر في الواقع هو أثر التحوّل الاقتصادي الذي بدأ منذ “عصر الانفتاح” أواسط سبعينات القرن العشرين. حيث تحقق التهميش وتمركزت الثروة، وباتت كتلة كبيرة من الشعب في وضع مزري.
بمعنى أن فهم ما حدث، وما يمكن أن يحدث، والمآل الذي سيصل إليه الصراع الذي بدأ في 17/12/2010 في سيدي بوزيد، لا بد من أن ينطلق من فهم الأساس الاقتصادي الذي تشكّل بعيد انهيار المشروع القومي العربي، وتحقق الانفتاح الليبرالي، أكثر من التركيز على الاستبداد والدكتاتورية وموجة الدمقرطة التي انتشرت بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. لأن موجة الدمقرطة تلك ارتبطت بتحقيق اللبرلة الاقتصادية، التي أتت بكل التهميش والإفقار والبطالة التي أصبحت سمة عامة في الوطن العربي. هذا الوطن الذي بات الأكثر تهميشاً ونسبة بطالة وفقر في العالم.
وبات “النمط الاقتصادي” (وأقصد هنا ليس نمط الإنتاج بالمعنى الماركسي بل التكوين الاقتصادي الذي شكّلته اللبرلة) يتسم بالريعية بعد أن أفضى الانفتاح إلى تدمير كل البنى المنتجة، ليس الصناعية فقط بل الزراعية كذلك. وهو الأمر الذي أفضى إلى تصاعد نسبة البطالة بشكل غير مسبوق، وكذلك العجز عن زيادة الأجور رغم الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات والمواد الأولية بعد أن أصبحنا جزءاً من عالم العولمة.
هنا أصبحت الكتلة الأساسية من الشعب مهمشة ومفقرة. وباتت أقلية محدودة تعيش حياة البذخ. كما أصبحت الشركات الاحتكارية الإمبريالية تنهب قدر ما تستطيع. وتشكلت “طبقة” رأسمالية، لكنها مافياوية الطابع، تعتمد على النهب من خلال الاقتصاد الريعي، وفي العلاقة مع الطغم المالية الإمبريالية. بالتالي، شعب مفقر ورأسمالية مافياوية مركزت الثروة وتعيش حياة البذخ. هذا هو الوضع الذي تشكّل خلال العقدين الماضيين، وكان الأساس في انفجار الطبقات الشعبية، التي لم تعد تستطيع العيش.
ويتحقق التغيير حين تصبح الطبقات الشعبية عاجزة عن تحمّل الوضع الذي هي فيه، وتكون الطبقة المسيطرة (والنظام الذي تحكمه) عاجزة عن ضمان الاستقرار. هذا هو الوضع الذي نحن فيه بالضبط.
إذن، لا بد من تلمس الوضع الاقتصادي، والأزمة التي يلقي بها على الطبقات الشعبية.، هذا أولية في كل تحليل ماركسي، لكنه أولية حاسمة في فهم ما يجري، وتحديد المآل الذي يمكن أن يوصل إليه.

