معنى الانتفاضات العربية

ما يبدو إلى الآن هو أن الشعوب تنتفض وتثور ثم يقطف الجيش السلطة، أو تنجرف إلى حرب أهلية وتدخل إمبريالي، أو توضع في مأزق الزمن الذي لا يفضي إلى تغيير (اليمن)، أو تتهدد دول ممانعة (سورية) وربما يجري تصور بأنها ستنجرف إما إلى تدخل إمبريالي أو حرب طائفية. هذا ما فتح ويفتح على كل الأقاويل والاستعارات عن “المؤامرة”، ويبدو أن الروس الذين يخسرون مواقعهم ومصالحهم هم الذين “توصلوا” إلى أن المسألة هي مسألة مؤامرة.

لماذا هذه النتيجة لهذه الثورات؟

يمكن أن نلخص بأنها نتاج أن قوة الثورة لم تكن كافية لهدم النظام بل اكتفت بهزة بقوة، حيث غاب عن الثورات هذه روح الهجوم من أجل استلام السلطة لكي تعيد بناءها وفق مصالح ورؤى مختلفة. والسبب هنا هو أن الثورات عفوية بكل معنى الكلمة، وهو ما يعني أنها تستطيع أن تهدم أو تهزّ لكنها لا تمتلك بديلاً تتقدم لفرضه بقوتها. وبالتالي فإن المشكلة التي لا بد من أن تعالج لماذا هذا الغياب الفاضح للأحزاب التي تمثل هؤلاء الثوار؟

الأحزاب انقطع ارتباطها بالطبقات الشعبية منذ زمن طويل بفعل القمع لكن كذلك وأساساً بفعل عجزها (قصور وعيها، وبساطة طموحها وتعلقها بالسلطة من زاوية الصراع معها من أجل أن تسمح بنشوء جو ديمقراطي)، ولهذا أيضاً لم تتوقع الثورات، وكذلك النخب التي تدين وتعربد اليوم ضد “المؤامرة” والتدخل الإمبريالي.

لهذا أنجز الشعب مهمته بتفوق هائل، ووقف فشل الأحزاب عائقاً أمام الوصول إلى الانتصار النهائي. وهو الأمر الذي أعطى فسحة للطبقة المسيطرة بأن تقوم بمناورة التفافية على الثورة من أجل امتصاصها، وتفريغها مما طالبت به. هذا وضع طبيعي من قبل هذه الطبقة التي تريد أن تبقى مسيطرة، كما هو وضع طبيعي من قبل الإمبريالية التي تحميها وتدعمها، فلماذا تقبل بانهيارها ولم يتقدم أحد لكي يطرحها جانباً؟

لكن ما يجب أن يكون واضحاً بأن هذا هو “الصورة الأولية” للثورة، أي اللحظة الأولى التي فرضتها قوة الشعب العفوي، وبسيط الوعي، والذي تمرّد حين وصل حافة الفناء. انفجار شعبي هائل يريد أن يهدم ما يسحقه ويفنيه. أما هل سيتوقف عند هذه النتيجة الأولى؟
هذا ما يجب أن يلحظ، وأن يُفهم، وأن يكون في أساس رؤيتنا للواقع الحالي. بمعنى أن هذا الانفجار الذي أسقط رؤساء ولم يسقط النظم بعد، ليس من الممكن وقفه بحركة التفافية ساذجة، أو حتى بمناورة محكمة، أو كذلك بدور إمبريالي. فقد بدأ، وليس من الممكن أن يتوقف قبل أن يعيد صياغة كلية التكوين المجتمعي. دون أن يتغير التكوين الاقتصادي الذي شكلته سلطة رأسمالية مافياوية اهتمت ببناء اقتصاد ريعي أرادته المراكز الإمبريالية وخدم مصالحها، والذي فرض تهميش 80% من المجتمع التي هي الطبقات الشعبية، وجعلها خارج عجلة الاقتصاد مسحوقة مفقرة ونسبة كبيرة منها دون عمل (ودون طبابة أو تعليم مجاني وعلمي).

المجتمعات لا تقبل تهميش كتلتها المنتجة، ورمي معظم أفرادها في هوّ لا قاع له. لهذا يصبح الانفجار هو بداية صيرورة ستقود إلى تغيير عميق. انفجار لن يتوقف (وإن هدأ) قبل أن يحقق هذا التغيير العميق في النمط الاقتصادي. ولهذا نكون قد دخلنا في وضع يفرض معالجة المشكلة التي جعلت الانتفاضات الراهنة لا تفعل سوى هز النظم وتحقيق تغيّر شكلي فيها، وأقصد التبلور السياسي الذي يعبّر عن مصالح هذه الكتلة الهائلة من المفقرين. ولا شك في أن الأزمات تسمح بفتح أفق التفكير العميق في المشكلات، وبالتالي تستدعي الحاجة إلى الوعي السياسي، الأمر الذي يجعل الانتفاضات كذلك ورشة للتثقيف والوعي. مما سيقود حتماً إلى تبلور الأحزاب السياسية القادرة على حمل مشروع التغيير العميق.

لهذا بدل اللطم يمكن التقدم لمساعدة المفقرين هؤلاء في بلورة أحزاب قادرة على التغيير، وبدل الرفض نتيجة “الحل الأولي” يمكن التقدم لإكمال الثورة كي تصل إلى منتهاها “الطبيعي”، أي التغيير العميق. اللغو حول الثورات والتشبث بأفلام حول المؤامرات والتخوف على “الممانعة والمقاومة” كلها مسائل لا معنى لها الآن، حيث ينفتح أفق قلب كل الوطن العربي وتأسيسه بما يحقق مصالح المفقرين، وهو هنا حتماً على تضاد شامل مع الإمبريالية والدولة الصهيونية وكل سيطرة الرأسمال.

المصدر: الأفق الإشتراكي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s