رسالة الى رفاقي الشيوعيين في العراق

الرفاق الأعزاء

لا شك في أن الوضع الذي تشكل خلال السنوات السبع الماضية لم يعد يطرح طريقاً للتخلص من الاحتلال، وبناء الاستقلال إلا عبر دور الماركسيين، بعد أن اصبح واضحاً عجز قوى المقاومة التي اتخذت أشكال دينية أو طائفية، والتي وإن كانت قد وجهت ضربة مهمة لجيوش الاحتلال خلال السنوات الثلاث الأولى إلا أنها تراجعت بعد أن توسعت الصراعات الطائفية، وتعمم القتل، وبعد أن انسحبت الجيوش الأميركية من المدن. وأيضاً بعد أن بدأ تصاعد النضال الشعبي ضد السلطة التي أقامها الاحتلال ونهبت ثروات البلد، في حركة مطلبية مهمة.

إن تكوين العالم الراهن، حيث فرضت الرأسمالية سطوتها على كل مناحي الحياة، وشكلت الطبقات في كل مكان انطلاقاً من سطوتها هذه، هو الذي فرض أن تلعب الطبقة الجذرية: الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، الدور الرئيسي في المواجهة، وإن لم تكن وحيدة في هذا الدور، لكن دورها الفاعل والقيادي هو دور أساسي من أجل تحقيق الانتصار، لأن الصراع في هذا المستوى يحتاج إلى الجذرية ضد الرأسمالية كنمط، والى الوعي العميق: في الرؤية والممارسة، حيث أن معركتنا هي، ليس مع أعتى قوة إمبريالية في العالم فقط، بل وأعتى قوة من حيث تملك العلم والتكنولوجيا والحنكة والمقدرة على المناورة. وهذا الوعي الذي نحتاجه توفره الماركسية لنا، الماركسية بما هي منهجية، منطق تفكير ومنظومة أفكار وانحياز طبقي.

لقد تاهت الحركة الشيوعية في العراق منذ أن ضلت الطريق الذي رسمه قائدها، وقائدنا، الخالد الرفيق فهد، وبعد أن همشت مرحلة الرفيق سلام عادل الذي كان الاستمرار الطبيعي لمرحلة فهد. حيث خضعت لمنطق الماركسية السوفيتية وأصبحت ترى بأن دورها هو دور مساعد لطبقة يجب أن تنتصر هي البرجوازية، وأن ما عليها سوى التحالف معها من أجل تحقيق التطور الرأسمالي، الذي كان محكوماً عليه بالمنع منذ أن أصبحت الرأسمالية نمطاً عالمياً، من قبل الرأسمالية الإمبريالية ذاتها، وبالتالي انقادت خلف وهم اسمه التطور الرأسمالي. ثم فقدت أرضيتها حينما حققت فئات من البرجوازية الصغيرة مهمات أساسية تجاوزت مطامحها، هي التي كانت تلهث في البحث عن برجوازية تحقق أحلامها، ولم يكن من المقدّر لهذه الفئات أن تنتصر إلا بسبب أوهام التطور الرأسمالي التي حكمت كل الحركة الشيوعية في الوطن العربي، وكل الشيوعيين الذين اعتبروا بأن موسكو هي معلمهم، رغم أنها كانت ترسم سياسات تتعلق بمصالحها كدولة، ومن هنا كانت براغماتيتها التي انعكست براغماتية عششت في عقل الحركة الشيوعية. ولهذا تحالفت مع برجوازية صغيرة تتوهم أنها تحقق الاشتراكية، تحت شعار بناء الاشتراكية معاً.