وضع الطبقات وموضوع الأحزاب السياسية

لكن هذا الوضع أفرز طبقات مفقرة، مطالبها “بسيطة”، هي العمل والأجر الأفضل، والتعليم المجاني، والعلاج المجاني. فقد أصبحت مهمشة في التكوين الاقتصادي، وباتت طبقات مفقرة نتيجة ذلك. وهذا الأمر يجعل كل حل لمشكلاتها لا بد من أن يطال “النمط الاقتصادي”. حيث لا بد من توفير فرص العمل، وتوفير فائض القيمة الذي يسمح بزيادة في الأجر متوازية مع ارتفاع الأسعار للسلع والخدمات. وأن تصبح الدولة قادرة على تحقيق مجانية التعليم (بعد أن جرى سلبها بطرق شتى)، وعلميته. وتوفير العلاج المجاني وضمان مستواه الإنساني. وتوفير البنى التحتية المتطورة. ومن ثم توفير الاستثمارات في قوى الإنتاج الزراعية والصناعية خصوصاً.
فهذا هو الحل لمشكلات هذه الطبقات، والذي يحقق مطالبها، ويجعلها قادرة على عيش كريم. ولقد انتفضت بالضبط من أجل ذلك، رغم أنها لم تستطع صياغة رؤيتها، ولا حتى توضيح مطالبها في بعض البلدان (مثل سورية). وانتفضت بشكل عفوي لأنها لا تمتلك الأحزاب التي تعبّر عنها، وتندمج بها لكي تؤسس “المطابق السياسي الأيديولوجي” الذي يحدد هذه المطالب ويبلور البديل والطريق التي تحققه. هنا نقول بأن الطبقات الشعبية تمرّدت على الوضع الذي هي فيه دون أن تكون قادرة على بلورة البديل الذي يحل مشكلاتها، رغم تلمسها لهذه المشكلات بشكل واضح. فهي تعرف أنها مفقرة ولا تستطيع العيش، لكنها لا تعرف الطريق الذي يجعلها تتجاوز فقرها. وهي عاطلة عن العمل لكنها لا تعرف كيف تجد العمل.
كل ذلك هو ما تقوم به الأحزاب التي تعبّر عن هذه الطبقات. ولقد أشرنا إلى أنها كانت غائبة، حتى عن تلمس مشكلات هذه الطبقات، وليس أيضاً رسم إستراتيجية حل مشكلاتها. وهو ما فرض ويفرض ألا تقود الانتفاضات إلى انتصار هذه الطبقات، التي تعرف كيف “تهدم” أو تسقط، لكنها لا تعرف كيف تؤسس البديل.
في هذا المسرب يظهر دور الأحزاب، التي لم تشارك في الانتفاضات، أو شاركت بخجل وتردد، أو ملحقة بالهيجان الشعبي الهائل. حيث ليس من الممكن تحقيق مطالب الطبقات الشعبية إلا عبر السياسي، وهنا من خلال التغيير في طبيعة الدولة. لهذا ينتقل الأمر من شعب منتفض وثوري، ويريد التغيير الجذري، إلى أحزاب لها رؤاها وبرامجها، وتعبّر عن مصالح طبقية معينة. حيث يطفو على السطح من يمتلك القوة والرمزية، والمال. ويُلحق بها الأحزاب التي تمحور رؤيتها حول هدف وحيد هو “الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية” (استعارة من برامج كل الأحزاب السورية المعارضة). وتتجاهل طابع الاقتصاد القائم، على العكس من ذلك تنطلق من تكريس اللبرلة كونها النمط الوحيد الممكن، والضروري، و”الثوري”.
إن موجة الدمقرطة قد جرفت جل الأحزاب، خصوصاً أحزاب اليسار (الشيوعية، الماركسية)، سواء التي تلبرلت فتخلت عن شيوعيتها أو ماركسيتها، أو التي تمسكت في “الحلقة المركزية”، التي هي الديمقراطية. وبات “الجو السياسي” جوٌّ ليبرالي ديمقراطي. وهو الأمر الذي جعل “البديل السياسي” عن النظم القائمة هو بديل ليبرالي، لا يريد تغيير النمط الاقتصادي، وإنْ كان هناك من ينتقد الفساد، أو يتأفف من ضخامة الفقر، أو من احتكار اللبرلة. ومن ثم لم ينوجد الحزب الذي يحمل مطالب الطبقات الشعبية “الاقتصادية”، ولا حتى ذاك الذي يدمجها بالمطلب الديمقراطي (سوى هوامش ربما).
هذا المسرب فرض أن يكون بديل النظم القائمة أحزاب على شاكلتها، وليست أحزاب تعبّر عن عمق الأزمة التي تعيشها الطبقات الشعبية. وأصبح الوضع هو تغيير أشخاص وأحزاب بأشخاص وأحزاب أخرى مماثلة أو مشابهة، أو تختلف قليلاً.
بالتالي لا حلول لمشكلات الطبقات الشعبية. لكن هل تخمد بعد كل هذه البطولة والنضالية، وبعد كسر حاجز الخوف، وانغماس الشباب المفقر في الصراع الطبقي؟
هذا الأمر الذي يجب أن يُلحظ، ويُحفظ.

