المؤامرة الإمبريالية

من المدهش في الذين يدافعون عن السلطة في سورية أنهم يخوضون صراعاً ضارياً ضد “المؤامرة” التي تتمظهر في التدخل الخارجي من دون أن يكون هناك تدخل. والأرجح أنه لا يوجد ما يشير إلى أن التدخل العسكري مطروح كما حدث في ليبيا.

لا شك في أن الإمبريالية عملت منذ عقود على إعادة صياغة المنطقة، وقامت باحتلال العراق، وأحكمت سيطرتها على معظم النظم التي باتت نظماً مافياوية تابعة، وخططت لتفتيت المنطقة طائفياً وإثنياً وفرض السيطرة الصهيونية. ولا شك كذلك في أن الإمبريالية تعمل من أجل السيطرة وإكمال الهيمنة الشاملة. لكن هذا لا يعني أن كل ما يجري في الوطن العربي، وكل حركة وفعل، هو من صنع الإمبريالية، وإلا أصبحت الإله المطلق.

الثورات العربية كانت مفاجأة كبيرة للإمبريالية، وسوف تراكم لها مفاجآت أخرى، لأنها تظن بأنها استطاعت احتواء الوضع، وأنها قادرة على الالتفاف عليها. ولقد تحركت بسرعة في البلدان التي أسست فيها قوة “مرتبطة”، وتحاول أن تستفيد من الثورات في البلدان الأخرى. لكن كل ذلك لا يعني أنها تتحكم بكل ما يجري، أو تستطيع أن تفرض الإيقاع الذي تريد، وإلا لا نكون قد فهمنا تحولات العالم، وأزمة الإمبريالية، لكن أكثر لا نكون قد فهمنا معنى الانتفاضات التي تفجرت، والتي ستستمر إلى حين تحقيق التغيير العميق الذي يقوم على أنقاض البنية الإمبريالية.

بالنسبة للانتفاضة السورية، يجري الحديث عن مؤامرة ومتآمرين، وتدخل إمبريالي، وما إلى ذلك، وما يزال الصراع داخليا بين شعب وسلطة. لا شك في أن بعض أطراف المعارضة بنت استراتيجيتها على استجلاب التدخل الإمبريالي، وهي لا ترى تغييراً إلا بفعل التدخل هذا، وربما ردد الشارع بعض الشعارات التي تدعو لـ”حماية المدنيين” بتأثير من هذا الطرف. وأيضاً، لابد من القول بأن كل ذلك مدان حتماً. لكن هل هناك فعل من أجل التدخل الإمبريالي؛ أي هل أن الدول الإمبريالية قررت، أو يمكن أن تقرر، التدخل العسكري؟

كل الظروف المحيطة تشير إلى أن احتمالية التدخل العسكري، سواء تحت بند حماية المدنيين أو الحظر الجوي، هو أمر مستبعد في سياسة الدول الإمبريالية، وتركيا أولها، لأنها ربما ترى أنه من الأفضل تحقيق تغيير من الداخل، لكي يستمر وضعها السلس مع المنطقة. وهذا ما أُفهم لكل أطراف المعارضة السورية، وهو الذي يجعل الجامعة العربية تماطل، وتسوّف، وتمدد للسلطة السورية. على عكس ما حدث في ليبيا حيث قررت في لحظة واحدة، لأن الإمبريالية الأوروبية أولاً كانت تدفع نحو التدخل العسكري.

في سورية ليس هنا مؤامرة، ولا هناك تدخل عسكري (إلا ربما إذا ارتكبت مجازر كبيرة من قبل السلطة)، والصراع هو صراع داخلي، طبقي بامتياز، وضد سلطة مستبدة بامتياز، ومن أجل التغيير. لا شك في أن هناك قوى تحاول ركوب الموجة، لكن أفق سورية سيفرض إيقاعاً يقوم على الحفاظ على سياسة خارجية ليست تابعة للإمبريالية، ووضع إقليمي غير متناقض مع المقاومة. هذا ما يفرضه ميزان القوى الذي سيحدد أفق التغيير.

لكن كل مؤيدي السلطة ينطلقون من تحليلات مسبقة، وتوقعات مسبقة، ويجعلون هذه التحليلات والتوقعات أمراً واقعاً. إنهم يقفون على رؤوسهم وهم ينظرون إلى العالم. لكن لا نعرف من أين يفكرون؟

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s