الماركسية والعمال في الثورة الراهنة (تصور للنقاش)

انفجرت الثورات في العديد من البلدان العربية في موجة متتابعة لا تبدو أنها وصلت إلى نهايتها، حيث لازالت بلدان لم تدخل جدياً في المجرى الثوري الراهن. لكن الأمور تسير نحو ثورة شاملة ستطال كل البلدان العربية بما في ذلك السعودية والخليج. ولاشك في أن لهذا التتابع معنى فرض على الإعلام الرأسمالي التحدث عن ثورات عربية أو ثورة عربية، وهو الوضع الذي يفرض علينا كماركسيين أن نلتقط هذه اللحظة من زاويتها هذه، من أجل العودة إلى طرح مشروع تحرري عربي يهدف إلى الاستقلال والوحدة والتطور المجتمعي.

لكن لا بد كذلك من أن نلتقط اللحظة الثورية في كل بلد من أجل تحديد دور العمال والفلاحين الفقراء، وبالتالي دور الحزب العمالي الذي يعبّر عنهم. خصوصاً وأن الوضع يتسم بعجز عام في كل الأحزاب الماركسية ظهرت واضحة في الثورات التي حصلت، رغم أنه كان بعض الأحزاب دور معيّن لم يصل إلى أن يعلب الدور القيادي الضروري من أجل انتصار حقيقي للثورة. ولهذا بات واضحاً أنه في ثنايا الصراع لا بد من أن يتبلور الحزب الثوري الذي يعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء من أجل تحقيق الانتصار.

لقد ظهرت الثورات كثورات “شباب” نتيجة المشاركة الواسعة للشباب فيها، ولدورهم “القيادي” المستقل فيها. ولا يبدو ذلك مستغرباً لأن الشباب هم العنصر المندفع والديناميكي كما كان في كل الثورات في العالم، لكن لا بد من أن نلاحظ أن الطبقات المفقرة قد لعبت دوراً كبيراً في كل هذه الثورات، سواء فيها ضمن الكتل البشرية الهائلة التي تحركت أو اعتصمت، أو من خلال الدور الأولي الذي قامت به حينما انفجرت ضد الاضطهاد الطبقي الذي تعيشه، أو نتيجة الإضرابات التي قامت بها خلال الثورات. بمعنى أن الطبقات الشعبية ومنها العمال والفلاحون الفقراء كانت في صلب النشاط الثوري، وإنْ كانت لم تتحرك كطبقات بل اندمجت في الجموع البشرية الهائلة التي فرضت التغيير.

ما يجب أن نتلمسه في كل هذه الثورات هو، رغم ذلك، أن الصراع الطبقي لم يتخذ شكله إلا في لحظات محدَّدة، ومثلت الثورات اختلاطاً طبقياً بدا أن “الشباب” هو الذي يقوده، وهنا شباب الفئات الوسطى في الغالب. هذه إشكالية رغم أن هناك من يعتبر أنها ميزة، لأن هذا الوضع فرض أن تكون الأهداف الديمقراطية وتأسيس دولة مدنية هي الأهداف التي تناضل من أجل تحقيقها هذه الثورات، رغم أن الأهداف المطلبية المعيشية كانت مطروحة وواضحة، وكانت في أساس حراك العمال والفلاحين الفقراء وقسم مهم من الفئات الوسطى. وبالتالي لأن العمال والفلاحين الفقراء لم ينخرطوا في الثورة كطبقة، ومن خلال أطر تعبّر عن مصالحهم (أي النقابات أو حتى الأحزاب).

ثم أن حلول “الشباب” محل الأحزاب في قيادة الحراك وتوجيه الثورة كان يعبّر عن نقص فادح. وهنا أشير إلى مصر خصوصاً، حيث بدا واضحاً أن الدعوة إلى الاحتجاج تحولت إلى ثورة مفاجئة لقادتها الشباب كما فاجأت كل الأحزاب والنظام ذاته. ولقد كانت الأحزاب ليست في وارد إمكانية الثورة رغم كل أشكال الاحتجاج التي اجتاحت مصر طيلة عقد من الزمن، وتمحور نشاطها على “النضال الديمقراطي” بعيداً عن مطالب الطبقات الشعبية، وأزماتها، والاحتقان الذي كان يتصاعد داخلها. وهو الوضع الذي فرض تهميش الأحزاب الماركسية وهامشية دورها.