وضع المرحلة الانتقالية

هذا التفارق بين ثورية الطبقات الشعبية وليبرالية الأحزاب، وبالأساس غيابها عن الصراع، هو الذي فتح، ويفتح، على شكل وعمق التغيير الذي يتحقق. حيث أن الطبقات المنتفضة لا تستطيع الاستيلاء على السلطة، بل تفضي قوة حراكها على “تفكك” في السلطة ذاتها، يدفع إلى تقديم “تنازل” على أمل وقف زحف هذه الطبقات، ويهيئ للالتفاف على مطالب الانتفاضة.
لهذا كان الجيش هو القوة التي حسمت الصراع في كل من تونس ومصر، وقاد مرحلة انتقالية بشكل غير مباشر كما في تونس (أي عبر حكومة مدنية)، أو مباشر كما في مصر (عبر المجلس العسكري الذي تولى صلاحيات الرئيس). وهنا لابد من التساؤل حول عما تعبّر القيادات العسكرية للجيش طبقياً، وبالتالي في أي سياق وضعت التغيير خلال المرحلة الانتقالية؟
في هذا الوضع وجدنا أن التغيير في “النظام” شكلي، طال أفراد (مهما كانت أهميتهم في السلطة)، ولم تتغيّر بنية أسستها السلطة السابقة. وظل النمط الاقتصادي كما هو، حتى السياسات الاقتصادية ظلت تعتمد الطريق ذاتها، التي تعتمد على القروض الخارجية والاستثمارات الأجنبية، والتوظيف في القطاعات ذاتها. وفي السياسة الخارجية ظل الوضع كما هو. وإذا كانت جرت “محاسبة” لبعض ضباط الشرطة، فقد ظلت “العقيدة الأمنية” كما كانت، مع حدوث تغييرات شكلية في المناصب.
بمعنى أن النظام ظل كما هو بعد أن سقط الرئيس. إن النظر إلى الجيش كطرف محايد كان يوقع في الأوهام، وهو ما لمسناه في تونس ومصر، حيث راهن الشباب على “وطنية” الجيش، وانطلقوا من وقوفه “مع الشعب” حين رفض التدخل ضد الانتفاضة. لكن ليس كبار الضباط هم من طينة غير طينة النظام، بل هم جزء من النخبة المسيطرة، التي عبّرت عن الطبقة الرأسمالية المافياوية، الملحقة بالطغم المالية الإمبريالية. وإذا كان قوام الجيش هو شعبي ووطني لأنه من الطبقات الشعبية ذاتها، فإن كبار الضباط هم غير ذلك، إنهم جزء من الطبقة المسيطرة، وهو ما يظهر من الامتيازات التي تحصلوا عليها، ومن التراكم المالي الذي استحوذوا عليه.
بالتالي كان هؤلاء الضباط الكبار هم “خشبة الخلاص” للطبقة المسيطرة وللإمبريالية حين تصاعدت الانتفاضة وهددت بأن تطيح بكلية النظام. أو فتحت الأفق لصراع طويل يمكن أن يطوّر من مقدرة الطبقات الشعبية، عبر تبلور الفعل السياسي المعبّر عنها، والذي يمكن أن يستولي على السلطة. لهذا جاء تدخل الجيش لقطع الطريق على خيار الطبقات الشعبية وليس من أجل تحقيق مطالب الانتفاضة. ولهذا وجدناه يحافظ على البنية ذاتها، وعلى الآليات ذاتها، وبالتالي على المصالح الطبقية ذاتها. وأصبحت المسألة هي كيفية تفكيك الانتفاضة من خلال آليات “ديمقراطية”، أي من خلال الانتقال إلى الانتخابات كونها الشكل “الأمثل” للديمقراطية، قبل ودون أن تكون الطبقات الشعبية قد بلورت الأحزاب التي تحمل مطالبها وتمثّل مصالحها. وفي هذا الوضع تنشق الطبقات الشعبية بين مراهن على “تغيير ديمقراطي” يوصل أحزاب تعتقد بأنها سوف تحقق مصالحها، وآخرون تلمسوا الوضع وعرفوا بأن طريق الانتخابات بهذه السرعة ودون إعادة بناء السياسة في المجتمع لكي تبلور الطبقات الشعبية بدائلها، سوف يوصل الأحزاب القائمة، سواء المعارضة أو التي لم تكن كذلك، إلى السلطة. وهي كلها أحزاب لا تحمل البديل الذي يحقق مطالب الطبقات الشعبية.
هذا ما لمسناه في الواقع، في تونس ومصر والمغرب. حيث وصلت أحزاب ليبرالية تتمسك بالنمط الاقتصادي ذاته، وبالعلاقات الدولية ذاتها، وليست ديمقراطية بما يسمح لها بتأسيس دولة مدنية ديمقراطية، بل بات بعضها يدعو إلى “الخلافة الإسلامية”، مثل حركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والحرية (واجهة الإخوان المسلمين) في مصر. ولقد كررت هذه الأحزاب المنتصر التأكيد على الحفاظ على النمط الاقتصادي والمعاهدات الدولية (بما يتناقض مع تصريحاتها السابقة، خصوصاً مثلاً الموقف من معاهدة كامب ديفيد، والعلاقة مع أميركا).
بالتالي، فإن الآليات “الديمقراطية” التي كانت تنجح الحزب الدستوري في تونس، والحزب الوطني في مصر، هي ذاتها الآليات التي حكمت الانتخابات التي أنجحت الإسلاميين. فالانتخابات في وضع لم تتغير بنية السلطة (وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية والإشراف البيروقراطي على الانتخابات، والسيطرة الإعلامية) سوف ينجح من يتحصل على دعم السلطة ذاتها.
هنا ليس من الممكن أن يتحقق تغيير حقيقي من خلال الانتخابات قبل “نفض” بنية الدولة، وإعادة بنائها من الطبقات الشعبية. وأيضاً قبل أن تتبلور الأحزاب التي تعبّر عن “روح الانتفاضة”، أي التي تحمل مطالب الطبقات الشعبية التي انتفضت. ولا شك في أن ضرورة المرحلة الانتقالية هي من أجل ذلك بالتحديد، وليس من أجل توسيع قاعدة السلطة السياسية من خلال إشراك أحزاب “معارضة”.

