عن تركيا “المحيرة”

بعد الهجوم الصهيوني على أسطول الحرية، وخصوصاً بعد الرد التركي العنيف، أصبحت تركيا “أمّنا”، وباتت من محور المقاومة والممانعة. وأصبحت حليفاً “استراتيجياً” للعرب، إلى الحد الذي فرض العودة إلى تمجيد “النزعة العثمانية”، والتغني بالدولة العلية. وعُقد الأمل بأن تكون القوة الداعمة حتى لتحرير فلسطين. ولقد أصبحت ضمن محور الممانعة، وشكلت ثالث الثلاثي المكوّن من سورية وإيران وتركيا.

بعد الانتفاضة السورية أصبحت تركيا دولة معادية، وليدة الصهيونية، وباتت تنفذ “الأجندة الأميركية في المنطقة”. أصبحت جزءاً من المشروع الإمبريالي الهادف إلى السيطرة على المنطقة وتقسيمها. ولهذا انصبّت الإدانات على أردوغان وتركيا، وتحوّلت إلى العدو ربما رقم واحد. فسورية دولة ممانعة، وداعمة للمقاومة، ومستهدفة من قبل الإمبريالية الأميركية، وبالتالي يجب أن تسحق شعبها من دون أن يتدخل أحد، حتى للقول بأن استمرار السلطة يفترض بعض الإصلاحات، وهذا ما كانت تقوله الحكومة التركية، انطلاقاً من تمسكها الشديد ببقاء هذه السلطة، وليس رحيلها.

السؤال هو: كيف يمكن لحكومة أن تصبح هذا وذاك في فترة قصيرة جداً؟ ثم ماذا يمكن القول الآن والحكومة التركية تخفض العلاقات الدبلوماسية مع الدولة الصهيونية، وتوقف التعاون معها، وتهددها، ثم تعتبرها عدواً؟

تركيا فعلت كل ذلك، لكنها قطعت تقريباً مع السلطة السورية نتيجة ما يجري. ماذا يمكن أن نقول في وضع كهذا؟ الأهم الصراع مع الدولة الصهيونية أم الدفاع عن السلطة في سورية؟

ليس هذا ما أردت الوصول إليه، لكن وددت أن ألفت إلى سوء فهم الواقع لدى “شبيحة” السياسة؛ القومجيين (وأنا قومي بمعنى ما) و”المعادين للإمبريالية” (وأنا ماركسي أعمل على نقض الرأسمالية من جذورها)، وبالتالي تمسكهم بالألفاظ، وحبهم للتهويم النظري (الخالي من النظرية)، وهو الأمر الذي يجعلهم يلاحقون أشباح أفكار، ويخوضون معارك طاحنة هوائية.

طبعاً بعكس ما يمكن أن يبدو، هدفي ليس الدفاع عن السياسة التركية، حيث إنني أعتبر أنها تعبّر عن مصالح البرجوازية التركية التي صحت من وهمها اللحاق بأوروبا، فزحفت من أجل السيطرة على المنطقة. إنها تريد سوقاً واسعة لسلعها، لهذا كانت حريصة على بقاء السلطة السورية، هذه السلطة التي قدّمت لها كل التنازلات السياسية (التخلي عن الإسكندرون)، والاقتصادية التي أفضت إلى تسريع انهيار الصناعة وحتى الزراعة، وتحوّل سورية إلى سوق تركية. وسورية هي المدخل للشرق، لهذا أصبحت مسألة داخلية تركية.

وهذه النظرة الجديدة هي التي فرضت أن ينشأ تنازع بينها وبين الدولة الصهيونية، هذه الدولة التي تعتقد بأن المنطقة هي للولايات المتحدة وأنها هي حارستها.

لهذا أصبح تحجيم الدولة الصهيونية مسألة تركية خالصة، ليس حباً بالعرب، ولا دعماً للفلسطينيين. فهذا وذاك هما نتاج مصلحة تركية، في سياق السعي لكي تصبح تركيا “قوة عالمية صاعدة”، وجزءاً من قيادة عالم جديد يتشكل. وأردوغان يتصرف اليوم انطلاقاً من هذه القاعدة، ويعمل من أجل أن تصبح تركيا هي القوة الإقليمية الجديدة، التي تفرض إيقاع المنطقة.

هذا جيد على الصعيد التكتيكي، أي من زاوية الصراع في المنطقة، حيث برزت قوة تحاول تحجيم الدولة الصهيونية، وفرض قبولها بدور محدود، وتنازلها عن جزء من فلسطين، من دون طموح لأن تكون قوة عظمى إقليمية كما كان يرسم لها. وتركيا في هذا السياق معنية بتعزيز “الممانعة” و”المقاومة”، لمصلحتها على الأقل. ومعنية بالتحالف مع إيران، وبتعزيز وضع مصر في السياق ذاته.

هذا ربما معادل لـ”الممانعة” السورية، وأيضاً ربما أهم (لأنه حقيقي)، وكذلك ربما يفتح على ألا يقود سقوط النظام السوري إلى تحوّل أميركي، بل إلى تحوّل لا يغيّر كثيراً في السياسة الخارجية لسورية.

في المدى الأبعد، سنجد بأن الميل التركي هو ميل هيمني، ويسعى لتكريس الليبرالية الاقتصادية لكي يستطيع تحقيق ذلك. وسيدعم التحولات إلا في المجال الاقتصادي، حيث يريد هو أن يسيطر بدل آخرين.

المسألة هي أن الانتفاضات العربية سوف تقود بالحتم إلى بناء نظم ترفض الليبرالية والهيمنة، لأنها تعمل على تحقيق مطالب الطبقات الشعبية في العمل والأجر والتعليم المجاني والطبابة والحرية؛ أي في فرض نمط اقتصادي بديل ينطلق من بناء القوى المنتجة، أي الصناعة، وتطوير الزراعة، والتأسيس العلمي، في سياق السعي العربي لأن تبنى الدولة الأمة، وتصبح قوة اقتصادية مستقلة ومتحررة.

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s