وهو الوضع الذي فرض أن تستطيع الثورة هزّ بنيان السلطة بطرد حسني مبارك وزج “نخبة” من المافيات التي نهبت مصر طيلة عقود في السجون، لكن لم يكن دور المجلس العسكري في طرد مبارك من أجل فرض الأهداف التي طرحتها الثورة، أي إسقاط النظام وبناء نظام جديد تحدَّد في تأسيس مجلس رئاسي يعد لدستور جديد يفتح الأفق لتأسيس دولة مدنية، بل جاء لقطع الطريق على هذه الإمكانية. فهو جزء من البنية الطبقية لنظام مبارك الممثل للرأسمالية المافياوية، التي نهبت كل ثروة مصر خلال السنوات الثلاثين الماضية. لهذا يحاول تقديم اقل قدر من التنازلات الحقيقية على صعيد طبيعة الدولة، وبنيتها. ولقد دفع نحو تعديل دستوري بدل صياغة دستور جديد، والى انتخابات سريعة لن تسمح إلا بانتخاب شخصيات قديمة طالما لم تتبلور قوى الثورة. ومن ثم أصدر قانوناً ينظم العمل الحزبي أسوأ من سابقه، وأوغل في إصدار قانون منع التظاهر. دون أن يغيّر شيئاً فيما يتعلق بالتكوين الاقتصادي الذي كان في أساس اندفاع الطبقات الشعبية للثورة.

وإذا كان من الضروري تصعيد الصراع من أجل فرض المطالب الأساسية تلك، فإن الطابع “الهلامي” لقوى الثورة، وطفو الفئات الليبرالية يجعل طبيعة السلطة القادمة هي سلطة ليبرالية ديمقراطية دون برنامج اقتصادي مختلف عن الوضع القائم، سوى ربما في تحسين جزئي للأجور وبعض المشاريع الاقتصادية دون تغيير الطابع الريعي للاقتصاد، أو إعادة الأرض للفلاحين وتطوير الزراعة، أو إعادة ملكية الدولة للمشاريع والمصانع التي بيعت واسترداد الأموال المنهوبة، أو إعادة دور الدولة الاقتصادي سواء في التحكم بالعلاقة مع السوق العالمي وإخضاع الأجور والأسعار لقيم محلية أو الاستثمار في الصناعة والزراعة. لهذا سيبدو واضحاً أن المشكلات الأساسية للطبقات الشعبية لن تحلّ، وأن صراع العمال والفلاحين سوف لن يتراجع، على العكس يمكن أن يتطور، ويجب أن يتطور.

في إطار هذا الوضع يصبح ضرورياً تنظيم نشاط العمال والفلاحين الفقراء، وهو الأمر الذي يعني بالضرورة:
1) تنظيمها في نقابات واتحادات ولجان للدفاع عن مصالحها، ولاستمرار مطالبتها بأجور أعلى وبالعمل، وبتحسين شروط العمل والضمان الاجتماعي. هذا ما يجب أن يتيحه الوضع الديمقراطي القائم الآن، والذي يمكن أن يفرض في إطار دولة مدنية.

2) بناء حزب يعبّر عن مطامح العمال والفلاحين الفقراء، حزب ماركسي يسعى إلى تطوير الصراع الطبقي من خلال تنظيم الطبقة وتوضيح رؤيتها وتحديد سياساتها. والحزب هنا هو ليس نخبة بل حزب العمال والفلاحين الفقراء. بمعنى أن بنيته يجب أن تكون من هؤلاء، وأن تندمج “النخبة” الماركسية بهم، لأن مهمتها هي تطوير صراعهم هم بالذات، وليس مزاولتها النشاط السياسي بالمعنى الليبرالي الديمقراطي.

الآن، لا بد من دور حقيقي للعمال والفلاحين الفقراء، وكذلك للحزب الذي يعبّر عن مطامحهم ويطرح رؤاهم، وينظم نشاطهم. لقد انقضت مرحلة في الصراع أفضت إلى هزّ السلطة القديمة، هذه السلطة التي لازالت تقاوم التغيير، وإذا كانت قد ضحت بفئة من المافيات التي حكمت خلال السنوات الماضية فإنها تعمل جاهدة على تكريس النمط الرأسمالي الريعي، والسلطة المستبدة. وإذا كان يجب أن يتمحور الصراع الآن على فرض دولة مدنية، فإن تطوير صراع العمال والفلاحين الفقراء من أجل مطالبهم هو المدخل لتطوير دورهم اللاحق، وتنظيم نشاطهم في خضم الصراع، وتحديد الرؤية التي تحكم العمل من أجل انتقالهم إلى لحظة استلام السلطة.

بالتالي لا بد من دعم الحراك من أجل فرض المطالب الأساسية التي تهدف إلى بناء دولة مدنية، وفي الوقت ذاته تنظيم نشاط العمال والفلاحين الفقراء، وتعميق مطالبهم، وأيضاً من ثم العمل على بناء إستراتيجية النضال الماركسي، إستراتيجية تنطلق من فهم الواقع الطبقي وتوازن القوى الطبقية، وكيفية تطوير نضال هؤلاء لكي يتبلوروا في طبقة مقاتلة من أجل استلام السلطة.