أسباب انتصار الإسلاميين

في هذا الوضع كان “طبيعياً” انتصار الإسلاميين. فقد أهديت “الانتصار” من قبل العسكر، حيث جرى الاعتراف بها أنها ممثلة الشعب المنتفض، بعيد ترحيل الرؤساء مباشرة. وأصبحت تمارس (في مصر مثلاً) وكأنها السلطة منذئذ. ولقد ظهرت في تحالف مع المجلس العسكري في مصر، وداعم لحكومة السبسي في تونس. كما ظهر بأن الولايات المتحدة باتت تسهّل دخول الإسلاميين السلطة، وقررت “التعاون” معهم. وبهذا أصبح واضحاً بأنهم قادمون إلى السلطة بكل التهليل والدعم الممكن من قبل الولايات المتحدة وكل الدول الإمبريالية. كما أصبح واضحاً بأن السلطة تجدد ذاتها من خلال إدماج الإسلاميين فيها لتوسيع قاعدتها السياسية، والتوضيح بأن السلطة باتت سلطة للأحزاب التي كانت تعارض النظم التي “سقطت”.
ما كان يجعل الإمبريالية، والطبقة الرأسمالية المافياوية المسيطرة، يعيدان إنتاج السلطة عبر إشراك الإسلاميين هو أن هؤلاء ليسوا في تناقض مع النمط الاقتصادي (الذي أنتج كل التهميش والإفقار اللذين قادا إلى الانتفاضة)، بل أنهم ينطلقون من الحرية المطلقة للملكية وللتجارة، ويبررون كل الممارسات الاقتصادية “السوداء”. وأنهم لا يتعارضون مع السياسة الخارجية رغم كل الديماغوجيا التي جرى استخدامها في إطار الصراع ضد النظم، واستغلالهم العداء للإمبريالية وللدولة الصهيونية في هذا الصراع. ومن ثم فهناك علاقة تاريخية طويلة مع “الغرب”، قامت على التحالف ضد الشيوعية والحداثة والقومية والتقدم.
بالتالي كان واضحاً بأن وصول الإسلاميين إلى السلطة لن يغيّر لا في النمط الاقتصادي ولا في السياسة الخارجية والمعاهدات والتحالفات. وهو الأمر الذي فرض أن “يرثوا” الانتفاضة، ويعتبروا بأنهم قادتها رغم مشاركتهم الضعيفة فيها. ولهذا أصبح الإسلاميين موضع دعم إعلامي ومؤسسي وسياسي من قبل السلطة التي تقود المرحلة الانتقالية، كما عملوا على استقطاب قطاعات من أعضاء الأحزاب التي كانت حاكمة (الحزب الدستوري والحزب الوطني) أو التحالف الانتخابي مع بعضهم. وككل انتخابات تجري في إطار نظم غير محايدة يكون الأكثر حظاً هم أولاء “المدعومين”.
لكن هذا هو الجزء الأخير من الصورة. فما فرض ذلك هو أن الإسلاميين تحولوا إلى قوة حقيقية في الشارع، ربما لعبت الإمبريالية دوراً في ذلك، من خلال اعتبار أنهم القوة التي تواجهها، والخطر الذي يتهددها، لكن كان انهيار التجارب “القومية”، والاشتراكية، وتلاشي اليسار بعد أن تلبرل قسم كبير منه، وتبني الإسلاميين لسياسات “شعبية” مثل المقاومة (حركة حماس وحزب الله) ومحاربة “الغرب” والنظم، هي كلها التي حولتهم إلى قوة أساسية في المعارضة.
وكان يساعدهم على ذلك بنيتهم التنظيمية الدقيقة، والوفرة المالية التي تشكلت عبر العلاقة مع الأموال النفطية. وبالتالي الدعم السعودي الخليجي المستمر منذ عقود.
لقد ظهر بأن الإسلاميين هم المعارضة في وضع كانت قوى المعارضة أهزل من أن تثبت ذاتها. وعملوا مع قوى أخرى في إطار تحالفات ديمقراطية، ومن أجل الديمقراطية. وكان يظهر بأنهم “الأصلب” في الصراع ضد النظم، والأكثر “شعبية” في الانتخابات من كل أطراف المعارضة الأخرى. رغم أن منطقهم ظل يقوم على الإصلاح وليس على التغيير، وعلى بقاء النظم وليس تغييرها. وسُوِّقوا كقوة ديمقراطية من قبل الأحزاب الأخرى، خصوصاً من اليسار الذي اعتقد بأن هؤلاء قد تطوروا وتحدثوا فأصبحوا “ديمقراطيين”.
كل هذه العناصر لعبت دوراً في أن يصبح هؤلاء هم الأغلبية الحاكمة. فهم في توافق مع الوضع العام للنظم وللتكوين العالمي، ويحملون شحنة “ثورية” باسم الانتفاضة. ويحمَّلون الأمل في تحقيق مطالب الفئات الاجتماعية المفقرة، خصوصاً من فئات راهنت على أن تصبح الانتخابات هي المدخل لتحقيق مطالبها. وبالتالي أن يحصلوا على نسبة أقل من الخمس في تونس، وربما مثلها في المغرب، وأكثر قليلاً في مصر نتيجة الصيغة التي تحققت فيها الانتخابات (وضع غرامة على من لا ينتخب). وكل هذه الأرقام هزيلة بالمعنى العام، لأنه في المقابل هناك أضعافها في وضع آخر، مشتتين ومشوشين، لكنهم ليسوا مع الخيار الأصولي.
لكن هل يستطيع الإسلاميون الحكم؟ أظن لا، نتيجة أن برنامجهم الاقتصادي، ورؤيتهم الديمقراطية سوف يفرضا استمرار صراع الطبقات الشعبية ضد كل حكومة جديدة، وضد كل حزب لا يحمل حلاً لمشكلات هذه الطبقات. بالتالي فقد دخلنا في مرحلة عدم استقرار على صعيد النظم، مع استمرار حركات الاحتجاج بمستويات مختلفة.

