حول “التدخل الخارجي”

أصبحت المسألة في سورية هي مسألة “التدخل الخارجي”، حيث باتت مجال الصراع بين أطراف المعارضة. وربما من المؤسف أن تسير الأمور هذا المسار، لأن هناك مسائل أهم تتعلق بالانتفاضة يجب أن تحظى بالاهتمام الضروري. لكن الأمر الذي يقود إلى ذلك هو إصرار طرف هو المجلس الوطني على أن الخيار الوحيد لـ “وقف الدم والقتل” هو “الحماية الدولية”، التي تصبح عند بعض أطرافه هي “التدخل العسكري”، سواء ربط ذلك بممارسات السلطة أو لم يربط.

في المقابل، وأمام ضعفها الداخلي وشعورها بأن “المزاج الشعبي” ليس معها، يميل أطراف هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي إلى التركيز على “رفض التدخل الخارجي”، والى اعتبار بأن هذه المسألة هي المفصل الذي ربما “يهزم” المجلس الوطني ويفتت “شعبيته”، انطلاقاً من “لعب” على أن الشعب ضد التدخل الخارجي. وهم هنا يدخلون الانتفاضة في تشويش لا حدّ له. أو يدخلون المعركة الخطأ. يمكن القول بأنه يعزز من “منطق” أطراف المجلس الوطني التي تدعو للتدخل الخارجي. لأن موقفهم الملتبس، وسقفهم “المنخفض” يجعلان رفض منطقهما هو الأساس في التعامل، وبالتالي يصبّ كل ذلك عند المجلس الوطني.

وبالتالي فهم بدل لمس المشكلة التي وضعوا أنفسهم بها، وهي مشكلة الموقف من السلطة، يهربون إلى معركة يعتقدون أنها تخدمهم، لكنها تزيد الطين بلّة.

هذا لا يعني بأنه لا يجب مواجهة الدعوة إلى “التدخل الخارجي” حسب ما تُطرح من أطراف المجلس الوطني كلها ومن المجلس ذاته. لا يجب المواجهة، لكن ليس بمنطق “الهجوم” والتخويف من التدخل العسكري، بل انطلاقاً من فهم لوضع الانتفاضة ذاتها. فمن حيث المبدأ يجب إدانة كل دعوة للتدخل الإمبريالي، وهذا ما لا يمكن التهاون فيه، لكن هنا، وفي وضع سورية، لا يفيد الموقف المبدئي “مجرداً”، بل عبر الأخذ بعين الاعتبار واقع الانتفاضة.

فالعنف الوحشي الممارس من قبل السلطة يفتح لدى الذين يمارس عليهم هذا القتل تأمل مساعدة ما. وغياب الطريق التي تفضي إلى إسقاط السلطة بعد كل هذه الأشهر من الصراع البطولي يقود حتماً إلى الأمل في دور “خارجي”. وبالتالي فإن وضع الانتفاضة يفرض تفكير قطاعات من المنتفضين بـ “ضرورة التدخل الخارجي”. وهم هنا لا يقصدون التدخل العسكري بالحتم، فقد لمسوا نتائجه في العراق، وحتى في ليبيا. وأمام العنف الممارس بحقهم يمكن لهم تقبّل أفكار معينة. وهذا ما لمسناه في الانتفاضة، حيث لم تكن تسمية الجمع أو الشعارات التي رُفعت هي من فعل معارضة الخارج فقط. فقد لعبت هذه المعارضة دوراً كبيراً في تعميم ما تريد عبر تحكمها بالإعلام خصوصاً بالعلاقة مع الذين يرسلون الصور من خلال الدعم المالي، و”تكليف” أشخاص محددين من قبل الفضائيات. لكن الوضع الوحشي كان يجعل قطاعات لا تدقق في ما هو مطروح، فتأمل من “توحيد المعارضة” أو من الدعوة إلى “حماية المدنيين” مخرجاً من كل هذا العنف، وربما مخرج لإسقاط السلطة.

فما يطرحه هؤلاء هو: “خفض الدم”، وتخفيف القتل” من خلال “القبعات الزرق”، ورقابة الإعلام العربي والدولي. فهذا لا يبدو أنه يمسّ السيادة أو يقود إلى تدخل عسكري. إن “مروجي” فكرة التدخل الإنساني يطرحونها بشكل “لطيف” و”جميل” و”بسيط”، بشكل إنساني عبر “طفل” أليف، وبريء.

لكن ما الذي يطرحه هؤلاء الداعين لـ “التدخل الخارجي”؟

ستبدو البراءة، ويبدو كل الحديث عن خفض الدم، وتخفيف القتلى، مدخلاً لما هو خطر. وكنت آمل من الذين يتحدثون بهذه البراءة أن يطرحوا كل فكرتهم لكي يعرفها الشباب المنتفض (رغم أن بعضهم يطرحها واضحة، ومنهم الإخوان المسلمون).

فحماية المدنيين لا يمكن أن يؤخذ القرار من مجلس الأمن حولها إلا تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يبيح التدخل العسكري. وبالتالي لا بد من أن يكون هذا واضحاً. وهو يعني أن مبدأ التدخل العسكري متضمن في أي قرار ينص على حماية المدنيين.