هذه هي المهمة الجوهرية التي تنتصب الآن، والتي عليها يتوقف تطور الصراع الطبقي، وتصبح إمكانية الانتصار كبيرة، وهي المهمة الملحة التي سوف يفرزها الواقع، لأننا في خضم صراع لن يتوقف إلا بتحقق البديل الضروري لتجاوز الواقع القائم. لم يعد الواقع القائم ممكن الاستمرار، هذه مسألة لا بد من أن تكون واضحة ومؤكدة، ولهذا يحمل الواقع إمكانية تبلور حزب عمالي. حزب العمال الاشتراكي، الذي يطوّر صراع العمال والفلاحين الفقراء، ويرسم الإستراتيجية التي تفضي إلى تحقيق التغيير. التغيير الذي يعني إنهاء الطبقة الرأسمالية المسيطرة لمصلحة هؤلاء، بالتحالف مع كل الفئات الوسطى والمهمشة. فلا شك في أن مسألة الدولة (أو مسألة السلطة) ترتسم الآن بوضوح شديد، ومن لا يفكّر فيها سوف يتخلف عن الواقع، ويلقى جانباً. حيث أن الدولة المدنية الحديثة ليست ممكنة إلا عبر تغيير الطبقة المسيطرة وفرض سلطة العمال والفلاحين الفقراء، وأيضاً بالتحالف مع الفئات الوسطى وكل المهمشين. ليست المسألة الآن هي مسألة “النضال الديمقراطي” بل مسألة التغيير الثوري. ورغم ضرورة النضال الآن من أجل فرض الدولة المدنية فإن تحققها سوف يفرض انتقال العمال والفلاحين الفقراء إلى موقع الطبقة المسيطرة، لأن الرأسمالية القائمة في المستوى الاقتصادي هي رأسمالية مافياوية أسست لاقتصاد ريعي، وليس بإمكانها أن تكون غير ذلك في إطار ترابطها مع الطغم المالية الإمبريالية. وهي ليست معنية بتأسيس دولة مدنية بالتالي. وكل الفئات الوسطى الآن لا تحمل مشروعاً للتغيير الاقتصادي (كما كان الوضع في نهاية أربعينات القرن الماضي)، بل تحمل أحلام الدمقرطة والدولة المدنية. لهذا ليس إلا العمال والفلاحين الفقراء هم من يحقق ذلك.

هذا الأمر يفرض التفكير الجدي في الحزب العمالي، في الوعي الذي يمتلكه وفي بنيته، في إستراتيجيته وأهدافه، كما في الخطوات الضرورية من أجل تأسيسه في خضم الصراع القائم. لهذا لا بد من التأكيد أولاً على أنه يجب أن ينطلق من وعي الواقع، وهو الأمر الذي يفرض البحث العميق في التكوين الاقتصادي والطبقي، وفي التناقضات وطبيعة الصراع، وفي الوضع العالمي الذي أسسته الطغم الإمبريالية. وثانياً أن يؤسَّس على أساس ماركسي واضح، بمعنى أن ينطلق من المنهجية الماركسية، وأقصد الجدل المادي، بعيداً عن أي “منظومات” مسبقة، وعن أي إطار أيديولوجي مسبق، حيث لا بد من تأسيس الرؤية المطابقة لوضع العمال والفلاحين الفقراء في الواقع الراهن في أفق الانتقال إلى الاشتراكية. وهذا لن يتحقق إلا من خلال الانطلاق من الجدل المادي الذي يؤسس لفهم علمي للواقع القائم، وبالتالي لإستراتيجية ثورية صحيحة. وثالثاً أن يتأسس من العمال والفلاحين الفقراء لأنه حزب هؤلاء وليس حزب الفئات الوسطى، رغم أنه يضم بعض من هذه الفئات، أي تلك الفئات التي تتمثل الماركسية وتتجاوز مصالحها الضيقة لتكون جزءاً من العمال والفلاحين الفقراء. وهي الفئة التي تقدّم الرؤية والسياسات والتنظيم، لكن كل ذلك من خلال العمال والفلاحين الفقراء، وليس من خلال الفئات الوسطى. ورابعاً أن يعي أنه يعمل على تطوير الصراع الطبقي من أجل تحقيق التغيير وتحويل هؤلاء إلى طبقة حاكمة. وبهذا فهو حزب التغيير الثوري لعلاقات الإنتاج القائمة في أفق الانتقال إلى الاشتراكية.

اليوم، العمل هو بين العمال والفلاحين الفقراء من أجل تطوير الصراع الطبقي، وصولاً إلى اللحظة التي تفرض تفجّر الثورة من جديد، حيث يجب أن تكون الطبقة قادرة على استلام السلطة.

المصدر: الأفق الإشتراكي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s