التدخل الدولي ومسألة المؤامرة

عملت الولايات المتحدة منذ نشوب انتفاضة تونس على ترحيل الرؤساء، فطالبت برحيل بن علي، ثم بعد أسبوع من الانتفاضة المصرية طالبت برحيل حسني مبارك، ورغم ترددها في وضع ليبيا واليمن وسورية فقد ظهرت كطرف يدعم “الربيع العربي”، ويهلل للتغيير. هل هي فعلاً كذلك؟
أولاً لا بد من التأكيد على أن ما حدث فاجأ الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً، ولهذا لا يمكن القول بأنهم من رتّب “الربيع العربي”. وظهر ذلك في الارتباك الذي حدث في الأيام الأولى، خصوصاً في تونس ومصر، قبل أن تضع إستراتيجية التعامل مع الحدث.
وثانياً لا بد من التأكيد على أن الوضع الاقتصادي الذي أفضى إلى حدوث الانفجارات الشعبية هو من صنع الطغم الإمبريالية التي كانت مصالحها تفرض حدوث انهيار الصناعات التي نشأت في زمن “التحرر”، ومثّلت صيغة إحلال السلع محل الواردات. وأصبحت تفرض حدوث انهيار شامل في الزراعة بعد أن طوّرت من إنتاجها الزراعي بعد بدء التوظيف في الزراعات المعدلة جينياً. وبالتالي باتت معنية بتشكيل اقتصاد مافياوي يسهم في النهب. فقد عادت أولويتها إلى “تحقيق التراكم عن طريق النهب” بعد أن هيمن المال على الرأسمال، أي هيمنت الأموال الموظفة في المضاربة والديون والمشتقات المالية على الأموال الموظفة في “الاقتصاد الحقيقي” (الصناعة والزراعة والخدمات).
وبهذا فقد عمقت النهب إلى حدّ تجريف المجتمعات، وفرضت تشكل اقتصاد ريعي ينحصر في العقارات والخدمات والسياحة والتجارة الداخلية والاستيراد والبنوك. لهذا كان من الواضح بأن كتلة بشرية كبيرة تتهمش من خلال خروجها من العملية الاقتصادية. وهو الوضع الذي دفع للتفكير في الطريقة التي تفضي إلى التخلص من كل هذه “الزوائد البشرية”. ولهذا عممت الحروب والفوضى، وأشعلت الصراعات الطائفية والإثنية والقبلية والمناطقية، وكل ما تستطيع من أجل هذا الهدف.
بالتالي فإن التكوين الاقتصادي الاجتماعي الذي تشكل في الأطراف (وهنا البلدان العربية) هو من نتاج الربط التبعي لهذه البلدان بالطغم الإمبريالية، وبنشاط الشركات الاحتكارية الإمبريالية. من خلال تشكيل رأسمالية ذات طابع مافياوي تكون هي المتحكمة بالنظم. ولقد دعمت هذه النظم بكل قوة، وغطت على استبداديتها ودكتاتوريتها، وكل ممارساتها البشعة. ووضعتها في سياق سياستها العالمية، ولخدمة هذه السياسات.
الآن، حين بدأت الانتفاضات ليس من الممكن أن تقف الإمبريالية مكتوفة إزاء ما يجري. كان عليها أن تمارس السياسة التي تحمي فيها مصالحها، أو تحافظ على ما تستطيع منها. وهذا رد فعل طبيعي على دولة ترى بأن مصالحها باتت مهددة، وأن الأمور تجري نحو تغيير يتجاوزها.