فقد التحق الحزب بهذه الفئات البرجوازية الصغيرة تحت وهم تحقيق الاشتراكية هذه المرة: اشتراكية البرجوازية الصغيرة التي هي ليست اشتراكية، بل صيغة من صيغ التطور الرأسمالي، أو أنها تقود حتماً لتعميم الرأسمالية. وكانت النتيجة تشريد الحزب واندفاع العراق نحو دكتاتورية فظة، وسياسات، وإن كانت تحمل مطامح تحقيق التطور، فقد اتسمت بالخطئية في الرؤية الاستراتيجة لأنها قامت على النزق الذي تتسم به هذه الفئات. وهنا أشير إلى أن الحزب يشارك في هذا المصير المأساوي، ليس لأنه دعم الدكتاتورية وهي تتشكل فقط، بل لأنه بالأساس تخلى عن دوره في التغيير قبل أن تقوم به هذه الفئات، وهو الدور الذي كان يفرضه تشكل النمط الرأسمالي. هنا الجريمة الأولى التي يجب أن نتوقف عندها ملياً ونحن نفكر في صياغة الرؤية التي تحدد دور الماركسية في العراق. لأنها تطرح مسألة الدور الأساس الشيوعيين، ويكون التخلي عن هذا الدور امعاناً في تجاهل تحقيق التطور وخدمة لقوى أخرى ليس بمقدورها تحقيقه.

وبعد “تشرده” التحق بقوى “قومية” متخلفة، رغم الأهداف المحقة التي تطرحها، وهي القوى الكردية التي دعمته في شن كفاح مسلح ضد السلطة، ومن ثم قامت بذبح حركة الأنصار. وبالتالي بات الحزب جزءاً من “العملية السياسية” التي أنشأها الاحتلال كغطاء لاحتلاله، وبات في صف القوى التي تكرس الاحتلال، وإن كانت تتحدث بخجل عن “رحيل القوات الأجنبية”، لكن بعد تحقيق “الاستقرار”. وربما كانت هذه النهاية طبيعية لحزب تربى على التكيف مع الأمر الواقع تحت شعار “العقلانية” وميزان القوى، والدور المساعد. حيث أن غياب الرؤية التغييرية التي حكمته تجعله يتكيف مع كل التحولات، ويلعب دور “الناقد” إن بلغ أقصى الجرأة.

وما من شك في أن هذه النهاية قد وجهت ضربة مؤلمة ليس لتاريخ الحزب الشيوعي وللرفيق فهد (أبو الدعوة لمقاومة الاحتلال وتحقيق الاستقلال) وللرفيق سلام عادل الذي تقدم لاستلام السلطة ومُنع، بل لكل القوى الماركسية ولليسار عموماً، الذي بدا مرتبكاً وتائهاً يلهث بعضه خلف “قوى مقاومة” طائفية وأصولية، أو كان مشتتاً دون هدى، وغارقاً في فصام نتج عن عنف الدكتاتورية التي ظلت ماثلة والوضع يفرض الانتقال إلى المقاومة.
لهذا تطرح اليوم مسألة في غاية الأهمية تتمثل في: كيف يمكن تأسيس قوة ماركسية تمتلك من وضوح الرؤية ما يجعلها تفهم الصراعات الواقعية جيداً، وتمتلك الحزم في خوض النضال ضد الاحتلال والفئات التي تحلقت حوله وأصبحت أدواته، من أجل تحرر واستقلال العراق، ولتأسيس نظام وطني يعبّر عن الطبقات الشعبية، في ممارستها إرادتها وفي تحقيقها مصالحها، وبالتواشج مع كل الماركسيين في الوطن العربي، في أفق تحقيق الاشتراكية.
هذه هي المهمة التي تمثل أمامنا، والتي يجب أن تحظى بنقاش حقيقي هنا. وأن تكون في صلب النقاشات التي يجب أن نقوم بها.

