الإمبريالية.. علاقة اقتصادية

يُنظر للإمبريالية كدور سياسي تدخلي احتلالي، وكموقف لبعض البلدان الرأسمالية ضد الشعوب أو الدول الأخرى. ولهذا نلحظ دعم الإمبريالية الأميركية للدولة الصهيونية وتسليحها، ونلاحظ احتلالها العراق، أو “هجومها” السياسي على دول “الممانعة”. وعلى ضوء ذلك، يصبح العالم منقسماً إلى الإمبريالية وعكسها أو المضاد لها، لينشأ كل تحليل انطلاقاً من هذه الثنائية (التي هي جوهرة العقل السائد)، ولتصبح المسألة: مع وضد انطلاقاً من هذا القسْم.

بالتالي، السياسة هي التي تحدِّد الإمبريالية، وهي هنا تصبح مساوية للاستعمار وليس تركيباً جديداً نتج عن تطور الرأسمالية، وأصبح هو جوهرها. ومن ثم يُنظر لها من زاوية تدخلها واحتلالها ودعمها، أي نشاطها السياسي العسكري بالتحديد. طبعاً هذه نظرة “سياسوية”، أي تنطلق من “الشكل السياسي” فقط، وهي نظرة تنم عن عقل أحادي يقسم العالم إلى: مع أو ضد. وبالتالي تخضع لمنطق صوري موروث من القرون الوسطى. إذ يبدو العالم كقوى متصارعة “في السياسة”، لهذا كل من هو ضد الإمبريالية فهو حليف، وصديق، وكل من يختلف معنا هو إمبريالي. وفي هذا يغرق من ينطلق من هذه النظرة في تناقضات جزئية تحكم البلدان الإمبريالية ذاتها، أو تقوم بين هذه البلدان ونظم أو قوى قروسطية. فالأساس أن الإمبريالية هي المركز (الحلقة المركزية)، وكل من اختلف معها هو “معنا”.

هذه هي طبيعة “العقل السياسي” الرائج، وهي التي تقود إلى الوقوف ضد الشعوب من أجل نظم “ممانعة” (فقط ممانعة، وليس معادية).

لكن الإمبريالية علاقة اقتصادية قبل أن تكون موقفا ودورا سياسيا. وما هذا الموقف وهذا الدور سوى التعبير عن هذه العلاقة الاقتصادية. فليست المسألة بالنسبة للدول هي مسألة سيطرة من أجل السياسة، إلا في حالات محدودة، بل هي سيطرة من أجل النهب. والإمبريالية قامت على تركيب وضع الأطراف بما يجعلها مجال نهب، من دون مقدرة على بناء اقتصاد حقيقي، زراعي أو صناعي. ولهذا فرضت خلال فترة الاستعمار بناء اقتصاد ليبرالي لكي يكون مفتوحاً على منافسة غير متكافئة تقود إلى عجز عن بناء الصناعة وتعريض الزراعة للدمار جراء المنافسة. وهنا يكون الاقتصاد المفتوح هو أساس العلاقة الإمبريالية، لكي يتعرض الاقتصاد المحلي لتنافس غير متكافئ يكيّفه وفق الآليات الاقتصادية الإمبريالية، التي تريد السوق لبيع السلع، وكمجال لنهب المواد الأولية بأسعار رخيصة، ولكي ينشط المال المضارب بكل حرية ممكنة.

على ضوء ذلك، يتمحور النشاط الاقتصادي حول الخدمات والسياحة والعقارات والبنوك والاستيراد، بينما ينهار الاقتصاد المنتج المحلي، ويتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي. هذا هو الشكل الأرقى للسيطرة الإمبريالية، أو للإمبريالية كقوة مسيطرة عالمياً. هذا ما تريده الطغم المالية الإمبريالية من بلدان الأطراف، وهو ما تعمل على فرضه، سواء بالضغط السياسي والاقتصادي، أو بالتدخل العسكري. وبالتالي، فإن كل “السياسة” الإمبريالية هي من أجل هذا التحويل الاقتصادي الذي يضمن سيطرة اقتصادية للطغم الإمبريالية، ويفتح لسوق واسعة للسلع الإمبريالية. الحرب وكل أشكال الضغط هي إذن، لكي تهيمن الإمبريالية اقتصادياً، وليس لأنها تحب هذه الممارسات. لهذا فالسياسة هي الممهد للسيطرة الاقتصادية، وليست مكتفية بذاتها.

ومن ثم، إذا قامت سلطة طرفية بتحقيق هذا التحويل الاقتصادي المحلي، فما قيمة الموقف السياسي؟

هذا هو وضع سورية.

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s