وكان أول ما أرادت هو وقف الزحف البشري، والالتفاف على الانتفاضات. لهذا كان ضرورياً التضحية ببن علي وحسني مبارك والقذافي وحتى علي عبدالله صالح، وأيضاً بآخرين، وتقديم البديل كمنفذ لمطالب الشعب. أو تحقيق تغيير مضبوط لا يقود إلى إنهاء سيطرة الرأسمالية المافياوية التابعة. وبهذا طرحت مسألة تقديم تنازلات محدودة ومضبوطة، ولا تمسّ لا بالنمط الاقتصادي ولا بالمعاهدات والسياسات، بل تتعلق بـ “الدمقرطة”، هذا الشعار الذي تغنت به طويلاً خلال العقدين السابقين رغم أنها كانت تدعم النظم المستبدة، والبطركية والثيوقراطية.
لقد عملت على دعم إعادة تشكيل النظم من أجل توسيع القاعدة السياسية المشاركة، والتي سيظهر انضمامها وكأنه انتصار للانتفاضة والشعب، لأنها “تمثّل الشعب” كان لعب إعلامها طويلاً. وبالتالي عادت لفكرة “قديمة” (ربما منذ التسعينات) مفادها بأنه يجب إشراك الإسلاميين في السلطة. وهي الفكرة التي فرضت ضرورة البدء بـ “الحرب على الإرهاب” وضعها جانباً، لأن هذه الحرب هي في جوهرها حرب على “الإسلام” كما تريد الولايات المتحدة، كإظهاره كعدو بديل عن الشيوعية وخطر مثلها من جهة، ولكي يعطى “الشعبية” التي تجعله “يخلّف” المجتمعات، من خلال تعميم فكر سلفي أصولي، وتحويل الصراع من صراع طبقي إلى صراع “ثقافي”، أو أخلاقي قيمي. وهو الوضع الذي كان يراد منه فتح كل الصراعات الطائفية والدينية.
وإذا كانت في بعض البلدان قادرة على تحقيق ذلك مباشرة، مثلما حدث في تونس ومصر، نتيجة الربط الذي أقامته مع القادة العسكريين (ولهذا كانوا المبادرين لطرد الرؤساء)، فإن غياب “القوة البديلة” كما هو الوضع في ليبيا واليمن وسورية، فرض أن تدفع إلى استنقاع الأوضاع في صراع طويل يضعف الكل، وربما يقود إلى لحظة تستطيع فيها التدخل بما يحقق أغراضها.
من كل ذلك نقول، بأنه كان من الطبيعي أن تكون الإمبريالية عنصراً في معادلة الصراع، لأن مصالحها تفترض ذلك، في بلاد لديها فيها مصالح هامة للغاية. وإذا كانت قد دعمت التغيير فيجب أن يكون واضحاً بأنها تفعل ذلك لقطع الطريق على تغيير أعمق. ولقد كان الوضع المحلي يساعدها نتيجة غياب الأحزاب التي تمتلك مشروعاً بديلاً، وتترسخ بين الطبقات الشعبية. وهذه المحاولة التي قامت وتقوم بها هي بالتفاعل مع دور الرأسمالية المحلية المسيطرة والقوى الليبرالية التي لا تتناقض معها (ومنهم الإسلاميين). ولهذا كانت عنصر دعم لهذه القوى الداخلية، وأساس تحقيق التفاهم بينها.
ما يجب أن يكون واضحاً هو أن العالم “قرية صغيرة”، ولقد فرضت العولمة التشابك والتداخل والتدخل. الأمر الذي يفرض أن نرى كل ذلك دون أن نعتقد بأن الوضع يمكن أن يكون غير ذلك. وبالتالي أن نحدد سياساتنا على ضوء فهم ما يجري، وتحديد آليات مواجهته، لكن من خلال فهم الصراع الداخلي، والانطلاق من أن الشعوب تثور، وأنها تهدف إلى تحقيق التغيير.