وهنا يجب أن أوضح:
1) إن الرؤية لازالت غائمة، حيث يجب أن نحدد بوضوح معنى اليسار الذي نقصده، وأصرّ هنا على أننا –كما أشرت للتو- يجب أن نسعى إلى تأسيس قوة ماركسية، نقدية وجذرية، تنطلق من منهجية الماركسية وليس من بعض نصوصها، تنطلق من الجدل المادي وليس من أفكار قيلت في زمن متقادم، رغم معرفتي بأنه ليست كل الافكار التي تطرح تتقادم، بل يبقى كثير منها مادامت لم تحدث انتقالة تاريخية حاسمة. لكن الذي يحدد قيمة أية فكرة هو البحث في الواقع انطلاقاً من الجدل المادي وليس أي شيء آخر. وبالتالي فإن الأساس هنا هو تمثّل الجدل المادي والبحث في الواقع معاً من أجل بلورة رؤية مطابقة يمكنها أن تؤسس لاستراتيجية ثورية حقيقية.
إن المسألة الأهم هنا هي كيف نفهم الواقع، وبالتالي كيف نؤسس رؤية لتغييره على ضوء المهمات التي يطرحها وانطلاقاً من واقع الطبقات التي نعبّر عنها؟ المسألة هنا لا تتعلق بأهداف فقط، فهذه يمكن تلمسها حسياً، ويمكن التعامل معها عفوياً، بل يجب فهم الصيرورة التي تفضي إلى تحقيق هذه الأهداف. هذه هي مهمة الماركسي، وهذا ما تضيفه الماركسية.
2) إن الهدف المركزي لقوة ماركسية في العراق هو طرد الاحتلال وتحرير العراق، وأي هدف آخر هو مترابط مع هذا الهدف ومؤسس عليه، لكنه لا يحظى بالأولوية ولا يسبقه، الآن والى حين طرد الاحتلال، رغم ضرورة بلورة برنامج متكامل للبديل الماركسي يتعلق بوضع العراق بعد طرد الاحتلال، والتحالفات الممكنة في سياق النضال من أجل التحرير، ولا نكتفي بهذا الهدف فقط، لأن دورها لا يتحدد في طرد الاحتلال فقط رغم أهمية ذلك وأولويته، بل بتأسيس نظام اقتصادي اجتماعي وسياسي بديل، ينطلق من مصالح العمال والفلاحين الفقراء، ومن مصالح بقية الطبقات الشعبية. وبالتالي فنحن هنا بحاجة إلى بلورة بديلنا، لا أن نبقى أسرى هدف واحد مهما كانت أهميته.
وبلورة بديلنا يفرض علينا خوض “صراعات” أخرى مع قوى وطبقات، وإن تكن لا تحظى بالأولوية، أي تبقى ثانوية. لهذا فإن الصراع الأيديولوجي هو الشكل الآخر الذي يحكم علاقتنا بالقوى الطبقية الأخرى المناهضة للاحتلال، وليس من الممكن القيام بذلك دون بديل، دون رؤيتنا لطبيعة التطور الاقتصادي في العراق المستقل، وللخطوات الضرورية لتحقيق مصالح الطبقات الشعبية، وكذلك لشكل النظام السياسي الديمقراطي.
3) لهذا فإن “حرباً أيديولوجية” يجب أن تشن ضد القوى الطائفية التي تعتبر أنها في تناقض مع الاحتلال، حيث أنها فتتت الصراع ضده عبر فتحها لصراعات طائفية ودينية، وبالتالي فتتت البلد، وهو الأمر الذي يصبّ في السياسة الإمبريالية الأميركية التي تسعى إلى تقسيمه إلى ثلاث دول وأكثر.
إن الأساس الوطني حاسم هنا، وكل تعبير طائفي حتى وإن كان ضد الاحتلال سوف يفضي إلى استثارة كل مكنونات الماضي السيئة والمشينة. ولهذا ليس من الممكن بناء تحالفات مع قوى من هذا النمط. يجب أن يكون ذلك واضحاً، رغم أنه يمكن أن يجري في الواقع، في الممارسة، تنسيق ما إذا كان ذلك ضرورياً في سياق العمل المسلح ضد قوى الاحتلال.
إن الهدف هنا، حيث يجب أن يكون واضحاً بأن قيادة القوى الماركسية للمقاومة هي ضرورة، وهي ضرورة حاسمة، لكنها تتحقق عبر الفعل المقاوم والتكتيك الصحيح، وأن هذا الدور أساسي لتوحيد نضالات الشعب في مقاومة شاملة ضد الاحتلال.
4) ومقاومة الاحتلال لا تعني أن العمل المسلح هو الشكل الوحيد، هذا ما يتبادر إلى القوى التي تمارسه الآن، لكن المسألة تتعلق كذلك، والى جانب الحرب، تطوير صراع الطبقات الشعبية ضد الفئة التي جلبها الاحتلال وأصبحت هي السلطة، وممارسة كل الأشكال الممكنة لنضال شعبي يرفض الاحتلال ويكون حاضنة للمقاومة.
إن الصراع هنا هو صراع طبقي كذلك، حتى في شكله الوطني المتمثل بوجود قوات محتلة، ولهذا يجب أن يجري التركيز على تطوير النضالات الشعبية بكل أشكالها، المطلبية والاحتجاجية والنقابية، والسياسية. فالنضال المسلح وحده في وضع كوضع الاحتلال الراهن (وكما كان الاستعمار الانجليزي) لا يكفي، حيث أن تجميع قوات الاحتلال في قواعد وتكليف سلطة عميلة بقمع الشعب وضمان أمن قوات الاحتلال يفرض تطوير الصراع الطبقي والسعي لطرد هذه الفئات التي وافقت أن تكون واجهة له. إن المقاومة المسلحة ضرورة لكن يجب أن تكون جزءاً من النضال الشعبي من أجل بديل يعبّر عنها يُفرض عبر طرد الاحتلال وطرد ملحقاته.
5) يجب أن يكون واضحاً أن احتلال العراق هو جزء من مشروع سيطرة إمبريالية، كان ولازال يستهدف الوطن العربي كله، وهو تكميل لما بدأ منذ سايكس/ بيكو ووعد بلفور، وبالتالي احتلال المناطق المختلفة فيه وإقامة الدولة الصهيونية. وهو تكميل بمعنى الدفع نحو تعميق التفتت بتوسيعه لأن يصبح تفتتاً طائفياً ودينياً وإثنياً، وبالتالي إعادته إلى قرون مضت عبر تدمير كل التطور الذي تحقق.
لهذا ليس من الممكن الانتصار في الحرب إلا بتحويل الصراع ضد الاحتلال الأميركي للعراق إلى صراع ضد الإمبريالية وأدواتها العربية التي هي النظم التابعة والطبقة الكومبرادورية التي تحكمها، وضد الدولة الصهيونية التي هي أداة للطغم الإمبريالية كذلك، من أجل تكريس السيطرة على كل الوطن العربي.
هذه مسألة أساسية، ويجب أن تكون بديهية في وعينا وممارستنا. وبالتالي يجب أن يكون دور القوى الماركسية في العراق هو جزء من دور القوى الماركسية في الوطن العربي التي يجب أن تجابه تلك السيطرة الإمبريالية، وبالتالي أن تجابه النمط الرأسمالي ككل، ووفق توضعاته في كل بلد، لكن بالتشابك والوحدة في البرنامج والرؤية والسياسات، وإن اختلفت أشكال العمل بين بلد وآخر.
فانطلاقاً من الماركسية يمكن أن نحدد بأن تناقضنا الأساسي هو مع الطغم الإمبريالية وقاعدتها الدولة الصهيونية والنظم التابعة في بلداننا، وكل الفئات التي تلتحق بها. وهو التناقض الذي يستوجب تحقيق تحالف الطبقات الشعبية في كل الوطن العربي، وفي كل بلد من بلدانه. دون تجاهل أن علينا نحن الماركسيين يقع عبء الفعل والفاعلية، لأن دورنا هو الحاسم هنا، مهما بدا وضعنا ضعيفاً الآن، وقدراتنا محدودة، وتشتت واقعنا الراهن. هذا طموح لكنه ضرورة. ضرورة حاسمة من أجل الانتصار في كل بلد وعلى الصعيد العربي العام.
6) ونحن هنا ونحن نؤكد على هذه المسألة، نشير إلى أن الطموح العربي من أجل الوحدة في سياق تحقيق التطور، والنضال الموحد من أجل مواجهة السيطرة الإمبريالية وأدواتها، لا يجعلنا نهمل أهمية مشكلة الأقليات القومية التي تعيش في الوطن ذاته معاً. حيث يجب أن تطرح الحلول الصحيحة التي تجعل الوطن هو وطن العرب وكل الأقليات الأخرى.
وإذا كانت الحقوق الثقافية، إضافة إلى حقوق المواطنة، وربما أشكال من الاستقلال الذاتي، هي الحق الذي يجب أن يكون في صلب برنامجنا، فإن وضع الأكراد في العراق ربما يفترض حلاً أوسع في سياق سعي الشعب الكردي من أجل تحقيق استقلاله وتشكيل دولته الواحدة. وإذا كان الصراع مع الاحتلال لا يسمح بأن تصبح هذه المسألة راهنة فإنها يجب أن تكون نصب أعيننا دون شك.
7) إن ما يجب أن يحظى بالاهتمام هو السعي لتطوير صراع الفئات الشعبية المختلفة ضد السلطة التي تكرست في ظل الاحتلال، وقامت بعملية نهب واسعة لخيرات العراق، رغم أن ما تنهبه هو هامش مما تنهب الشركات الاحتكارية الأميركية. ولقد أوجدت من المشكلات ما يحرّض كل الشعب العراقي ضدها وضد الاحتلال، من افتقاد البنى التحتية التي دمرها الاحتلال (من الماء والكهرباء والطرقات والمدارس…)، إلى الوضع المعيشي بالغ الصعوبة، إلى فقدان الأمن والعمل، وانهيار التعليم، والمحسوبية، إلى التحريض الديني والطائفي، وكثير من المشكلات التي تفاقمت في ظل الاحتلال. إن المطلوب هنا هو تحريك طبقي وقطاعي على هذه القضايا من أجل تفعيل الحراك الشعبي وتطوير الصراع الطبقي والوطني، مادام الاحتلال قد جلب النهب من قبل الشركات الاحتكارية الإمبريالية والمافيات العراقية التي نصّبها (رغم كل الحديث عن الانتخابات، ورغم جدية المشاركة فيها من قبل قطاع كبير من الشعب، الذي يجب أن يُلحظ تراجع اهتمامه على ضوء ما يجري، وبالتالي تحوّله إلى اشكال النضال الشعبي). إن هذا الفعل هو أساس الارتباط بحركة الطبقات الشعبية، وأساس دفعها لتطوير صراعها، وأيضاً ربطه بالصراع المباشر ضد الاحتلال، خصوصاً أن ذلك أصبح ممكناً بل أقول حتمياً بعد كل هذا النهب، وبعد موجة الانتفاضات التي عمّت البلدان العربية.

