وضع أميركا

وضع أميركا

أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما الانسحاب “الكامل” من العراق نهاية هذا العام. وبغض النظر عما إذا كان الانسحاب سيجري أم لا، فإن ما يحتاج إلى توقف هو وضع أميركا؛ هل ما تزال قادرة على التدخل والسيطرة؟

إذا تحقق الانسحاب فإنه يكون مؤشراً يكمل ما كان يبدو واضحاً في السنوات الثلاث السابقة، حيث بدت أميركا وكأنها في وضع صعب، ليس على الصعيد الاقتصادي الداخلي فقط، فهذا أمر واضح، لكن كذلك على صعيد القدرة على السيطرة عالمياً. لقد بدت وكأنها تزحف للسيطرة على العالم بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، فبدأت الحرب ضد العراق، ثم فرضت الحصار عليه. كما أخذت في توسيع وجودها العسكري في الوطن العربي، وتعزيزه في أفغانستان، وحتى في بلدان أخرى. وكانت “الحرب على الإرهاب” هي الغطاء النظري الذي سهّل هذه السيطرة، ومجال التدخل في كل بقاع العالم.

ورغم أن أميركا اللاتينية كانت تنسحب من هذه السيطرة، فقد ظهر بأن العالم كله يخضع لـ”جبروت” أميركا، وتفوّق قوتها العسكرية بشكل لا مثيل له بعد انزياح القوة السوفيتية. ولهذا أصبح الخضوع لها تياراً كبيراً، شمل قطاعات من اليسار القديم إضافة إلى النظم التي باتت تميل لأن تصبح “عصابات مافياوية” تحمي مصالح الشركات الاحتكارية الأميركية. وباتت “الأمركة” هي “الماركة” الوحيدة.

الأزمة المالية شكّلت مفصلاً أشّر على عملية معاكسة، أو فتحت لحدوث عملية معاكسة، أي ضعف السيطرة.
ورغم أن القوة الأميركية استطاعت أن تضعف المقاومة في العراق، وأن تبدأ في تقليص الوجود العسكري هناك، والتوقيع على اتفاقية أمنية تقرر الانسحاب نهاية العام 2011، إلا أن الأزمة المالية فتحت على مؤشرات توضح تراجع “الهمّة” الأميركية، وميل الإدارة منذ تسلم أوباما إلى قلب السياسة التي أصبحت واضحة منذ بوش الأب، وتعززت مع بيل كلينتون ثم بوش الابن، والقائمة على “التفرد الأميركي”، وخوض الحروب بقرار فردي، واحتكار النتائج. حيث عمل أوباما على “رمي” عبء التدخل على حلف “الناتو”، ما يعني دورا أكبر لأوروبا. وهذا ما ظهر واضحاً في ليبيا، حيث تحققت مشاركة أميركية جزئية ومؤقتة.

ما يبدو واضحاً الآن هو أن أميركا التي حاولت حل أزمتها الاقتصادية المتفاقمة منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال السيطرة العسكرية، توصلت إلى أنها أعجز عن أن تحلها، وأن الحرب والسيطرة لم يقودا إلى حل، بل قادا إلى تعمّق الأزمة: تعمّق الأزمة الاقتصادية، وتعمّق العجز عن السيطرة معاً.

أكثر من ذلك، نلمس بأن أميركا مقبلة على “انفجار فقاعة” جديدة، وبالتالي أزمة جديدة تقود إلى انهيار اقتصادي كبير، في وضع لم يعد يظهر بأن الحرب هي عنصر مساعد في تجاوز الأزمة، على العكس باتت عنصراً مطوراً لهذه الأزمة.

أميركا في تراجع، وقوة سيطرتها باتت تضعف، ولهذا “يفلت” العالم الرأسمالي ويميل إلى التفكك من دون قوة سيطرة جديدة، وربما اندفاع إلى “تعددية قطبية”، لكن من قوى ضعيفة، مأزومة، وتميل إلى الانهيار.

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s