وضع اليسار وأسباب عجزه

أشرت إلى وضع اليسار قبلاً، وإنْ بشكل عابر. هنا أشير إلى أن قوة اليسار الشيوعي كانت في عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين. وأن سيطرة الأحزاب القومية بعد إذ (نتيجة رفض ذاك اليسار التقدم لاستلام السلطة رغم مقدرته)، والتحوّلات التي أجرتها في التكوين الاقتصادي الطبقي، قد أفضت إلى تراجع وضع هذا اليسار، وبدء تحلله. ولم يسعف نهوض “اليسار الجديد” منذ نهاية ستينات القرن العشرين في استعادة القوة تلك، حيث تلاشي بسرعة هائلة.
وجاء انهيار الاتحاد السوفيتي، وتلاشي البلدان الاشتراكية، لكي يسقط “الرمزية” التي كانت تلم ما تبقى، وتبقي الأحزاب الشيوعية رغم هزالها. ومن ثم يسقط “الأيديولوجية” التي استندت إليها. ولهذا انفرط متحوّلاً، إما إلى الليبرالية مباشرة (تحت مسميات اليسار الديمقراطي) أو عبر التركيز على الديمقراطية كمطلب عام ووحيد (أو ملحق بالنظم كما في سورية والمغرب والعراق المحتل). وبهذا فقد فقد طابعه الأيديولوجي (رغم كل شكليته السابقة)، وتموضع في الفئات الوسطى التي تطمح في تحقيق الدمقرطة.
لم يعتقد بأن الشعوب سوف تنتفض، ولم يعد يتلمس مشكلاتها الاقتصادية والمطلبية كما كان في يوم ما. وبات يتشكل في بنية تنظيمية منحصرة ومتضيقة، ومتمحورة حول ذاتها. لقد فقد التحليل الاقتصادي الطبقي، وفقد الميل للارتباط بالعمال، وتجاهل النقابات والعمل النقابي. وهو أصلاً لم يكن يفكّر في الاستيلاء على السلطة، حتى حينما كان قوياً. وباتت إستراتيجيته تتمثل في “النضال الديمقراطي”، والتحالف مع القوى التي تمحور نشاطها حول هذا الهدف، ويطالب بتحقيق الديمقراطية، ويعمل في مجال حقوق الإنسان.
إنه مناضل ديمقراطي بامتياز. وهو مناضل ديمقراطي من منظور ليبرالي، لأنه يمحور كل نشاطه حول هذه الهدف وليس لأي سبب آخر. بينما كان الفقر، وكانت البطالة، والعجز عن التعليم والعلاج، تؤسس لاحتقان لدى الطبقات الشعبية. كان يتنامى بهدوء، لكن بشكل مستمر ومتصاعد. ولهذا في الوقت الذي كان يعمل على إصلاح النظم من خلال دمقرطتها، كانت الطبقات الشعبية تؤسس لإسقاط هذه النظم.
وبالتالي حين انفجرت الانتفاضات كان تائهاً. فإما وقف معها وسار ككل الشعب العفوي. أو وقف متردداً ومحذراً وخائفاً من التغيير. أو كان ضدها. ورغم مشاركة بعض الأحزاب، وطيف من اليساريين، إلا أن ما كان ينقص الانتفاضات هو الرؤية، والسياسات، وتحديد المطالب والأهداف أحياناً. وبالتالي تنظيم كل هذه الحشود من أجل الاستيلاء على السلطة. هذا ما كانت تريده الطبقات الشعبية، أو ما كان يسمح وحده بتحقيق مطالبها. وهو وحده من كان يجب أن يحمل برنامج هذه الطبقات، وينظم انتفاضتها لكي تفرض الاستيلاء على السلطة، لا ترك الأمور لتدخل فئات سلطوية أو قوى إمبريالية (كما في ليبيا) لكي تحقق “التغيير”.
ما يمكن تلخيصه هنا هو أن اليسار الماركسي لم يكن ماركسياً، ولم يكن معبّراً عن العمال والفلاحين الفقراء بل عبّر عن نخب من الفئات الوسطى، وطرح أوهامها. وكان واضحاً أنه فقد التحليل الاقتصادي الطبقي، وفقد الارتباط بالعمال والفلاحين الفقراء، وتخلى عن مفهوم الثورة (ككل الليبراليين)، ولم يقترب من مسألة الاستيلاء على السلطة. ولأنه لم يفهم الواقع لم يكن في وارد وضع إستراتيجية صراع، ولا تحديد التكتيك الضروري لتبلور العمال والفلاحين الفقراء، ولتنظمهم. باختصار ظل في واد آخر، يلوك أوهام الفئات الوسطى التي تلبرلت أو تأسلمت، أو حتى باتت مع الإمبريالية. فقام بالنشاط الخطأ في الوقت الخطأ وللهدف الخطأ.
ربما يتحسس البعض، لكن لا شك أن هناك من شارك بقدراته، في تونس ومصر وسورية واليمن والمغرب والعراق ولبنان والأردن والبحرين. على أمل أن يكون هؤلاء بداية أحزاب ماركسية مختلفة التكوين والسياسات والوعي كما راج طيلة العقود الخمسين السالفة.