هذا خط نضالي يجب أن يُمسك، وأن يكون في أساس النشاط الماركسي. لكن يجب أن يترابط مع تطوير النضال ضد الاحتلال، وهو هنا ليس نضالاً شعبياً فقط بل يجب أن يترابط ذلك مع النضال المسلح، حيث لا يخرج الاحتلال دون مقاومة وحرب شعبية تجبره على الهرب. لا يجب أن يكون هناك وهم بأن الاحتلال سوف يخرج في الفترة القريبة القادمة كما يدعي، بل يجب لحظ بأنه سوف ينسحب من المدن ويتمركز في معسكرات ككل الاحتلالات السابقة، وبالتالي سيكون الصراع المسلح معه أصعب، لكن ليس من طريق غير ذلك من أجل تحرير العراق. على الماركسيين أن يكونوا في طليعة النضال ضد الاحتلال، خصوصاً أنهم يملكون ذخيرة هائلة من التجارب في ممارسة حرب الشعب والنضال المسلح. إنهم خبراء في حرب العصابات، وحرب الشعب، وكل أشكال المقاومة المسلحة، والشعبية. ويجب أن يستمر هذا التراث الثرّ، وأن يتطور في شكل من الحروب ربما تكون جديدة في وضع العراق. ولكي تكون في ترابط وثيق مع تطوير الصراع الطبقي وتوسيعه لكي يكون الشكلان مثمران، وليفضيا إلى تحقيق الاستقلال، وسيطرة العمال والفلاحين الفقراء على السلطة، حيث أنها الطبقة الأكثر أهلية لأن تحقق ذلك، بعد ما شهدنا من اشكال للمقاومة فشلت، أو انحصرت نتيجة الشكل الطائفي الذي اتخذته، كما نتيجة الأوهام بأن هزيمة أميركا سهلة.

