المسألة السورية في الأردن

في الأردن ينقسم الحراك الشعبي انطلاقاً من الموقف مما يجري في سورية، فقد بات ما يجري في سورية هو الأولوية، حتى قبل الحراك ذاته الذي بات ضعيفاً في العاصمة، وينمو بهدوء في الأطراف.
المسألة التي توحد النخب في الموقف من سورية هي تخيلات هلامية تسكن الوعي أكثر منه أي شيء آخر. مناهضة الإمبريالية، ودعم المقاومة، والممانعة، وما إلى ذلك من أفكار مجرّدة إلى حد التسطيح.

يبدو أن ما حكم رؤية النخب للانتفاضات العربية، ومنها سورية، هو الانقسام السياسي الذي كان متبلوراً في البلدان العربية، بين دول “معتدلة” وأخرى “ممانعة” (وعلى رأسها قطر قبل الانتفاضة السورية)، لهذا جرى تأييد الانتفاضة التونسية ثم الانتفاضة المصرية من منظور أن النظم تابعة للإمبريالية وخاضعة للدولة الصهيونية، وليس لأن الشعوب فيها باتت لا تستطيع العيش من النهب والإفقار والسحق الاقتصادي والسياسي، وكذلك السحق الوطني. وهذا يفسّر تحوّل الموقف حينما وصلت الانتفاضات إلى ليبيا، وخصوصاً سورية، حيث إن هذه في “تناقض” مع الولايات المتحدة، وبالتالي فما يجري ضدها هو فقط مؤامرات. وهنا لا نجد أثراً للشعوب، ولظروفها ومشاكلها، ومآسيها.

مأساة النخب أنها تتسم بسمتين “جميلتين”، الأولى أنها لا تنظر إلا للسطح السياسي بدون تلمس العمق الذي يحكم هذا السطح، ولهذا يتراءى لها بأن العالم ينقسم إلى “فسطاطين” (استعارة جميلة من بن لادن، وليس غريباً أن يكون جل هؤلاء قد دافع عنه حتى العظم): أميركا وضد أميركا، وهي حتماً ضد أميركا، الأمر الذي يجعلها لا تميّز بين مختلف مع أميركا ومتناقض معها أو معاد لها. يصبح من يريد العودة إلى القرون الوسطى كمن يريد التطور إذا ما كانا ضد أميركا. من يحارب من أجل التطور والاستقلال والتحرر ومن يتمنع. فالكل ضد أميركا وكفى. هذه السطحية توقع في مواقف تخدم عكس المراد منها، وتظهر الإمبريالية قوة خارقة للعادة بدل توضيح أزماتها. وتفضي إلى الدفاع عن النهب والقتل والسحق الذي تمارسه النظم.

والسمة الأخرى هي الخلط، فالموقف المسبق يفضي إلى عدم التدقيق والتأني بل يفضي إلى تكرار ما يطابق الأصل، ورفض ما لا يطابقه. فمثلاً كلمة ممانعة، ماذا تعني؟ مصدرها منع وامتنع وتمنع، أي هي تردد في القبول وليس الرفض. وحين نعتقد بأن الموقف من أميركا هو مجرد موقف سياسي نكون قد تجاهلنا أن الأمر أعمق من ذلك، ويتعلق بمصالح وتكوين اقتصادي. ليصبح التمنع وكأنه معاداة، رغم أن الممارسة توضح بأن الواقع المصاغ هو كما تريد الإمبريالية.

المسألة السورية خضعت لكل ذلك، لهذا رؤي “التناقض” مع أميركا، رغم أنه خلاف حول موقع ودور وليس خلافاً في المصالح، حيث قامت السلطة السورية بتحقيق تحويل اقتصادي عميق لمصلحة السيطرة الإمبريالية، ولقد نفذت ما هو أقسى من شروط صندوق النقد الدولي في التحويل الداخلي. وبالتالي فإن “صراعها” أو “تناقضها” أو اختلافها مع أميركا هو شكلي، يتعلق بموقعها في السلطة بالذات وليس في أي من المسائل الوطنية. وفي ظل “الحصار الأميركي” قامت بكل خطوات الانفتاح الاقتصادي المهلك، والذي أفضى إلى ربط بالاقتصاد الإمبريالي من موقع تبعي.هذا ما فرض انتفاضة الطبقات الشعبية، وهذا بالتحديد، فهل نقف ضدها لأننا إزاء نظام ممانع؟ النخب تحب السطحية المفرطة لأنها أسهل. كما يبدو أن النخب تحب التعلق بـ “قشة” بدل أن تلعب دور الذي يسعى إلى التغيير الجذري، ليبدو موقفها هوائياً.

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s