حين نفشل في فهم التحولات الكبرى

بعد الحرب العالمية الثانية، كانت المنطقة تغلي. وقد نهضت الشعوب لكي تغيّر، لكن الأحزاب التي كان من المفترض أن تتلمس هذا السياق، وأن تبني رؤيتها واستراتيجيتها على أساسه، كانت غارقة في أوهام الانتظار (رغم وجود أحزاب حقيقية وقتها). ولهذا، حين دخل الجيش ميدان السياسة حسبت هذه الأحزاب بأن ما يجري هو انقلابات أميركية في سياق إعادة ترتيب وضع المنطقة من قبل الاستعمار الجديد، أي الأميركي. فنهض التشكيك بما يجري، ليصبح ما يجري هو مؤامرة إمبريالية من أجل تجديد السيطرة.

لكن التغييرات التي تحققت، سواء في الاقتصاد أو في التعليم أو في السياسة، أسقطت كل هذه الاتهامات التي انبنت على تحليل مبسط وشكلي تمثّل في أنه ما دام الجيش هو أداة النظم العميلة، وهو الذي عمل على إزاحتها، فما يجري بالتالي من فعل الاستعمار الجديد الذي يريد تجديد سيطرته. فأظهرت تلك التغييرات كم هو العقل سطحي وشكلي في فهمه للواقع. ولأنه كذلك، فقد ألقى على الانقلابات كل أحلامه بعد أن تيقّن بأنها من فعل “تقدمي”. وبالتالي لم تفهم الوقائع لا حين وقعت ولا بعد أن وقعت. بالضبط لأن الواقع لم يفهم أصلاً.

اليوم، نقف إزاء تغير عميق، لكن نلمس بأن ما يجري هو بعيد عن الفهم، وأن “نظرية الإمبريالية” ما تزال هي المسيطرة. لهذا يصبح ما يجري مؤامرة. طبعاً ستبدو السطحية شديدة الوضوح حين لحظ بأن “تقدمية” انقلابات الخمسينيات نتجت عن أنها أعادت بناء الاقتصاد والتكوين الطبقي من خلال تحقيق الإصلاح الزراعي وبناء الصناعة وتعميم التعليم المجاني، إضافة إلى تحقيق مستوى معيشي جيد للطبقات الشعبية كلها. بالضبط لأن ما فرض الانقلابات هو الوضع المزري الذي باتت تعيشه هذه الطبقات، والذي جعلها عاجزة عن استمرار الوضع كما هو، وباتت السلطة أضعف من أن تستمر في الحكم. كل ذلك لم يكن يُلمس من قبل النخب والأحزاب، أو إذا لُمس لا يجري الاستنتاج الضروري القائل بضرورة التغيير. وهو الوضع الذي فرض أن يتحقق التغيير من موقع غير متوقع، هو الجيش.

أما الآن، فإن شكلية التحليل لا تلمس الواقع، ولا تتحسس وضع الطبقات الشعبية التي لم تعد قادرة على الاستمرار في الوضع الذي هي فيه. وهو الأمر الذي فجّر انتفاضاتها، وفرض تحقيق تغيير جزئي إلى الآن، لكنه لا يحل أزمة الوضع الذي فرض الانتفاض.

لهذا نلمس بأن التشكيك طال هذه الانتفاضات، وخصوصاً أنها لم تحقق التغيير الجذري بعد، بالضبط لأن الأحزاب والنخب التي كان عليها أن تساعد الطبقات الشعبية هي في وضع لا يسمح لها بوعي الواقع، ولهذا فهي إما “متلبرلة” وغارقة في الخطاب الديمقراطي، أو “معادية للإمبريالية” إلى الحد الذي جعلها لا ترى شيئاً آخر، أو لا ترى شيئاً.

الواقع هو ما يجب أن يُمسك. أما السياسة فهي إما تعبير عنه أو تمويه عليه. وبالتالي تدرس فقط بعد فهم الواقع: أي الواقع الاقتصادي الاجتماعي.

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s