بعد كل ذلك، إن المهمة المركزية المطروحة الآن هي بناء حزب ماركسي يمثل روح الشعب، ويعبّر عن وطنيته، لكنه يستلهم الاضطهاد والاستغلال الذي يعيشه العمال والفلاحين الفقراء من اجل مستقبل يقوم على أنقاض الرأسمالية. إن تشتت الماركسيين، وتشوش الرؤية وغياب الدور العملي ضد الاحتلال، كلها مسائل يجب أن تنتهي. وليس من الممكن أن يبنى هذا الحزب سوى في خضمّ كل ذاك الصراع، وتأسيساً على تطوير فاعلية الشعب العراقي العظيم.
آمل أن ينظر بالجدية الفائقة للوضع وللمهمات المطروحة، من أجل بلورة استراتيجية نضال ثوري تكون اساس تطوير الصراع بأشكاله المختلفة، فهنا يُبنى الحزب، وهنا يحقق انتصار العمال والفلاحين الفقراء. والعراق بحاجة أكيدة إلى هذا الدور، الذي سيكون رافعة هائلة على طريق تحقيق الانتصار.
وحول التكتيك الراهن
وبعد أرى أن كل ذلك يفرض التمايز الواضح عن كل أشكال “اليسار” الذي لازال يمينيّ الهوى والهوية، “اليسار” الذي يهوى التكيف مع الأمر الواقع وليس فهم الواقع من أجل تغييره، وبالتالي قبول الاحتلال والتشارك مع القوى الطائفية المافياوية في “العملية السياسية”، أو “اليسار” الذي لازال يخضع لمنطق الرأسمال، ويتحالف مع النظم الرأسمالية التابعة (والرجعية)، أو يشارك في نظم ليبرالية مفرطة. فليس من الممكن تأسيس حقيقي لشيوعية مناضلة دون القطع الجذري مع هذا المنطق وتلك القوى.

