الثورات العربية وفلسطين

وُضعت الانتفاضات التي بدأت في الوطن العربي في سياق الثورات البرتقالية، ولهذا سميت بـ”الربيع العربي” مقارنة بـ”الربيع” الذي أطاح بالنظم الاشتراكية، والذي تمحور حول الحرية والديمقراطية، وأشّر إلى انقلاب عالمي كبير بحيث انتهت الاشتراكية وتسيدت الإمبريالية، التي بدأت حروبها ضد المنطقة من أفغانستان إلى العراق. وبهذا فقد أصبح تعبير “الربيع” هذا مرادفاً للسيطرة الإمبريالية، وللحرب والاحتلال والنهب بالتالي.

الذين لا يعنيهم كل ذلك، وينطلقون من منطق ليبرالي خالص، ويناضلون “بشدة” من أجل الحرية والديمقراطية تمسكوا بهذا الاسم، وعمموا تعبير “الربيع العربي”، ربما تيمناً واستبشاراً بما حدث في بلدان الاشتراكية المنهارة. ولقد أصروا على أن هدف هذه الانتفاضات هو الحرية والديمقراطية ليس إلا، وأن كل زوغان عن هذه الرؤية هو “حرف للنضال”، وتشويه لما يجري. هنا للحرية القيمة العليا، لكنها الحرية التي يمكن أن تقبل بالتدخل الإمبريالي كما حدث في العراق، وهي بعيدة عن “الأيديولوجيا” و”المثاليات القومية”، وبالتالي تنطلق من “بناء الدولة الوطنية” المستقلة ذات السيادة والنهائية. لهذا جرى حشر الانتفاضات في هذه الحدود الضيقة.. الحرية ثم الحرية ثم الحرية ونقطة.

لكن ربما ما جرى في القاهرة ضد السفارة الصهيونية قد فتح على مسائل كان يجري الغلق عليها، رغم أن كل الثورات كانت تؤشر إلى ما هو أبعد من التغيير الداخلي. ففي تونس رفع شعار “الشعب يريد تحرير فلسطين” بعيد الانتصار الأولي بقليل. وفي مصر، ظهرت مؤشرات واضحة على موقف من اتفاقيات كامب ديفيد والتبعية للدولة الصهيونية، والموقف من فلسطين. وهو ما تكرر في اليمن، وأيضاً في ليبيا التي يقال إن “الناتو” هو الذي حررها، حيث ارتبط دخول طرابلس بترداد “جايينك فلسطين”. ليظهر بأن ما جرى ضد السفارة الصهيونية هو سياق طبيعي لوضع عربي جديد، يصاغ من قبل الشباب الثوري الذي كان يرى مآسي السنوات الماضية في فلسطين والعراق، وبالتالي يرى الترابط بين وضعه المأساوي الذي أوجدته المافيا المسيطرة على السلطة، والتي تلعب دور الملحق الإمبريالي، وبين كل هذه الغطرسة الإمبريالية الصهيونية، الأمر الذي فرض تبلور الوعي بالترابط الثلاثي بين النظم والإمبريالية والدولة الصهيونية.

إذن، الانتفاضات عربية. بمعنى أنها لا تحمل الهم الداخلي فقط، بل تحمل هماً عربياً سوف يفتح الأفق لوضع عربي جديد. ولهذا أشير إلى أن هدف الانتفاضات هو ليس الحرية فقط؛ هو أشمل من ذلك لأنه هدف مجتمعي. بمعنى أنه يريد قلب وضع لمصلحة وضع آخر مناقض لما هو قائم. وهنا تطرح المسألة القومية برمتها، كما يطرح التطور الاقتصادي وكل الوضع المجتمعي.

وإذا كانت عفوية الثورات لم تسمح بوضع برنامج ورؤية لها، وأن النخب الليبرالية تلقفتها لكي تصيغها وفق مطمحها هي (أي أن تبقيها في حدود الحرية والديمقراطية)، فإن تطور الثورات سوف يوضح أكثر فأكثر هذا الطابع الشامل لها. وهو ما يظهر في الممارسة عبر التوسع في طرح الأهداف، من القضايا الاقتصادية التي تتعلق بالعمل والأجر والسكن والطبابة والتعليم، إلى المسألة الوطنية التي تتعلق بأفق عربي جديد.

الانتفاضات بالتالي هي من أجل الحرية والديمقراطية، لكنها أيضاً من أجل حق العمل والأجر والطبابة والتعليم المجاني والسكن، وكذلك من أجل التحرر من السيطرة الإمبريالية ومن الاحتلال الأميركي الصهيوني في فلسطين والعراق.
لهذا ليس غريباً أن يرفع الشعار في تونس أم الثورات العربية: الشعب يريد تحرير فلسطين.

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s