المقاومة والمتغيّر السوري

تنبني بعض المواقف مما يجري في سورية على تخيّل وضع المقاومة بعد انهيار نظام “الممانعة”، لهذا تُقبل رواية المؤامرة من دون تدقيق، ويصبح قطاع كبير من الشعب السوري متآمراً على نظامه الممانع، ومن ثم لا بد أن يُبرر القتل والعنف والتدمير.

لهذا، المقاومة أهم من الشعب السوري، وهي الضمانة وليس الشعب السوري. لاشك أن وضع المقاومة بات أصعب، وأن التغيير في سورية سوف يقود إلى مشاكل لها. خصوصاً لحزب الله الذي هو على صلة قوية مع النظام في إيران، ومع النظام في سورية.

فبعكس التغيير في مصر وتونس، الذي أسقط نظماً مرتبطة بالإمبريالية الأميركية، فإن التغيير في سورية يوحي بأن البديل نظام “أميركي”، أو في كل الأحوال ضد المقاومة التي كانت في تحالف مع النظام الراهن.

الوضع سيبدو واضحاً، حيث ظهر خلال السنوات الماضية أن المعارضة السورية في تناقض مع المقاومة، وفي ميل للتكيف مع الموجة الأميركية لـ “نشر الديمقراطية”. هكذا ظهر من خلال مواقف بعض قوى المعارضة لطيف واسع من العرب. وكان انتصار حزب الله في حرب تموز سنة 2006 مدخلاً للدعم الشديد له من قبل كل المعنيين بمواجهة الإمبريالية الأميركية والدولة الصهيونية. وحصل النظام في سورية على بعض هذا “الحب”. فهو الحليف لهذا الحزب، ومدخل وصول الأسلحة من إيران. وبالتالي فهو “دولة مقاومة”، رغم أن النظام قرَّر أن يظل في حدود “الممانعة”.

على الصعيد الجزئي، واللحظي، سيبدو أن أي تغيير في سورية ضد المقاومة، أوبشكل أدق ضد حزب الله. أما حماس فإنها تتحضر للسكن في مصر بعد التغير هناك، وحلم حركة الإخوان المسلمين للحصول على سيطرة على البرلمان المقبل.

لكن سنوضّح هنا أن الشعب الذي يتظاهر اليوم في سورية كان من أشد مؤيدي المقاومة ولم يته كما تاهت بعض معارضته. وبالتالي لا يجوز أن يجري النظر إلى أن البديل هو حتماً ضد المقاومة. ربما سيكون ضد أية قوة تقف في وجه مطامحه للحرية والعيش، لكنه سيكون مع المقاومة كمقابل، أيضاً، لموقف النظام الراهن من تحرير الجولان. حيث إن الوعي العام يقول إن هذا النظام لا يعمل من أجل تحريره. بمعنى أنه ليس منطق المقاومة فقط بل مبدأ الممانعة موضوع تحت الشك.

ولاشك في أن النظام يستفيد من المقاومة، ويدعمها مادامت تحقق له ذلك، لكنه سيلفظها لحظة وصوله إلى توافق مع الولايات المتحدة. ما لا بد أن يكون واضحاً هنا هو أن النظام الذي يحوّل اقتصاده لكي يكون ريعياً، ويمركز الثروة بيد أقلية ضئيلة حاكمة،تسعى إلى أن تحقق مصالحها عبر التكيف مع النمط الرأسمالي وليس من خلال التصارع معه، لن يتمسك بالمقاومة لحظة تحقيقه هذه المصالح. هذا الربط بين الطبقي والوطني غائب في كل تحليل، سواء من قبل المعارضة أو من قبل “قوى المقاومة”.

ما لا بد من أن يكون واضحاً هو أن ما يجري في سورية هو في سياق ما بدأ في الوطن العربي منذ 17/12/ 2010، والذي أوضح بأن المنطقة تعيش حالة احتقان شديد، طبقي ووطني معاً، وأن لحظة التفجر قد حانت، يستوي في ذلك كل النظم بغض النظر عن الاختلافات فيما بينها لأنها أسست لنمط اقتصادي “موحد” يفرض تهميش كتلة اجتماعية هائلة، كان عليها الرد على تهميشها، وأيضاً هي تعي العلاقة بين المافيات الناهبة والنظم من جهة، وأميركا والدولة الصهيونية من جهة أخرى. لهذا فإن نهوضها سوف يفرض تغييراً عميقاً في رؤية الصراع مع الإمبريالية ومع الدولة الصهيونية لجهة التأكيد، والفعل في اتجاه، مواجهة حقيقية. هذا ما يرعب البلدان الإمبريالية والدولة الصهيونية. فالمسألة ليست خلافاً مع نظام بل صراع ضد بنية تشكلها النظم مترابطة مع الطغم الإمبريالية. وهو الأمر الذي يجعل هذه الثورات تؤسس لتعميق التناقض مع الإمبريالية والدولة الصهيونية وليس العكس.

بمعنى أننا مقدمون على تطوير الصراع مع هؤلاء، وإذا كانت “المقاومة” الآن في وضع مأزقي نتيجة المتحوّل السوري فهي بالأساس في وضع مأزقي نتيجة طابعها الطائفي، الذي تفرض التحولات الثورية العربية تجاوزه لأنه بات من الماضي نتيجة توضّح الصراع كصراع طبقي وطني. وبالتالي على هذه المقاومة أن تتساوق مع الثورات العربية لا أن تقف ضد الشعوب إكراماً لها.

نحن مقبلون على تطوّر المقاومة إلى صراع حقيقي، وتجاوز الممانعة إلى رفض وصراع. هذا ما يجب أن يؤسس البوصلة وليس الراهن الذي بات من الماضي.

المصدر: الغد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s