المطلوب في هذا المجال هو العودة لبذل مجهود من أجل توحيد القوى الماركسية المناضلة، التي تعمل على تجاوز الرأسمالية وتناضل من أجل تحقيق الاستقلال، وتعمل على تطوير الصراع الطبقي في وضع بات الوطن العربي فيه شعلة نضال تقوم بها الطبقات الشعبية، والعمال والفلاحون منهم بالأساس. إن جذرية الصراع الطبقي تفرض جذرية القوى الماركسية لكي تستطيع لعب دور فاعل في هذا الصراع وتطويره، ومن ثم قيادته.

ليس هذا الوقت هو وقت المساومات فيما يخص الماركسية وتمثيل العمال والفلاحين الفقراء، وليس من توافق مع القوى الليبرالية أو المهادنة، أو التي لا تفهم وضع العمال والفلاحين الفقراء وتهمل وضعيتهم وتتجاهل مصالحهم. لهذا لا بد من تطوير الصراع ضد الحزب الشيوعي العربي، وكل الحركة الشيوعية التي لازالت تكرر السياسات ذاتها التي عرفتها منذ عقود، وتلعب الدور الهامشي ذاته الذي تعودت عليه. ولا بد من فضح كل “اليسار” الذي يتكيف مع النظم الرأسمالية التابعة والمافياوية في الوطن العربي، وفضح منطقه الليبرالي والمهادن. من أجل ماركسية ثورية وجذرية وتعبّر حقيقة عن العمال والفلاحين الفقراء في الصراع الطبقي الراهن.

المصدر: الأفق الإشتراكي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s