بعد انتصارات الإسلاميين: الفارق بين الإسلام التركي والإسلام الإخواني

قبل النجاح الذي حققته حركة النهضة في الانتخابات التونسية كانت تجري المقارنة بين حزب العدالة والتنمية التركي والأحزاب الإسلامية في البلدان العربية، من منطلق بأن “الإسلام العربي” يشابه “الإسلام التركي”. وقد يصبح الميل لتكرار هذا التشابه أكبر بعد هذه الانتخابات، بعد أن أصبحت حركة النهضة القوة الأساسية في الخريطة السياسية التونسية، والتي ستشكل الحكومة، ويكون لها اليد الطولى في صياغة الدستور الجديد. فكل هؤلاء إسلاميون، وسيكون الإسلام التركي مثالاً للإسلاميين القادمين حديثاً إلى السلطة. هذا ما ينتجه منطق سطحي لا يرى سوى “الطابع العام”، “الظاهر”. حيث هؤلاء وأولئك يلتزمون الإسلام. بعيداً عن التفكير في “التعبير الطبقي” لهذا وذاك. أو تلمس جوهر البرنامج الذي يطرحه هذا وذاك.

لم يجرِ الالتفات إلى الردود على تصريح أردوغان في القاهرة الذي دعا فيه إلى تطبيق العلمانية. ولم يُلحظ الامتعاض الشديد الذي ظهر من جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت قد استقبلته بحفاوة شديدة حينما وصل مطار القاهرة. ولقد “غمغمت” المسألة لمصلحة الاستمرار في إيجاد التطابق بين الإسلامين. لكن هل يمكن أن نعتبر بأن انتصار الإسلاميين في بعض البلدان العربية بعيد الانتفاضات التي حدثت، هو تكرار لتجربة الإسلام التركي؟

لا بد من أن نعيد الذاكرة إلى الطريقة التي تشكل فيها حزب العدالة والتنمية التركي، فلا شك في أن هذا التأسيس كان يؤشّر إلى الفارق الذي يقوم بين الإسلامين: الإخواني والتركي. فحزب العدالة مثّل القطيعة مع حزب الرفاه (أو حزب الفضيلة) الذي كان يتزعمه أربكان، الذي أصبح رئيساً للوزراء لثلاث سنوات ثم وُضع في السجن بتهمة تأسيس حزب ديني. وهذا الحزب هو “الفرع” التركي لجماعة الإخوان المسلمين، التي تدعو لتطبيق الشريعة وتأسيس دولة إسلامية. وإذا كانت شعبية الإسلاميين قوية في تركيا نهاية تسعينات القرن الماضي، نتيجة الفساد الكبير، وخصوصاً لدى النخبة السياسية، وأزمة رفض أوروبا قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي، والفقر العام الذي كانت تشهده غالبية الشعب التركي، فإن علمانية تركيا كانت تمنع النشاط على حزب ديني مما فرض حظره مرة بعد أخرى، ثم اعتقال زعيمه وسجنه.

هذا الوضع هو الذي دفع شباب “الإخوان” إلى التقدم نحو بلورة صيغة جديدة، تنطلق من “الفصل” بين الدين كعبادات وتقاليد وثقافة، وبين السياسة التي يجب أن تكون مدنية. ولهذا جرى تأسيس حزب العدالة والتنمية كحزب علماني ينطلق من فصل الدين عن الدولة. وقبل، في البدء، حتى الشكل “المتطرف” للعلمانية التركية، التي تتدخل في المعتقد والسلوك. وبهذا لم يعد هذا الحزب إسلامياً، واستمراراً لجماعة الإخوان المسلمين، بل أصبح حزباً علمانياً ذو خلفية ثقافية إسلامية. وهو الأمر الذي فتح الصراع بينه وبين حزب أربكان الذي ظل حزباً إسلامياً إخوانياً.
وإذا كان قد بدأ في “عقلنة” الطابع المتطرف للعلمانية التركية، فليس من أجل تجاوزها بل من أجل أن لا تكون في حرب مع الدين. وهو الآن في وضع المعبّر عن البرجوازية التركية في ميلها لتحقيق توضّعها في النمط الرأسمالي من موقع أنها طرف مكافئ وليست تابعاً. هنا يمكن القول بأن هذا الحزب يميل لأن يكون مثل الأحزاب الديمقراطية المسيحية في بعض بلدان أوروبا، من حيث أنه حزب علماني، ويترابط مع البرجوازية، رغم الطابع الأخلاقي المحافظ الذي يحكم أعضائه وميوله.