أفق الانتفاضات

الآن، لقد شهدنا انتصار الإسلاميين في تونس ومصر والمغرب. وربما سيكون الأمر ذاته في بلدان أخرى. فهل أن هذه هي نهاية الانتفاضات البطولية التي هزّت، ولازالت، المنطقة العربية؟
ما حاولت تبيانه في الفقرات السابقة هو محاولة تفكيك المنطق، أو محاولة تبسيط ما جرى، من أجل الوصول إلى نتيجة تتمثل في أن ما انتفضت من أجله الطبقات الشعبية لم يتحقق بعد. وأن الأحزاب التي تصل عبر الانتخابات لا تحمل حلاً لمشكلات هذه الطبقات. وأن الانتخابات، مادامت تجري تحت “إشراف” الدولة ذاتها دون “هدمها” وإعادة بنائها انطلاقاً من رؤية ومصلحة الطبقات الشعبية، سوف تكرس الأحزاب التي تعبّر عن المصالح الطبقية التي تقوم عليها السلطة عبر سيطرة الرأسمالية المافياوية ونمط الاقتصاد الريعي. وأن غياب اليسار المرتبط بالعمال والفلاحين الفقراء وبكل الطبقات الشعبية هو الذي جعل الانتفاضات في مأزق، وقاد إلى أن تصل إلى السلطة الأحزاب الليبرالية المتأسلمة. وأن الدور الإمبريالي نجح نتيجة السبب ذاته، أي غياب البديل الذي يمثّل العمال والفلاحين الفقراء.
ومن ثم أن التحليل الاقتصادي يوضّح بأن المسألة تتعلق بتغيير النمط الاقتصادي الريعي، وأن الحل يتمثل في وصول قوى تحمل مشروعاً ينطلق من إعادة بناء الصناعة وتطوير الزراعة، وبناء التعليم على أسس علمية، وتطوير كلية بنية المجتمع.
وأن ذلك هو المدخل لتحقيق دولة ديمقراطية مدنية، وليس من الممكن أن تقوم دولة ديمقراطية حقيقية (وليس ديمقراطية الانتخابات فقط) إلا عبر تجاوز الاقتصاد الريعي.
ومن ثم أن كل القوى القائمة، والتي يمكن أن تلعب الدور الأساس الآن هي ليست في وارد كل ذلك. وبالتالي ستكون في صدام مع الطبقات الشعبية، الآن، أو بعد بعض الوقت. وأن وضع هذه الطبقات لم يعد يسمح بأن تنتظر طويلاً، ربما لم تعد تنتظر اشهراً. وأنها كسرت حاجز الخوف والتردد وباتت في صراع يومي لن يتوقف قبل انتصارها هي، وليس الأحزاب الليبرالية. وأيضاً أن هذا الانفجار الشعبي الهائل أدخل كتل هائلة من الشباب إلى معترك النشاط السياسي، الأمر الذي سوف يقود إلى تشكّل السياسة من جديد، حن خلال تشكيل الأحزاب والنقابات والاتحادات والهيئات المدنية، وتجديد الفعل الثقافي.
بالتالي ما يتحقق الآن لا يعدو أن يكون لحظة في صيرورة بدأت للتو، وستطال المستوى السياسي وتتجاوزه إلى المستوى الاقتصادي. فتغيير الشكل لا يعني شيئاً بالنسبة للطبقات الشعبية التي تريد حلولاً اقتصادية لمشكلاتها، لأن الكلام لا يحل هذه المشكلات، والحريات لا قيمة لها –بالنسبة لهذه الطبقات – إذا لم ترتبط بحل مشكلاتها الاقتصادية. فالثرثرة ليست مهنتها.
إذن، يجب أن نعرف لماذا لم يعد اليسار قوة حقيقية؟ ولماذا أصبح الإسلاميون هم القوة؟ ولماذا طفت الليبرالية؟
وأيضاً لماذا كانت الانتفاضات عفوية بهذا الشكل الفاقع؟
لقد دخلنا في عقد من الحراك الثوري، كان غياب العامل الذاتي هو السبب الذي أعاد إنتاج النظم ذاتها بالمصالح الطبقية التي تمثلها وبأشكال سياسية جديدة. لكن الواقع الموضوعي لا يسمح للطبقات التي تمردت أن تعود إلى مسكنها دون تحقيق التغيير الضروري في وضعها. فهي لم تعد تستطيع العيش في الوضع الذي هي فيه. ولهذا لن تستطيع السكون والرضى. هذه هي القاعدة الأساس في فهم الوضع الراهن، وهي أساس إعادة صياغة السياسة والفكر والوعي، لبلورة ماركسية مختلفة، وحزب مترابط مع العمال والفلاحين الفقراء.

مهمات اليسار

بعد كل ذلك، ما هي مهمات اليسار، أقصد الماركسيين بالتحديد؟
إذا كان هدف الماركسيين هو “تغيير العالم”، فإن القوة التي تفعل التغيير باتت تمارس هذا الفعل. أقصد هنا العمال والفلاحين الفقراء وكل الطبقات الشعبية. وكما أشرت فإن فعلها هذا سوف يستمر إلى أن تفرض بديلها. لكن هذا يفترض أن يتبلور الفعل الماركسي الذي ينطلق من الارتباط بالعمال والفلاحين الفقراء، ويبلور البديل الذي يطرحونه. ومن ثم يضع الإستراتيجية التي توصل إلى الاستيلاء على السلطة.
فما هو واضح تماماً هو أن حل مشكلات الطبقات الشعبية يفترض تغيير النمط الاقتصادي في سياق يفرض التصادم مع الرأسمالية التي فرضت النمط السائد. وبالتالي فإن حل هذه المشكلات يفترض تجاوز الرأسمالية حتماً، وبالتالي فشل كل القوى الليبرالية عن الوصول إلى حل يوقف الصراع الطبقي القائم.
هذا أساس يفضي إلى التأكيد على أن الترابط بين الطبقات الشعبية والماركسية يبدو حتمياً. لكن من خلال مقدرة الماركسية على بلورة البرنامج المعبّر عن هذه الطبقات، ووضع السياسة التي تسهم في تطور الصراع، والآليات التي تفضي إلى انتصار حاسم للانتفاضة. هذا الانتصار الذي يعني استلام الطبقات الشعبية السلطة، وليس إبعاد رئيس، أو تنحية “فاسدين”. فهنا يتحقق المعنى العميق لشعار إسقاط النظام. حيث يتحقق إبدال الطبقة المسيطرة بالطبقات الشعبية، التي تشرع في إعادة بناء الدولة والاقتصاد، والتوضّع الدولي.
إذن، لا بد للماركسيين من إعادة صياغة الرؤية والبرنامج، ووضع الإستراتيجية التي توصل إلى الاستيلاء على السلطة. وهو الأمر الذي يعني البدء في بناء حزب ماركسي، يترابط مع العمال والفلاحين الفقراء، ويطوّر نضالهم من أجل ذلك.

لمتابعة الحوار مع المعلّقين: الحوار المتمدن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s