الآن، لا بد من أن نلحظ “التطبيق العملي” لقرار ينص على “حماية المدنيين”. فلو كانت السلطة تسمح بوجود الإعلام ومراقبين من هيئات حقوق الإنسان لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. فقد عملت السلطة على منع الصحافة التي يمكن أن تنقل الحدث كما هو، بالضبط لأن  قرارها هو ممارسة كل أشكال العنف. وبالتالي لن تسمح لمراقبين أو إعلام، وخصوصاً أنه بات تحت إشراف مجلس الأمن، وسيف التدخل العسكري.

من ثم، ما هو القرار الممكن لمجلس الأمن على ضوء رفض السلطة تنفيذ قراره بحماية المدنيين، خصوصاً وأن القرار يتضمن إمكانية التدخل العسكري كما أشرنا؟ التدخل العسكري.

وضمن الدعوة لحماية المدنيين تجري المطالبة بالحظر الجوي، وإيجاد مناطق عازلة. جيد، لكن هل تقف الأمور عند هذا الحد؟ طبعاً إن تنفيذ فرض الحظر الجوي سيكون دون حاجة لموافقة السلطة. لكن هل ستقبل السلطة تنفيذ الحظر أم سترد عسكرياً على كل تحليق فوق الأراضي السورية؟ وإذا لم ترد ألا يمكن لها أن تظل تمارس العنف “على الأرض” ضد المتظاهرين، وضد الجيش المنشق؟

الحظر الجوي يعني تدمير الدفاعات الجوية أولاً، وبالتالي البدء بالهجوم العسكري. ومهما كانت نيات القوى التي ستتدخل حسنة (وهذا محال) فإن القصف سوف يتوسع ليطال الطرق والبنى التحتية تحت حجة وقف تقدم قوات السلطة. ولن أتحدث هنا عن التشنجات الطائفية التي ستحدث، لكن أشير إلى أن رض السلطة سيكون تدميرياً كذلك. وفي هذا الوضع سيزيد عدد القتلى عشرات الأضعاف، وسيحدث تدمير في البنى التحتية والأبنية كبير جداً. ويمكن في ظل ذلك تفلت الصراعات الطائفية، أو يجري الدفع لكي تفلت، مما يوسّع من أعداد القتلى ومن التدمير. وهنا يكون السعي لخفض كلفة الدم إلى تضخيم كلفة الدم بزيادة عدد القتلى وتوسيع التدمير.

إن تحوّل الانتفاضة إلى حرب، إضافة إلى أنه يعني نهاية الانتفاضة، وتلاشي هذا العدد الكبير من البشر التي تنتفض لمصلحة نشوء مجموعات مسلحة صغيرة، أو حتى إلى “جيوش” تنطلق من مناطق الحظر الجوي، سوف يفتح على حرب طويلة أكثر مما يمكن أن تحتاجه الانتفاضة ذاتها، خصوصاً إذا أرادت الدول المتدخلة، وهي هنا حلف الناتو، تطويل الزمن من أجل تدمير أكبر يفضي إلى زيادة فاتورة الدفع قيمة الأسلحة المستخدمة، ومن ثم فاتورة إعادة الاعمار كما تفعل في كل تدخلاتها.

التدخل العسكري بالتالي يزيد من كلفة الدم، ومن كلفة التدمير معاً. وليس من الممكن أن يقود القرار الذي يمكن أن يتخذ تحت البند السابع إلا أن يقود إلى تدخل عسكري. ولهذا يجب أن يكون واضحاً بأن كل دعوة لحماية المدنيين وفق هذه الصيغة سوف تفضي إلى تدمير المدنيين عبر حرب وتفكك وفاتورة دم أعلى.

لكن السؤال الذي يجب أن تجري الإجابة عليه هو: هل أن أفق الانتفاضة مسدود لكي نطالب بـ “حماية دولية” أو حظر جوي؟ الآفاق مفتوحة بالتأكيد، وقوة الشعب وإصراره يقودان إلى ضعف متتالي في بنية السلطة، رغم كل العنف الذي يمارس والذي يعبّر عن شعور بالعجز وليس بالقوة. لهذا ما هو مطلوب هو توسيع مشاركة الفئات التي لم تشارك، والإصرار على مشاركتها، فدورها مهم لحسم الصراع مع السلطة بقوة شعبية شاملة. هذا هو الضروري اليوم من أجل إسقاط السلطة، وهو ممكن، لكنه بحاجة إلى جهد.

هذا لا يعني عدم تحريك الرأي العام العالمي، أو الدفع نحو حصار السلطة، والضغط عليها. وتحريك منظمات حقوق الإنسان والشغل على محكمة الجنايات الدولية. وعزل السلطة، والدفع باتجاه إدخال الإعلام والمنظمات الدولية. كل ذلك مهم، لكن الحاسم هو الانتفاضة، وقوة عزيمة الشباب الذي أثبت جرأة وصلابة بدون حدود.

في كل الأحوال السلطة هي المسئولة عن أي تدخل إمبريالي نتيجة العنف البربري الذي تمارسه، وهو عنف هائل. لكن هذا لا يبرر لأي كان الدعوة إلى التدخل الإمبريالي تحت أي مسمى كان، لأن ذلك هو إشراك في الجريمة التي ستحلّ بسورية. ويمكن أن يكون هناك من لا يتناقض مع الإمبريالية ومع سياساتها، وحتى مع قلب الأنظمة بالقوة الإمبريالية، وهو يعمل لكي تساعد في التغيير الذي يدعم سيطرته هو، لكن كل ذلك هو ضد الشعب في كل الأحوال، وإذا نجح فسيطرد بقوة الشعب

المصدر: مجلة جدل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s