هل يمكن القول بأن الإسلاميين في البلدان العربية هم في هذا المسار؟
إن الفارق بين هؤلاء وحزب العدالة والتنمية هو ذاته الفارق بين هذا الحزب وحزب أربكان. وإذا كان راشد الغنوشي يعطي التطمينات فإن المسألة ليست لفظية بل تتعلق في بنية “الأيديولوجية” التي تحكم حركة النهضة، والتي رغم كل ميلها “التحرري” الذي حاولت إظهاره خلال السنوات السابقة لن يكون قادرة على تجاهل أنها تنطلق من الشريعة، وفي الشريعة “لا اجتهاد بما فيه نص”.

لقد حاولت جماعة الإخوان المسلمين بفروعها العربية أن تظهر خلال العقد السابق بمظهر الحزب الذي يتبنى الديمقراطية، ويعمل من أجل تأسيس نظام ديمقراطي ينطلق من التعددية، وتساوقت مع الموجة الديمقراطية العربية. وكان الغنوشي وحسن الترابي وعصام العريات (فيما بعد) من الذين جرى اعتبار أنهم يمثلون إسلاماً جديداً، لكن حكم الترابي لم يُشر إلى ذلك. ولقد توضحّت الأمور أكثر بعيد انتصار الانتفاضة في مصر، حيث أصرّت جماعة الإخوان المسلمين على التمسك بالبند الثاني من الدستور حين جرى الاستفتاء على تعديله، هذه المادة التي تنص على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، والتي كانت مدخل فرض “الأسلمة” خلال العقود الثلاث الماضية. والأهم التصريح الذي أدلى به المرشد العام للجماعة (بفروعها المختلفة وليس الفرع المصري فقط) محمد بديع، حيث أصبح الإخوان يعتقدون بأنهم السلطة أو على بعد خطوة منها، والتي تؤكد بأنه قد ثبت بعدم إمكانية فصل الدين عن الدولة. وتأكيد بعض قيادات حزب العدالة والحرية (واجهة الجماعة) بأنه سوف يجري تطبيق الشريعة بالتدريج.

لا أظن بأن كل ذلك سوف يتحقق، فنحن في وضع ثوري لن يسمح بالتوقف دون تحقيق تغيير جذري، لا مكان لهذه الأفكار فيه، لكن أشير إلى ذلك لتحديد الفاصل الكبير بين “الإسلام التركي” وهذا “الإسلام”. حيث أنه يعمل على تأسيس دولة دينية لم يعد الأتراك معنيون بها، وليست سياستهم السعي لتحقيقها. فهم يؤسسون من أجل الدنيا، والدنيا هي “نهضة تركيا” وتحوّلها إلى قوة عالمية. فقط أصبحوا واجهة برجوازية تريد أن تهيمن على المنطقة لكي تكون قوة عالمية مكافئة للرأسماليات الأخرى، التي ترى أن وضعهم في تراجع، وأنه يمكن لها أن تكون واحدة من عالم متعدد الأقطاب. بينما لا يخرج منطق الإسلاميين في البلدان العربية عن القبول بالليبرالية المنفلتة. فهم مع تقديس الملكية الخاصة، والحرية الاقتصادية، وأيضاً ينطلقون من أن التجارة هي أساس الاقتصاد. وهذا هو المنطق الليبرالي المعمم، والذي أوصل البلدان العربية إلى لحظة الانفجار. ولهذا فهم لا يمتلكون حللاً لمشكلات حقيقية، مثل الأجر والعمل والتعليم، وتطور الاقتصاد، لهذا يميلون إلى التركيز على “قيم أخلاقية”، و”أحكام شرعية”، لا تفعل سوى إعطاء غطاء “مقدس” لنهب الليبرالية واقتصادها الريعي.

إذن، حزب العدالة والتنمية حزي علماني بخلفية ثقافية أخلاقية إسلامية، وأحزاب الإخوان المسلمين هي أحزب أصولية دينية. أحزاب يتقوّم نشاطها على “تطبيق الشريعة”، في وضع تجاوز ذلك منذ زمن طويل، وأصبح هذا التطبيق طريق التدمير الاقتصادي والمجتمعي (كما جرى في السودان)، وتعميم الفساد والنهب.

بالتالي فإن كل “إسلام” يريد تمثّل حزب العدالة والتنمية لا بد له من أن يكون علمانياً. وهذه الدعوة هي ما أثار حفيظة الإخوان المسلمين حينما طرحها أردوغان في القاهرة.

المصدر: الحوار المتمدن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s